العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

قراءة في الكلمة السامية

تقول‭ ‬الحكمة‭ ‬العربية‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬اشتدت‭ ‬الريح‭ ‬عُرف‭ ‬رسوخ‭ ‬الجذور‮»‬‭.. ‬هذه‭ ‬حكمة‭ ‬تختزل‭ ‬معنى‭ ‬صمود‭ ‬الأمم‭ ‬والمجتمعات‭.. ‬وما‭ ‬تشهده‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬إقليمية‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الجذور‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬وأن‭ ‬رسوخها‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الوطن‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الثبات‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬العواصف‭. ‬

لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬المعظم‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬لتجسد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬دور‭ ‬القيادة‭ ‬البحرينية‭ ‬كمرجعية‭ ‬وطنية‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬المتغيرات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وتوجيه‭ ‬البوصلة‭ ‬الداخلية‭.. ‬فالخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬كبيان‭ ‬سياسي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬كنص‭ ‬تأسيسي‭ ‬يضع‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬متكاملة‭: ‬‮«‬تحصين‭ ‬الداخل،‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقف‭ ‬إقليمي‭ ‬مبدئي،‭ ‬وتجديد‭ ‬العقد‭ ‬الوطني‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب‮»‬‭. ‬

‮«‬التقدير‭ ‬كأداة‭ ‬تحصين‮»‬‭ ‬استهل‭ ‬جلالته‭ ‬الكلمة‭ ‬بالشكر‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬الوطني‭ ‬ومساندة‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأخيرة‭. ‬هذا‭ ‬الاستهلال‭ ‬مقصود‭ ‬بعمق‭.‬‭ ‬ففي‭ ‬علم‭ ‬السياسة،‭ ‬تقدير‭ ‬القيادة‭ ‬للمواطن‭ ‬ليس‭ ‬مجاملة‭ ‬بل‭ ‬آلية‭ ‬‮«‬تحصين‭ ‬ناعم‮»‬‭ ‬للجبهة‭ ‬الداخلية‭. ‬وعندما‭ ‬تبادل‭ ‬القيادة‭ ‬الوفاء‭ ‬بالوفاء‭ ‬وتجدد‭ ‬عهد‭ ‬الذود‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬فإنها‭ ‬تحول‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬حكم‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬مصير‭ ‬مشترك‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الأدباء‭ ‬والشعراء‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والفعاليات‭ ‬المجتمعية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬توسع‭ ‬ليشمل‭ ‬الأمن‭ ‬الثقافي‭ ‬والمجتمعي‭.. ‬والرسالة‭ ‬واضحة‭: ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬هو‭ ‬خط‭ ‬دفاع،‭ ‬وكل‭ ‬موقف‭ ‬مسؤول‭ ‬هو‭ ‬إضافة‭ ‬للمناعة‭ ‬الوطنية‭. ‬

‮«‬الموقف‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ ‬إن‭ ‬الحزم‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وضبط‭ ‬النفس‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬هو‭ ‬الجزء‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬الملكية‭ ‬السامية،‭ ‬إذ‭ ‬ان‭ ‬جلالته‭ ‬أضاف‭ ‬إلى‭ ‬إدانة‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬‮«‬سجّل‭ ‬للتاريخ‮»‬‭ ‬صمود‭ ‬البحرين،‭ ‬وهذا‭ ‬التعبير‭ ‬قانوني‭ ‬وتاريخي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معاً،‭ ‬ويعني‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تبني‭ ‬روايتها‭ ‬بنفسها‭ ‬ولا‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬يكتبها‭ ‬الآخرون‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬الحرب‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬دفاعية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‮»‬‭ ‬يضع‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬حق‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقوي‭ ‬موقفها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬محفل‭ ‬دولي‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬تأكيد‭ ‬ثلاثة‭ ‬ثوابت‭: ‬‮«‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ممر‭ ‬بحري‭ ‬دولي‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬رفض‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لابتزاز‭ ‬العالم‭ ‬كورقة‭ ‬سياسية‭.. ‬‮«‬عودة‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬بأسرع‭ ‬وقت‮»‬،‭ ‬باعتباره‭ ‬أولوية‭ ‬اقتصادية‭ ‬وأمنية‭ ‬للبحرين‭ ‬والعالم‭.. ‬‮«‬خلو‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬أخلاقي‭ ‬يضع‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬دعاة‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭. ‬

وفي‭ ‬كلمة‭ ‬جلالته‭ ‬بشأن‭ ‬ترجيح‭ ‬كفة‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬والوئام‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬الحضارية‮»‬‭ ‬فهو‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬ناعمة‭ ‬مدروسة‭.. ‬فجلالته‭ ‬يربط‭ ‬الأمن‭ ‬بثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬حيوية‭: ‬تنمية‭ ‬الإنسان،‭ ‬الوعي‭ ‬بالتاريخ‭ ‬المشترك،‭ ‬وروابط‭ ‬الجوار‭.. ‬هذه‭ ‬معادلة‭ ‬بحرينية‭ ‬أصيلة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬المعركة‭ ‬لا‭ ‬تُربح‭ ‬بالصواريخ‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالعقول‭ ‬والقلوب‭. ‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬مضامين‭ ‬الكلمة‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬العقد‭ ‬والمسؤولية‭ ‬العربية،‭ ‬والتحية‭ ‬الملكية‭ ‬السامية‭ ‬لقوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬والحرس‭ ‬الوطني‭ ‬والداخلية‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخطاب،‭ ‬لأنها‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬السيادة‭ ‬تبدأ‭ ‬بجهاز‭ ‬دفاعي‭ ‬محترف،‭ ‬ووصف‭ ‬‮«‬الجاهزية‭ ‬الدفاعية‭ ‬المتكاملة‮»‬‭ ‬يطمئن‭ ‬الداخل‭ ‬ويردع‭ ‬الخارج‭. ‬والأهم‭ ‬هو‭ ‬ربط‭ ‬الاستعداد‭ ‬الدائم‭ ‬بمسؤولية‭ ‬عربية‭ ‬تاريخية‭.. ‬هنا‭ ‬ينتقل‭ ‬جلالته‭ ‬من‭ ‬البعد‭ ‬الوطني‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬القومي،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬البحرين‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الإقليم،‭ ‬وأن‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬المستقلة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬وحدتها‭ ‬الوطنية‭ ‬هي‭ ‬الضمان‭ ‬لمواجهة‭ ‬استحقاقات‭ ‬المستقبل‭. ‬

وقد‭ ‬ختم‭ ‬جلالته‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬بوصف‭ ‬البحرين‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬سلام‭ ‬عبر‭ ‬العصور‮»‬‭ ‬ووصف‭ ‬الشعب‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬تلخص‭ ‬المعادلة‭ ‬البحرينية‭: ‬لا‭ ‬سلام‭ ‬بلا‭ ‬قوة،‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬بلا‭ ‬وحدة‭.. ‬والكلمة‭ ‬السامية‭ ‬بذلك‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭: ‬وضوح‭ ‬الموقف،‭ ‬ضبط‭ ‬النفس،‭ ‬وتفعيل‭ ‬الدبلوماسية‭. ‬

وهي‭ ‬دعوة‭ ‬لكل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬تشريعية‭ ‬وتنفيذية‭ ‬ومجتمعية،‭ ‬بأن‭ ‬تترجم‭ ‬هذه‭ ‬التوجيهات‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬يومي‭ ‬يصون‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬الأزمات،‭ ‬تبقى‭ ‬الكلمة‭ ‬الملكية‭ ‬هي‭ ‬البوصلة‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭: ‬الوطن‭ ‬أولاً‭.. ‬والوحدة‭ ‬سلاح‭.. ‬والسلام‭ ‬هدف‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬حمايته‭.‬

لتبقى‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬راسخة‭ ‬بجذورها‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬الطيبة‭ ‬المباركة‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا