العدد : ١٧٦٠٩ - الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٩ - الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

تصحيح بوصلة الفعاليات الدينية

حين‭ ‬يجتمع‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬سنوياً‭ ‬برؤساء‭ ‬المآتم‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعقد‭ ‬مجرد‭ ‬لقاء‭ ‬بروتوكولي‭.. ‬هو‭ ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬حَمَلة‭ ‬رسالة،‭ ‬ومع‭ ‬من‭ ‬بيده‭ ‬مفاتيح‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬وجدان‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬البحرينيين‭ ‬خلال‭ ‬موسم‭ ‬عاشوراء‭. ‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الإقليمية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬نعيشها،‭ ‬تكتسب‭ ‬كلمة‭ ‬معاليه‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أهمية‭ ‬مضاعفة،‭ ‬لأنها‭ ‬جاءت‭ ‬لتضبط‭ ‬البوصلة،‭ ‬وتُذكّر‭ ‬الجميع‭ ‬بأصل‭ ‬الحكاية‭: ‬عاشوراء‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬وستبقى‭ ‬مناسبة‭ ‬ولاء‭ ‬للوطن‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬ولاء‭ ‬آخر‭. ‬عاشوراء‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬تاريخها‭ ‬قديم‭.. ‬والبحريني‭ ‬أحياها‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭ ‬كتعبير‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬الحق‭ ‬والعدل‭ ‬والتضحية،‭ ‬لكنها‭ ‬ظلت‭ ‬دائماً‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬البيت‭ ‬البحريني‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬المشكلة‭ ‬بدأت‭ ‬عندما‭ ‬حاول‭ ‬فكر‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬سابقة‭ ‬اختطاف‭ ‬المناسبة‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬شعيرة‭ ‬دينية‭ ‬جامعة‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬سياسية‭ ‬لاستيراد‭ ‬الولاءات‭ ‬وتقسيم‭ ‬المجتمع‭.‬

لقاء‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬مع‭ ‬رؤساء‭ ‬المآتم‭ ‬جاء‭ ‬ليقولها‭ ‬بوضوح‭: ‬المآتم‭ ‬والمواكب‭ ‬الحسينية‭ ‬مؤسسات‭ ‬بحرينية،‭ ‬تحكمها‭ ‬قوانين‭ ‬البحرين،‭ ‬وتخاطب‭ ‬وجدان‭ ‬البحريني،‭ ‬والبوصلة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬مكانها‭ ‬الصحيح‭.. ‬البوصلة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬المنامة‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬عاصمة‭ ‬أخرى‭. ‬وتصحيح‭ ‬البوصلة‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الخطيب‭ ‬الذي‭ ‬يعتلي‭ ‬المنبر‭ ‬يتذكر‭ ‬أنه‭ ‬يخاطب‭ ‬‮«‬مواطناً‭ ‬بحرينياً‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخاطب‭ ‬‮«‬شيعياً‮»‬‭.. ‬وأن‭ ‬الموكب‭ ‬الذي‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المخصصة‭ ‬يتذكر‭ ‬أنه‭ ‬يمشي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬وتحت‭ ‬علمها‭. ‬

عاشوراء‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬لا‭ ‬لتفجيره،‭ ‬والقصائد‭ ‬لها‭ ‬طابعها،‭ ‬لكن‭ ‬جوهر‭ ‬عاشوراء‭ ‬هو‭ ‬‮«‬وحدة‭ ‬الصف‮»‬‭.. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬توجيهات‭ ‬معالي‭ ‬الوزير‭: ‬اجعلوا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي‭. ‬كيف؟‭ ‬أولاً‭: ‬بتجريم‭ ‬أي‭ ‬خطاب‭ ‬طائفي‭ ‬تحريضي‭ ‬يصف‭ ‬البحريني‭ ‬الآخر‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬عدو‮»‬‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الأوصاف‭.. ‬ثانياً‭: ‬بتذكير‭ ‬الشباب‭ ‬أن‭ ‬حب‭ ‬‮«‬آل‭ ‬البيت‭ ‬والحسين‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬حب‭ ‬البحرين‭. ‬بل‭ ‬العكس‭: ‬من‭ ‬يحب‭ ‬الحسين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحب‭ ‬وطنه،‭ ‬لأن‭ ‬الحسين‭ ‬ضحى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إصلاح‭ ‬أمة،‭ ‬والأمة‭ ‬تبدأ‭ ‬بالوطن‭. ‬ثالثاً‭: ‬بفتح‭ ‬المآتم‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭. ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬البحريني‭ ‬السني‭ ‬والبحريني‭ ‬الشيعي‭ ‬يشربان‭ ‬‮«‬الشاي‮»‬‭ ‬في‭ ‬المأتم‭ ‬الواحد،‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬حالات‭ ‬مناعته،‭ ‬واللقاء‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الشباب‭ ‬والناشئة‭. ‬

لقاء‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬مع‭ ‬رؤساء‭ ‬المآتم‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬جدار‭ ‬الصد‮»‬‭ ‬الأول،‭ ‬لأن‭ ‬الشاب‭ ‬يسمع‭ ‬الكلام‭ ‬من‭ ‬شيخه‭ ‬ومن‭ ‬رئيس‭ ‬مأتمه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يسمعه‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مسؤول،‭ ‬وحينما‭ ‬يخرج‭ ‬التوجيه‭ ‬الرسمي‭ ‬ويمر‭ ‬عبر‭ ‬المنبر‭ ‬الحسيني،‭ ‬يوصل‭ ‬للشاب‭ ‬بلغة‭ ‬يفهمها‭ ‬وفي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يثق‭ ‬به‭.. ‬هذه‭ ‬أذكى‭ ‬استراتيجية‭ ‬تحصين‭: ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬الشاب‭ ‬بالمنع،‭ ‬بل‭ ‬ازرع‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الوطنية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التدين‮»‬‭. ‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬يفهم‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬عاشوراء‭ ‬نفسها،‭ ‬يصبح‭ ‬محصناً‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬استقطاب‭. ‬والحكمة‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬البيت‭ ‬اللي‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬ساس،‭ ‬طايح‭ ‬لا‭ ‬محالة‮»‬‭. ‬والساس‭ ‬هو‭ ‬الانتماء‭ ‬للأرض‭. ‬البحريني‭ ‬فهمها‭ ‬من‭ ‬زمان‭: ‬تقدر‭ ‬تختلف‭ ‬مع‭ ‬جارك‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تقدر‭ ‬تختلف‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬البلد‭ ‬اللي‭ ‬يأويكم‭ ‬أنتم‭ ‬الاثنين‭. ‬وعاشوراء‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬ساس‮»‬‭ ‬للوحدة‭. ‬في‭ ‬المحرق‭ ‬والمنامة‭ ‬والرفاع‭ ‬وسترة،‭ ‬كان‭ ‬الموكب‭ ‬يمر‭ ‬والكل‭ ‬يقف‭ ‬احتراماً،‭ ‬والكل‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭. ‬

كلمة‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬ليست‭ ‬تقييداً‭ ‬للحرية‭ ‬الدينية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حماية‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الاختطاف،‭ ‬وهي‭ ‬تذكير‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬قادرة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬نموذجاً‮»‬‭ ‬للعالم‭: ‬كيف‭ ‬نحيي‭ ‬شعائرنا‭ ‬بكل‭ ‬حرية،‭ ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬وطننا‭ ‬بكل‭ ‬صلابة‭. ‬عاشوراء‭ ‬قادمة،‭ ‬والفرصة‭ ‬أمام‭ ‬رؤساء‭ ‬المآتم‭ ‬والخطباء‭ ‬والشباب‭ ‬ذهبية‭. ‬اجعلوها‭ ‬موسماً‭ ‬نستعيد‭ ‬فيه‭ ‬البحرينية‭ ‬الأصيلة‭: ‬بحرين‭ ‬التسامح،‭ ‬بحرين‭ ‬التعايش،‭ ‬بحرين‭ ‬‮«‬البيت‭ ‬الواحد‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا