الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
تصحيح بوصلة الفعاليات الدينية
حين يجتمع معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية سنوياً برؤساء المآتم في مملكة البحرين، فهو لا يعقد مجرد لقاء بروتوكولي.. هو يجلس مع حَمَلة رسالة، ومع من بيده مفاتيح التأثير على وجدان عشرات الآلاف من البحرينيين خلال موسم عاشوراء.
وفي ظل الظروف الإقليمية الاستثنائية التي نعيشها، تكتسب كلمة معاليه هذا العام أهمية مضاعفة، لأنها جاءت لتضبط البوصلة، وتُذكّر الجميع بأصل الحكاية: عاشوراء البحرين كانت وستبقى مناسبة ولاء للوطن قبل أي ولاء آخر. عاشوراء في البحرين تاريخها قديم.. والبحريني أحياها عبر القرون كتعبير عن قيم الحق والعدل والتضحية، لكنها ظلت دائماً ضمن إطار «البيت البحريني»، ولكن المشكلة بدأت عندما حاول فكر «ولاية الفقيه» في عقود سابقة اختطاف المناسبة وتحويلها من شعيرة دينية جامعة إلى منصة سياسية لاستيراد الولاءات وتقسيم المجتمع.
لقاء وزير الداخلية مع رؤساء المآتم جاء ليقولها بوضوح: المآتم والمواكب الحسينية مؤسسات بحرينية، تحكمها قوانين البحرين، وتخاطب وجدان البحريني، والبوصلة يجب أن تعود الى مكانها الصحيح.. البوصلة التي تشير إلى المنامة وليس إلى أي عاصمة أخرى. وتصحيح البوصلة يعني أن الخطيب الذي يعتلي المنبر يتذكر أنه يخاطب «مواطناً بحرينياً» قبل أن يخاطب «شيعياً».. وأن الموكب الذي يسير في الأماكن المخصصة يتذكر أنه يمشي على أرض البحرين وتحت علمها.
عاشوراء فرصة لتعزيز التماسك لا لتفجيره، والقصائد لها طابعها، لكن جوهر عاشوراء هو «وحدة الصف».. وهنا تكمن أهمية توجيهات معالي الوزير: اجعلوا من هذا الموسم فرصة لتعزيز التماسك المجتمعي. كيف؟ أولاً: بتجريم أي خطاب طائفي تحريضي يصف البحريني الآخر بأنه «عدو» أو غيره من الأوصاف.. ثانياً: بتذكير الشباب أن حب «آل البيت والحسين» لا يتعارض مع حب البحرين. بل العكس: من يحب الحسين يجب أن يحب وطنه، لأن الحسين ضحى من أجل إصلاح أمة، والأمة تبدأ بالوطن. ثالثاً: بفتح المآتم أمام الجميع. يوم كان البحريني السني والبحريني الشيعي يشربان «الشاي» في المأتم الواحد، كان المجتمع في أشد حالات مناعته، واللقاء استثمار في الشباب والناشئة.
لقاء وزير الداخلية مع رؤساء المآتم هو بمثابة «جدار الصد» الأول، لأن الشاب يسمع الكلام من شيخه ومن رئيس مأتمه أكثر مما يسمعه من أي مسؤول، وحينما يخرج التوجيه الرسمي ويمر عبر المنبر الحسيني، يوصل للشاب بلغة يفهمها وفي المكان الذي يثق به.. هذه أذكى استراتيجية تحصين: لا تواجه الشاب بالمنع، بل ازرع في عقله أن «الوطنية جزء من التدين».
ذلك أن الشاب الذي يفهم أن الدفاع عن البحرين هو دفاع عن قيم عاشوراء نفسها، يصبح محصناً ضد أي استقطاب. والحكمة تقول: «البيت اللي ما له ساس، طايح لا محالة». والساس هو الانتماء للأرض. البحريني فهمها من زمان: تقدر تختلف مع جارك في الرأي، لكن ما تقدر تختلف معه على اسم البلد اللي يأويكم أنتم الاثنين. وعاشوراء البحرين على مر التاريخ كانت «ساس» للوحدة. في المحرق والمنامة والرفاع وسترة، كان الموكب يمر والكل يقف احتراماً، والكل يشارك في الخدمة.
كلمة معالي وزير الداخلية هذا العام ليست تقييداً للحرية الدينية، بل هي حماية لها من الاختطاف، وهي تذكير أن البحرين قادرة أن تكون «نموذجاً» للعالم: كيف نحيي شعائرنا بكل حرية، وبنفس الوقت نحافظ على وحدة وطننا بكل صلابة. عاشوراء قادمة، والفرصة أمام رؤساء المآتم والخطباء والشباب ذهبية. اجعلوها موسماً نستعيد فيه البحرينية الأصيلة: بحرين التسامح، بحرين التعايش، بحرين «البيت الواحد».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك