زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
هذا هو نقصان العقل والدين
زودني صديق بنص محاضرة قال إنها للدكتور فهد عبد العزيز السنيدي أستاذ المذاهب المعاصرة في الجامعات السعودية قبل سنوات، بعنوان «الإعلام والتعليم تعاون أم تنافر»، أورد فيها إحصاءات مذهلة. مثلا: عدد قنوات قلة الأدب الموجهة إلى الجمهور العربي 112 قناة، وأن الطالب الذي يكمل المرحلة الثانوية يكون قد أمضى 14 ألف ساعة على كراسي الدراسة و22 ألف ساعة أمام التلفزيون. ويضيف الدكتور فهد السنيدي أنه بافتراض أن تعداد سكان دولة عربية ما يبلغ 10 ملايين، وأن ربع هذا العدد يخصص ساعتين يوميا للتلفزيون فإن الوقت المهدر في المشاهدة يكون 1750 مليار ساعة أو ما يعادل 250 مليون يوم عمل من 8 ساعات.
التلفزيون أداة تنوير وتثقيف مهمة، ولكن جرعات التنوير والثقافة التي يقدمها التلفزيون تشبه أقراص الفيتامين والحديد والزنك والكالسيوم إلخ التي يتناولها الذين يظلمون صحتهم بعدم الحصول على تلك المواد من مواردها ومظانِّها الطبيعية (الأغذية)، والبديل لا يقوم مقام «الأصل»، أعني أن الثقافة والمعرفة الحقيقية هي تلك التي في الكتب وربما في الإنترنت. وبصراحة أكثر فإن التلفزيون يقدم قشور الثقافة، فحتى القنوات الرصينة وذات الرسالة المحددة تمنعها عوامل الوقت والاعتبارات التجارية من التعمق في الأمور. والتلفزيون ضروري للترفيه، والترفيه ضرورة من ضرورات الحياة، ولكن من الترفيه ما هو «تتفيه» وهي كلمة مشتقة من التفاهة. لماذا تظل تشاهد سنة بعد سنة عشرات المسلسلات وكلها تحكي عن غدر الحبيب ومشاكل المتزوجين وجنوح الشباب وخبل الشياب؟ ما العائد من متابعة حوار مع نجوى كرم أو حسن حسني وكل منهما يتكلم عن أكلته المفضلة وكيف أنه يهتم بعائلته ويقدس الحياة الزوجية؟
أورد د. السنيدي كثيرا من الإحصاءات الصادمة، ولكن أقساها على نفسي كان: العرب ينفقون خمسة مليارات دولار على السحر والشعوذة، ولعل معظمكم سمع بالحكم الذي أصدرته محكمة سعودية قبل حين من الزمان بإعدام دجال ظل يستخدم الفضائيات لتوزيع البركات والكرامات لاسلكيا. يتصل به شخص ما يشكو من علة ما فيقول له: أنت مسحور ودواؤك عندي. اجلس أمامي وردد ما سأقوله: شيخن بيخن مناحين بيغن.. قل أعوذ برب الفلق.. شومار كومار فشار ممبار جرار. أعوذ بملك الناس من الوسواس الخناس (لاحظ الخبث في حشو مقتطفات من الذكر الحكيم بين ذلك الكلام السخيف السقيم!)، جاء صاحبنا إلى مكة لأداء العمرة واستغل «نجوميته» للتلاعب بعواطف وأموال السذج الذين عرفوه فوقع في قبضة السلطات الأمنية، لو كنت قاضيا لحكمت عليه بالحبس الانفرادي ستة أشهر فقط مع حرمانه من كل شيء: لا طعام ولا شراب ولا دواء ليبث لنا قدراته الاعجازية في البقاء على قيد الحياة مستعينا بقدراته «الخارقة».
خمسة مليارات دولار يا حوش يا روش يا غجر يا تتر يا بقر تعطونها لأناس يزعمون أن لديهم القدرة على جعل ابن التسعين يتزوج بنت العشرين، وتحويل الماء إلى بنزين والقمح إلى بنسلين وورق الكلينكس إلى ملايين؟ أفلا تعقلون؟ كم من أنثى تعرضت للتحرش على يد دجال دفعت له سبائك الذهب لتنال ببركاته المزعومة الذرية؟ كم من عانس أنفقت كل ما عندها بوعد الحصول على الفارس المنقذ؟ وتمر السنوات ولا يأتي الفارس ولكن الولي المبروك يقول إن السبب هو وجود «عارض»، وهي حالة هلامية لا يعرف حتى هو متى وكيف تزول. المهم أن تواصل المسكينة سداد الفواتير. وإمعانا في تجويد الحبك يؤلبها على من حولها: في واحدة طويلة وسمراء عملت لك عمل ولازم تحصلي على شعر من تحت إبطها وتضعيه في خلاط مع الحبة السوداء وقشر الموز ثم تمسحيه على وجهها (ببنج موضعي أم كامل يا شيخنا؟).. أو من هو الرجل الأصفر ذو العينين الصغيرتين الذي يريد بك سوءا؟ ويستمر الموال ويستمر العداد حتى تصبح المسكينة عانسا اجتماعيا وماديا.
بـ 5 مليارات نستطيع محو أمية كل العرب وتزويدهم بأعلى الدرجات، ولكن مصيبتنا هي أن أصحاب الدرجات العلمية الرفيعة أيضا يقعون في الشرك بالله لكون كثيرين منهم يعتقدون أن الشيخ بطيخ قادر على تغيير مجريات المقادير. هذه هي الحقيقة بالضبط: إذا كنت تعتقد أن شخصا ما يستطيع أن يأتيك برزق أو عروس أو يمنع عنك البلاء فأنت تضعه في مرتبة الألوهية. يعني المسألة ليست مسألة إهدار مال بل إهدار عقل وإيمان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك