الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
إنجاز تاريخي.. للدبلوماسية البحرينية
تحقيق الأرقام الاستثنائية والإنجازات التاريخية، ليس حكرا على المنافسات الرياضية والبطولات الكروية وحدها.. ثمة منافسات ومجالات تحقق أرقاما استثنائية أهم من الرياضة وغيرها، من أبرزها المجال الدبلوماسي، لأنها تتعلق بالحياة والسلام، والأمن والتنمية، والمستقبل كذلك.
لذلك حظيت جهود مملكة البحرين الدبلوماسية بإشادة مباشرة من وزير الخارجية الأمريكي، بعد نجاحها في تحقيق رقم تاريخي في مستوى التأييد الدولي داخل مجلس الأمن الدولي بشأن حماية أمن الملاحة في مضيق هرمز.. وهذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة مسار دبلوماسي متوازن يقوم على الحوار والاعتدال وبناء الثقة، ويجسد رؤية المملكة في أن الأمن والاستقرار لا يتحققان بالتصعيد، بل بالحلول المسؤولة والعمل متعدد الأطراف.
يثبت التاريخ أن الحوار قادر على ما تعجز عنه القوة، وأن الجسور التي تبنى بالكلمة تصمد أكثر من الجدران التي تقام بالسلاح.. وفي هذا المعنى قال الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة داغ همرشولد: «الدبلوماسية هي فن جعل الآخرين يرون الأمور كما تراها أنت، دون أن يشعروا بأنك فرضت عليهم ذلك».. وهي مقولة تلخص جوهر المنهج الدبلوماسي البحريني الحكيم، القائم على الإقناع والتقريب لا الإملاء والإقصاء.. وهو مبدأ تتجلى تطبيقاته في السياسة الخارجية لمملكة البحرين، وفق رؤية ملكية سامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وتوجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
تاريخ الدبلوماسية البحرينية يعود إلى أواخر عام 1969 من خلال تأسيس ما سُمي بـ «مكتب العلاقات الخارجية أو العلاقات السياسية»، وكان يرأسه آنذاك سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، عراب الدبلوماسية البحرينية، الذي تحول بعد ذلك إلى نواة لتأسيس وزارة الخارجية البحرينية مع تشكيل أول حكومة للبحرين عام 1971.. واستمر على هذا النهج معالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزير الخارجية السابق، ومستشار جلالة الملك للشؤون الدبلوماسية حاليا، وواصل المسيرة الدبلوماسية الناجحة سعادة د. عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية الحالي بكل كفاء وتميز.
لقد تمكنت مملكة البحرين من تحويل «مضيق هرمز» كملف حساس يمس مصالح العالم أجمع إلى فرصة لتوحيد المواقف.. فمضيق هرمز شريان حيوي لأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وأي اضطراب فيه يمتد تأثيره من الخليج العربي إلى أسواق المستهلكين في آسيا وأوروبا وأمريكا.. ومن هنا جاء التحرك البحريني ليؤكد أن حماية الممرات المائية مسؤولية دولية مشتركة، وأن معالجتها تقتضي الالتزام بالقانون الدولي للبحار، وضبط النفس، وتعزيز التنسيق بين الدول.
النتيجة كانت حشد تأييد دولي واسع، يعكس قناعة المجتمع الدولي بأن مقاربة البحرين واقعية وقابلة للتنفيذ، والإشادة الدولية في هذا السياق ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف بأن مملكة البحرين أصبحت صوتاً مؤثراً للاعتدال داخل مجلس الأمن، وهي رسالة أيضاً إلى المنطقة والعالم بأن الدول الصغيرة ذات السياسة الخارجية المتوازنة، قادرة على قيادة مبادرات ذات أثر ملموس، التي تفضل الحلول السلمية على المواجهة.. فالاعتدال في العلاقات الدولية ليس ضعفاً، بل قوة ناعمة تمنح الدولة قدرة على التوسط، وجمع الأطراف المتنازعة.
وقد قال الزعيم الهندي المهاتما غاندي: «اللاعنف هو أقوى سلاح يملكه الإنسان، وهو أقوى من أقوى سلاح ابتكره ذكاء الإنسان».. وهذا ما تثبته الدبلوماسية البحرينية في تعاملها مع الملفات الإقليمية والدولية، حيث تحرص على أن يكون الحوار هو البديل الأول والأخير، قبل الانزلاق إلى دائرة التصعيد.
إن الرقم التاريخي للتأييد الدولي الذي حققته مملكة البحرين في مجلس الأمن يعكس ثقة متزايدة في منهجها، فالمجتمع الدولي اليوم أكثر وعياً بأن الحروب والنزاعات لا تنتج سوى الخسائر، وأن تجنيب العالم ويلاتها يتطلب أصواتاً عاقلة تمارس دبلوماسية هادئة ومسؤولة.
وكما قال المفكر الأمريكي رالف والدو إمرسون: «الحوار هو الطريق الوحيد لاختصار المسافات بين العقول».. ومملكة البحرين، إذ تثمن هذه الإشادة الدولية، فإنها تؤكد استمرارها في العمل مع الشركاء لترسيخ مبادئ الأمن الجماعي، وحماية حرية الملاحة، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي.. فالرهان الحقيقي يبقى على الدبلوماسية كأداة لصون السلم.. وعلى الحوار كجسر يربط الشعوب.. وعلى الاعتدال كنهج يجنب العالم ويلات الحروب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك