الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
قراءة في الكلمة السامية
تقول الحكمة العربية: «إذا اشتدت الريح عُرف رسوخ الجذور».. هذه حكمة تختزل معنى صمود الأمم والمجتمعات.. وما تشهده مملكة البحرين اليوم من تحديات إقليمية يثبت أن هذه الجذور ضاربة في العمق، وأن رسوخها هو ما منح الوطن قدرته على الثبات في وجه العواصف.
لذلك جاءت الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة المعظم في اجتماع مجلس الوزراء لتجسد مرة أخرى دور القيادة البحرينية كمرجعية وطنية راسخة في قراءة المتغيرات الإقليمية وتوجيه البوصلة الداخلية.. فالخطاب الملكي السامي لا يُقرأ كبيان سياسي عابر، بل كنص تأسيسي يضع ثلاثة محاور متكاملة: «تحصين الداخل، ترسيخ موقف إقليمي مبدئي، وتجديد العقد الوطني بين القيادة والشعب».
«التقدير كأداة تحصين» استهل جلالته الكلمة بالشكر لكل من عبّر عن الحب الوطني ومساندة الإجراءات الأخيرة. هذا الاستهلال مقصود بعمق. ففي علم السياسة، تقدير القيادة للمواطن ليس مجاملة بل آلية «تحصين ناعم» للجبهة الداخلية. وعندما تبادل القيادة الوفاء بالوفاء وتجدد عهد الذود عن الوطن، فإنها تحول العلاقة من علاقة حكم إلى علاقة مصير مشترك.
كما أن الإشارة إلى الأدباء والشعراء ومؤسسات الدولة والفعاليات المجتمعية تؤكد أن مفهوم الأمن الوطني في البحرين توسع ليشمل الأمن الثقافي والمجتمعي.. والرسالة واضحة: كل مواطن هو خط دفاع، وكل موقف مسؤول هو إضافة للمناعة الوطنية.
«الموقف الإقليمي» إن الحزم الأخلاقي وضبط النفس الاستراتيجي هو الجزء الأهم في الكلمة الملكية السامية، إذ ان جلالته أضاف إلى إدانة الاعتداءات الإيرانية، «سجّل للتاريخ» صمود البحرين، وهذا التعبير قانوني وتاريخي في آن معاً، ويعني أن البحرين تبني روايتها بنفسها ولا تنتظر أن يكتبها الآخرون.
كما أن وصف الحرب بأنها «دفاعية غير مسبوقة» يضع البحرين في موقع حق الدفاع الشرعي، وهو ما يقوي موقفها في أي محفل دولي. ثم يأتي تأكيد ثلاثة ثوابت: «مضيق هرمز ممر بحري دولي»، أي رفض أي محاولة لابتزاز العالم كورقة سياسية.. «عودة حرية الملاحة بأسرع وقت»، باعتباره أولوية اقتصادية وأمنية للبحرين والعالم.. «خلو المنطقة من أسلحة الدمار الشامل»، وهو مبدأ أخلاقي يضع البحرين في صف دعاة نزع السلاح.
وفي كلمة جلالته بشأن ترجيح كفة «السلام والوئام والدبلوماسية الحضارية» فهو تأكيد على قوة ناعمة مدروسة.. فجلالته يربط الأمن بثلاثة عناصر حيوية: تنمية الإنسان، الوعي بالتاريخ المشترك، وروابط الجوار.. هذه معادلة بحرينية أصيلة تقول إن المعركة لا تُربح بالصواريخ فقط، بل بالعقول والقلوب.
ومن أبرز مضامين الكلمة التأكيد على تجديد العقد والمسؤولية العربية، والتحية الملكية السامية لقوة دفاع البحرين والحرس الوطني والداخلية والتي جاءت في قلب الخطاب، لأنها تذكير بأن السيادة تبدأ بجهاز دفاعي محترف، ووصف «الجاهزية الدفاعية المتكاملة» يطمئن الداخل ويردع الخارج. والأهم هو ربط الاستعداد الدائم بمسؤولية عربية تاريخية.. هنا ينتقل جلالته من البعد الوطني إلى البعد القومي، مؤكداً أن أمن البحرين جزء من أمن الإقليم، وأن الدولة المدنية المستقلة القادرة على ترسيخ وحدتها الوطنية هي الضمان لمواجهة استحقاقات المستقبل.
وقد ختم جلالته الكلمة السامية بوصف البحرين بأنها «دولة سلام عبر العصور» ووصف الشعب بأنه «قوة الوطن في الحرب والسلم». هذه الجملة تلخص المعادلة البحرينية: لا سلام بلا قوة، ولا قوة بلا وحدة.. والكلمة السامية بذلك تقدم نموذجاً في إدارة الأزمات يجمع بين ثلاثة: وضوح الموقف، ضبط النفس، وتفعيل الدبلوماسية.
وهي دعوة لكل مؤسسات الدولة، تشريعية وتنفيذية ومجتمعية، بأن تترجم هذه التوجيهات إلى عمل يومي يصون المصلحة الوطنية العليا. في زمن تتسارع فيه الأزمات، تبقى الكلمة الملكية هي البوصلة التي تعيد ترتيب الأولويات: الوطن أولاً.. والوحدة سلاح.. والسلام هدف لا يتحقق إلا بالقدرة على حمايته.
لتبقى مملكة البحرين راسخة بجذورها في أعماق هذه الأرض الطيبة المباركة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك