الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
وحدة الأوقاف.. تفعيل لثروة معطلة
الأوقاف في مملكة البحرين جزء أصيل من نسيج المجتمع، وقناة تاريخية للبر والإحسان والتنمية.. لكن استمرار تقسيم إدارتها بين مجلس الأوقاف السنية ومجلس الأوقاف الجعفرية كشف عن تحديات هيكلية، أثرت على كفاءة الاستثمار واستدامة العائد، وهو ما أشارت إليه مراراً وتكرارا تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية.
إنشاء مجلس أوقاف موحّد يصون الخصوصية المذهبية، ويرفع كفاءة الاستثمار.. لماذا المجلس الموحّد أنفع؟ سؤال محوري مهم، وإجابته تتلخص في التالي، أولاً: استدامة الاستثمار الوقفي.. الوقف ليس صدقة مستهلكة، بل أصل ينمو ويُدار كأصل استثماري.. التجارب الخليجية والعالمية أثبتت أن الصناديق الوقفية الكبيرة قادرة على الدخول في مشاريع عقارية وتعليمية وصحية، تحقق عوائد سنوية ثابتة. كما أن التجزئة السابقة كانت تمنع تحقيق حجم اقتصادي يجذب شراكات واستثمارات كبرى.. والمجلس الموحّد يملك محفظة أكبر يستطيع التفاوض مع القطاع الخاص، وإنشاء صكوك وقفية، وتأسيس صناديق استثمارية وفق الضوابط الشرعية، بما يضمن دخلاً متزايداً للأجيال القادمة.
ثانياً: خدمة أفضل للمستفيدين.. ذلك أن الهدف النهائي للوقف هو المستفيد ((طالب العلم، المريض، الأسرة المتعففة، المسجد، المدرسة القرآنية، وغيرها)).. والمجلس الموحّد يعني بوابة إلكترونية واحدة، ومعايير صرف واضحة، وتوزيعاً عادلاً يخضع للمراجعة والرقابة، من دون أن يعني ذلك خلطاً بين مصارف الوقف.
ثالثاً: إنهاء الهدر وتوحيد الحوكمة، فتقارير ديوان الرقابة كشفت ملاحظات متكررة حول ضعف المتابعة، وتأخر الصيانة، وتدني العائد على بعض الأعيان الموقوفة، وتعدد الإجراءات الإدارية بين مجلسين يعملان على أصول متقاربة.. مجلس واحد يعني نظاماً محاسبياً موحداً، ومعايير استثمار واضحة، وإدارة أصول مركزية تقلل الكلفة وتزيد الشفافية.. الوفر الإداري وحده كافٍ لإعادة توجيه ملايين الدنانير سنوياً للصرف على المستفيدين بدلاً من الصرف على الهيكل.
نقطة محورية وهي الأهم، إذ لا تعارض مع الدين ولا مع خصوصية المذهب في وحدة الأوقاف الإسلامية.. حجة بعض المعارضين «المتمصلحين» أن التوحيد يمسّ خصوصية المذهب غير دقيقة فقهياً وإدارياً.
فقهياً: شرط الواقف معتبر شرعاً.. ويمكن للمجلس الموحّد أن يلتزم شرط الوقفين نصاً وروحاً.. فوقف المذهب الجعفري يُصرف على مصارفه، ووقف المذهب السني يُصرف على مصارفه، كما هو الحال في إدارة الأوقاف السعودية والكويتية، التي جمعت الإدارة مع الحفاظ على مصارف كل وقف.
أما إدارياً: فإن التوحيد يكون في الحوكمة والاستثمار والرقابة، بينما تظل لجنة شرعية متخصصة لكل مذهب تحدد المصارف وتشرف على الالتزام الفقهي.. هذا نموذج «مركزية الإدارة لا مركزية المصرف».. وبذلك نحقق الكفاءة من دون المساس بالهوية أو الاجتهاد المذهبي.
في ماليزيا وسنغافورة يُدار الوقف هناك عبر مجالس مركزية، تحقق عوائد تتجاوز 6-8% سنوياً، وتمول مدارس ومستشفيات ومنحاً دراسية.. وفي مملكة البحرين، لدينا أصول عقارية وتجارية قيمة، يمكن أن تتحول من أصول راكدة إلى مشاريع مدرّة للدخل لو أُديرت بمنهجية استثمارية احترافية.. والاستمرار في الوضع السابق يعني استمرار الهدر الذي وثقه ديوان الرقابة، وتفويت فرصة تاريخية لتقوية التكافل الاجتماعي.
إنشاء مجلس أوقاف إسلامية موحّد ليس ترفاً إدارياً، بل استجابة عملية لتقارير الرقابة، وحاجة تنموية إلى تفعيل ثروة وطنية معطلة.. هو خطوة لضمان أن يبقى الوقف حيّاً نامياً، يخدم الناس اليوم وغداً، مع صون كامل لشرط الواقف وخصوصية المذهب.. والتطوير لا يخالف الدين، بل يحقق مقصده الأعلى: دوام النفع وكثرة الأجر.. والمصلحة العامة تقتضي أن ننتقل من إدارة مكررة ومجزأة، إلى إدارة موحّدة رشيدة، تحول الأوقاف من «ملف إداري» إلى «رافعة تنموية حقيقية» لمملكة البحرين.
نقطة أخيرة.. حينما يتزامن نشر «قنوات إيرانية» تقارير تلفزيونية وتغريدات مناهضة لوحدة الأوقاف الإسلامية في مملكة البحرين.. مع تصريحات منبرية وحملة مشوهة في حسابات التواصل تابعة لولاية الفقيه.. فأعلم أن وطنك على حق.. وأن المشروع الوطني الجامع مستهدف.. وأن «تجار وأثرياء وأغنياء وحتى ذيول» ولاية الفقيه قد فقدوا مصدرا من مصادر التمويل الإرهابي بالنسبة إليهم، بعدما حرموا صرفه على المستحقين والفقراء والمحتاجين.. وما تم وقفه شرعا وأصلا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك