العدد : ١٧٥٩٥ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٥ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

إنجاز تاريخي.. للدبلوماسية البحرينية

تحقيق‭ ‬الأرقام‭ ‬الاستثنائية‭ ‬والإنجازات‭ ‬التاريخية،‭ ‬ليس‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬المنافسات‭ ‬الرياضية‭ ‬والبطولات‭ ‬الكروية‭ ‬وحدها‭.. ‬ثمة‭ ‬منافسات‭ ‬ومجالات‭ ‬تحقق‭ ‬أرقاما‭ ‬استثنائية‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الرياضة‭ ‬وغيرها،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬المجال‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬لأنها‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحياة‭ ‬والسلام،‭ ‬والأمن‭ ‬والتنمية،‭ ‬والمستقبل‭ ‬كذلك‭.‬

لذلك‭ ‬حظيت‭ ‬جهود‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بإشادة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بعد‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬رقم‭ ‬تاريخي‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬التأييد‭ ‬الدولي‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬بشأن‭ ‬حماية‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.. ‬وهذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬ثمرة‭ ‬مسار‭ ‬دبلوماسي‭ ‬متوازن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والاعتدال‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة،‭ ‬ويجسد‭ ‬رؤية‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬لا‭ ‬يتحققان‭ ‬بالتصعيد،‭ ‬بل‭ ‬بالحلول‭ ‬المسؤولة‭ ‬والعمل‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭.‬

يثبت‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تعجز‭ ‬عنه‭ ‬القوة،‭ ‬وأن‭ ‬الجسور‭ ‬التي‭ ‬تبنى‭ ‬بالكلمة‭ ‬تصمد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الجدران‭ ‬التي‭ ‬تقام‭ ‬بالسلاح‭.. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬قال‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الأسبق‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬داغ‭ ‬همرشولد‭: ‬‮«‬الدبلوماسية‭ ‬هي‭ ‬فن‭ ‬جعل‭ ‬الآخرين‭ ‬يرون‭ ‬الأمور‭ ‬كما‭ ‬تراها‭ ‬أنت،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬بأنك‭ ‬فرضت‭ ‬عليهم‭ ‬ذلك‮»‬‭.. ‬وهي‭ ‬مقولة‭ ‬تلخص‭ ‬جوهر‭ ‬المنهج‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬البحريني‭ ‬الحكيم،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الإقناع‭ ‬والتقريب‭ ‬لا‭ ‬الإملاء‭ ‬والإقصاء‭.. ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬تتجلى‭ ‬تطبيقاته‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬ملكية‭ ‬سامية‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬وتوجيهات‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭.‬

تاريخ‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬البحرينية‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬1969‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأسيس‭ ‬ما‭ ‬سُمي‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬مكتب‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬السياسية‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬يرأسه‭ ‬آنذاك‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬مبارك‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬عراب‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬البحرينية،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نواة‭ ‬لتأسيس‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬البحرينية‭ ‬مع‭ ‬تشكيل‭ ‬أول‭ ‬حكومة‭ ‬للبحرين‭ ‬عام‭ ‬1971‭.. ‬واستمر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السابق،‭ ‬ومستشار‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬للشؤون‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬حاليا،‭ ‬وواصل‭ ‬المسيرة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الناجحة‭ ‬سعادة‭ ‬د‭. ‬عبداللطيف‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬الزياني‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الحالي‭ ‬بكل‭ ‬كفاء‭ ‬وتميز‭.‬

لقد‭ ‬تمكنت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬‮«‬مضيق‭ ‬هرمز‮»‬‭ ‬كملف‭ ‬حساس‭ ‬يمس‭ ‬مصالح‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لتوحيد‭ ‬المواقف‭.. ‬فمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬شريان‭ ‬حيوي‭ ‬لأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬وأي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيه‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬وأمريكا‭.. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬التحرك‭ ‬البحريني‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬مسؤولية‭ ‬دولية‭ ‬مشتركة،‭ ‬وأن‭ ‬معالجتها‭ ‬تقتضي‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬للبحار،‭ ‬وضبط‭ ‬النفس،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

النتيجة‭ ‬كانت‭ ‬حشد‭ ‬تأييد‭ ‬دولي‭ ‬واسع،‭ ‬يعكس‭ ‬قناعة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بأن‭ ‬مقاربة‭ ‬البحرين‭ ‬واقعية‭ ‬وقابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬والإشادة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مجاملة‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬اعتراف‭ ‬بأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬أصبحت‭ ‬صوتاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬للاعتدال‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬بأن‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة‭ ‬ذات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬المتوازنة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬مبادرات‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬ملموس،‭ ‬التي‭ ‬تفضل‭ ‬الحلول‭ ‬السلمية‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭.. ‬فالاعتدال‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬ليس‭ ‬ضعفاً،‭ ‬بل‭ ‬قوة‭ ‬ناعمة‭ ‬تمنح‭ ‬الدولة‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التوسط،‭ ‬وجمع‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة‭.‬

وقد‭ ‬قال‭ ‬الزعيم‭ ‬الهندي‭ ‬المهاتما‭ ‬غاندي‭: ‬‮«‬اللاعنف‭ ‬هو‭ ‬أقوى‭ ‬سلاح‭ ‬يملكه‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهو‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬سلاح‭ ‬ابتكره‭ ‬ذكاء‭ ‬الإنسان‮»‬‭.. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تثبته‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬الملفات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬حيث‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحوار‭ ‬هو‭ ‬البديل‭ ‬الأول‭ ‬والأخير،‭ ‬قبل‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬التصعيد‭.‬

إن‭ ‬الرقم‭ ‬التاريخي‭ ‬للتأييد‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬يعكس‭ ‬ثقة‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬منهجها،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭ ‬بأن‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬سوى‭ ‬الخسائر،‭ ‬وأن‭ ‬تجنيب‭ ‬العالم‭ ‬ويلاتها‭ ‬يتطلب‭ ‬أصواتاً‭ ‬عاقلة‭ ‬تمارس‭ ‬دبلوماسية‭ ‬هادئة‭ ‬ومسؤولة‭.‬

وكما‭ ‬قال‭ ‬المفكر‭ ‬الأمريكي‭ ‬رالف‭ ‬والدو‭ ‬إمرسون‭: ‬‮«‬الحوار‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الوحيد‭ ‬لاختصار‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬العقول‮»‬‭.. ‬ومملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬إذ‭ ‬تثمن‭ ‬هذه‭ ‬الإشادة‭ ‬الدولية،‭ ‬فإنها‭ ‬تؤكد‭ ‬استمرارها‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬لترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬وحماية‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة،‭ ‬ودعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.. ‬فالرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬كأداة‭ ‬لصون‭ ‬السلم‭.. ‬وعلى‭ ‬الحوار‭ ‬كجسر‭ ‬يربط‭ ‬الشعوب‭.. ‬وعلى‭ ‬الاعتدال‭ ‬كنهج‭ ‬يجنب‭ ‬العالم‭ ‬ويلات‭ ‬الحروب‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا