زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
من تجربتي كطالب وأب ومعلم «4»
كنت – بدون فخر- من أكثر تلاميذ صفي بلادة في المدرسة الابتدائية، بدرجة أن مدرسا قال لي: العشرة الأواخر في النتائج المدرسية ليس فيها «بركة»، وفشلت في امتحان الانتقال الى المرحلة المتوسطة/ الإعدادية، واضطررت الى إعادة السنة النهائية في المرحلة الابتدائية، وكانت تلك نكسة وصفعة أيقظتني، فصرت بعدها من العشرة ثم الخمسة الأوائل الى ان دخلت الحياة العملية لأنني صرت أستعد للامتحانات قبل موعدها بوقت طويل.
في مثل هذه الأيام من كل عام لا حديث في معظم البيوت إلا عن الامتحانات، وعلى مدى ثلاث مقالات حاولت تأكيد ان كل الامتحانات مصيرية. نعم أحيانا قد تنصفك الامتحانات، فقد تجتهد وتستعد لها ولكن تأتي «النتائج» مخيبة لآمالك، يحدث ذلك لأن الامتحانات – وبالتأكيد أيضا – قد لا تنصف المجتهدين، لأنها وسيلة بها الكثير من الثغرات ولكن البشرية لم تتوصل بعد الى وسيلة أفضل لقياس الأداء الأكاديمي. وسأظل أردد ما حييت إن النجاح الأكاديمي مفتاح ينبغي حمله والمحافظة عليه لأن هناك أبواباً ذات أقفال معقدة تنتظرك في كل منعطف بعد دخول الحياة العملية، فمن يعتاد على النجاح لا يقبل لنفسه الفشل والهزيمة في معارك الحياة، والحياة في مرحلة ما بعد المدرسة قد تكون سلسلة من المعارك تبدأ بالتنافس مع الآلاف والملايين للحصول على وظيفة ثم التنافس المستمر لنيل علاوة او ترقية او الفوز بقلب شخص ليكون شريك الحياة، إلخ.
وأعتقد ان أكثر من 50% من عوامل نجاح او فشل الطالب يتحكم فيها ولي الأمر، فقد يكون ولي الأمر (الأبوان أو أحدهما أو الأشقاء، إلخ) من النوع الذي يوفر للطالب المناخ المناسب للاستذكار، ويقدمان له التشجيع المعنوي، وقد يكون من النوع اللامبالي الذي ما ان يجلس الطالب للمذاكرة حتى يشتت ذهنه بتكليفات مثل: هات كوب ماء. اتصل بعمك مصطفى وقل له إنني ستأخر عليه قليلا. اذهب الى خالتك زينب وستعطيك نقودا لتوصلها الى خالتك زيتونة.. روح الدكان وهات لنا بيضا وبعض الشاي والسكر.. وأسوأ من كل هذا أن يكون الطالب يجلس للمذاكرة ويحس بأنه مقيم في قطاع غزة: بوووم .. طاخ.. آآآخ.. فوضى عارمة وصراخ متواصل يشارك فيه الكبار والصغار. فطومة وحمودي يدخلان في معارك شد الشعر وتبادل الهجمات بالمخدات، فيتعالى العويل وطلبات الاستنجاد بقوات التدخل السريع لفض الاشتباك. وفجأة يصرخ الأب: هدف صحيح يا حكم يا حمار.. الله يلعن أبو اللي علمك التحكيم يا لئيم.. تعال يا ولد بسرعة، ارمي الكتاب وتعال شوف الإعادة. هل هناك حالة تسلل؟ في مناخ كهذا يصعب التأكد من أن 1 + 1 ما تزال تساوي 2.
وهناك أولياء الأمور الذين تسألهم عن حال عيالهم في المدارس والجامعات فيكون الرد: أحمد في ثالث ابتدائي.. لا أظن في صف خامس.. لا استغفر الله أظن أحمد في أول إعدادي، وهدى في رابع او خامس ابتدائي!! عيال هذا الصنف من أولياء الأمور لا تكون فرص نجاحهم او استمرارهم في الدارسة كبيرة، لأنه «صنف» لا يبالي بمستوى تحصيل العيال الأكاديمي، ويعتبر المدرسة حضانة تبعد العيال عن البيت عدة أشهر على مدى سنوات طويلة متصلة. نعم فكثيرا من يسمع عيالنا في بيوتهم خلال الإجازات كلاما من نوع: متى تفتح المدارس ونرتاح من دوشتكم؟ ومن يقولون مثل هذا الكلام السخيف لا يهمه في كثير او قليل ان تجلس البنت او الولد للمذاكرة (خاصة إذا كان في البيت أكثر من واحد في المدرسة)، بل يعتبرون وجودها/ وجوده خارج البيت من متطلبات «راحة البال».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك