العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية حرة

حسين صالح

كروش منتفخة وظهور محترقة!

نشكر‭ ‬وزارة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬حظر‭ ‬العمل‭ ‬وقت‭ ‬الظهيرة‭.. ‬فهو‭ ‬قرار‭ ‬إنساني‭ ‬محترم‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تهتم‭ ‬بصحة‭ ‬العمال‭ ‬وسلامتهم‭.. ‬وذلك‭ ‬بحظر‭ ‬تشغيل‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المكشوفة‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬من‭ ‬الساعة‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬ظهرا‭ ‬حتى‭ ‬الرابعة‭ ‬عصرا‭ ‬اعتبارا‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬يونيو‭ ‬إلى‭ ‬31‭ ‬أغسطس‭ ‬2026‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬الشمس‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بهذه‭ ‬المواعيد‭ ‬إطلاقا‭.. ‬فهذه‭ ‬الأيام‭.. ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬فترة‭ ‬الحظر‭.. ‬هناك‭ ‬أوقات‭ ‬تشوي‭ ‬الواحد‭ ‬وكأنك‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬فرن‭ ‬مفتوح‭.‬

أمس‭ ‬فقط‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬البيت‭.. ‬فوجدت‭ ‬عمالا‭ ‬يعملون‭ ‬أمام‭ ‬المنزل‭ ‬لتركيب‭ ‬عداد‭ ‬ماء‭ ‬جديد‭.. ‬مجرد‭ ‬دقائق‭ ‬وقفت‭ ‬أسألهم‭: ‬ماذا‭ ‬تفعلون؟‭ ‬ثم‭ ‬دخلت‭ ‬البيت‭ ‬سريعا‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الحر‭.. ‬وهنا‭ ‬بدأت‭ ‬أفكر‭: ‬كيف‭ ‬لهؤلاء‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬المشتعل؟‭ ‬أنا‭ ‬بالكاد‭ ‬وقفت‭ ‬دقائق‭ ‬وشعرت‭ ‬أن‭ ‬الحرارة‭ ‬تلسع‭ ‬الوجه‭.‬

العامل‭ ‬المسكين‭ ‬يقضي‭ ‬يومه‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬الخارج؛‭ ‬يعمل‭ ‬تحت‭ ‬حرارة‭ ‬الشمس‭.. ‬ويستريح‭ ‬تحت‭ ‬حرارة‭ ‬الشمس‭.. ‬ويتناول‭ ‬غداءه‭ ‬تحت‭ ‬حرارة‭ ‬الشمس‭.‬

بعض‭ ‬العمال‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬مكانا‭ ‬مناسبا‭ ‬للراحة‭ ‬أو‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭.. ‬فتراه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ظل‭ ‬شجرة‭.. ‬وإذا‭ ‬وجد‭ ‬الظل‭ ‬اكتشف‭ ‬أن‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬تحته‭ ‬أقل‭ ‬بنصف‭ ‬درجة‭ ‬فقط‭!‬

بعض‭ ‬المقاولين‭ ‬الذين‭ ‬يجلسون‭ ‬على‭ ‬كراسيهم‭ ‬المخملية‭ ‬المكيفة‭ ‬لا‭ ‬يشغلهم‭ ‬سوى‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬بأسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭.. ‬ولا‭ ‬يهمهم‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬العامل‭ ‬يجد‭ ‬مكانا‭ ‬مناسبا‭ ‬للاستراحة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬زاوية‭ ‬يأكل‭ ‬فيها‭ ‬وجبته‭ ‬بكرامة‭.. ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬المشروع‭ ‬بسرعة‭.. ‬وأن‭ ‬تستمر‭ ‬الأرباح‭ ‬بالتضخم‭ ‬بينما‭ ‬العامل‭ ‬يذوب‭ ‬تحت‭ ‬الشمس‭ ‬وكأنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬البناء‭. ‬

هناك‭ ‬رجال‭ ‬أعمال‭ ‬يريدون‭ ‬التكسب‭ ‬السريع‭.. ‬وكأن‭ ‬كروشهم‭ ‬المنتفخة‭ ‬أصلا‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بعد‭.. ‬فلا‭ ‬وقت‭ ‬لديهم‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬عامل‭ ‬يقف‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬تحت‭ ‬حرارة‭ ‬تلسع‭ ‬الجلد‭ ‬وتحرق‭ ‬الأنفاس‭.‬

المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬منع‭ ‬العمل‭ ‬أربع‭ ‬ساعات‭.. ‬بل‭ ‬التفكير‭ ‬بجدية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬العامل‭ ‬طوال‭ ‬اليوم‭: ‬أماكن‭ ‬راحة‭ ‬حقيقية‭.. ‬ومياه‭ ‬باردة‭ ‬ومرافق‭ ‬آدمية‭ ‬تليق‭ ‬بالبشر‭.. ‬فالعامل‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬لحم‭ ‬ودم‭.. ‬وليس‭ ‬آلة‭ ‬تتحمل‭ ‬الشمس‭ ‬من‭ ‬الصباح‭ ‬حتى‭ ‬المساء‭.‬

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا