العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أين أنا من يانغ

كنت‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬كمن‭ ‬يمشي‭ ‬فوق‭ ‬السحاب،‭ ‬أي‭ ‬كنت‭ ‬أحس‭ ‬بأنني‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬الـ«هاي‭/ ‬فوق‮»‬‭ ‬أي‭ ‬مميز‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الخلق‭ ‬من‭ ‬حولي،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بحكم‭ ‬أنني‭ ‬نلت‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬زمان‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬السودان‭ ‬يملك‭ ‬جامعتين‭ ‬فقط،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الناس‭ ‬ونظر‭ ‬نفسي‭ ‬‮«‬متفوقا‮»‬،‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أعش‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭ ‬طويلا،‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬أدركت‭ ‬–بعد‭ ‬دخول‭ ‬الحياة‭ ‬العملية–‭ ‬ومخالطة‭ ‬ناس‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭ ‬والمهنية‭ ‬والعرقية،‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬النظامي‭ ‬يعطيك‭ ‬فقط‭ ‬مفاتيح‭ ‬المعرفة،‭ ‬وأن‭ ‬عليك‭ ‬استخدام‭ ‬تلك‭ ‬المفاتيح‭ ‬لتلج‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬تضج‭ ‬بالمعارف،‭ ‬وبحار‭ ‬تتلاطم‭ ‬فيها‭ ‬أمواج‭ ‬الأفكار،‭ ‬التقيت،‭ ‬ومازلت‭ ‬التقي‭ ‬أناسا‭ ‬حظهم‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬النظامي‭ ‬قليل،‭ ‬ولكن‭ ‬رصيدهم‭ ‬المعرفي‭ ‬‮«‬مهول‮»‬‭. ‬وعرفت‭ ‬عندها‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬شهادات‮»‬‭ ‬ذات‭ ‬أسماء‭ ‬طنانة‭ ‬كي‭ ‬يستحق‭ ‬مسمى‭ ‬مثقف‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬متعلم‮»‬‭.‬

تكلمت‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬عقدتي‭ ‬مع‭ ‬مادة‭ ‬الرياضيات‭ ‬و«الجبر‮»‬‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬خاص،‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الاسم‭ ‬الصحيح‭ ‬لهذه‭ ‬المادة‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الكسر‮»‬،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تجبر‭ ‬خاطرا‭ ‬أو‭ ‬كسرا،‭ ‬ولكنني‭ ‬وبمرور‭ ‬الزمن‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬بلادتي‭ ‬في‭ ‬الرياضيات‭ ‬أعاقت‭ ‬استيعابي‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬النظرية،‭ ‬وباستقراء‭ ‬الواقع‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬عقل‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الطفرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬شهدناها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تترى‭ ‬وتتوالى‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬وليدة‭ ‬عبقريات‭ ‬رياضية‭. ‬دعك‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭: ‬الكمبيوتر‭ ‬من‭ ‬ألفه‭ ‬إلى‭ ‬يائه‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الرياضيات‭. ‬طيب‭ ‬لماذا‭ ‬ألت‭ ‬وأعجن‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬خضت‭ ‬فيه‭ ‬مرارا؟‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لأنه‭ ‬تصلني‭ ‬رسائل‭ ‬‮«‬تضامن‮»‬‭ ‬وتعاطف‭ ‬من‭ ‬قراء‭ ‬يبلغونني‭ ‬أنهم‭ ‬مثلي‭ ‬يكرهون‭ ‬مادة‭ ‬الرياضيات‭. ‬وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكره‭ ‬مادة‭ ‬الرياضيات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كرهتني‭ ‬وجعلتني‭ ‬أكره‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬اخترعوا‭ ‬فيه‭ ‬المدارس‭ ‬وجداول‭ ‬الحصص‭ ‬و«الضرب‮»‬‭. ‬ويا‭ ‬جماعة‭ ‬لست‭ ‬قدوة‭ ‬حسنة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الأكاديمي‭ ‬حتى‭ ‬يحاول‭ ‬البعض‭ ‬دعوتي‭ ‬لقيادة‭ ‬الجمعية‭ ‬العربية‭ ‬لمكافحة‭ ‬الرياضيات‭ ‬وتُعرف‭ ‬اختصارا‭ ‬باستخدام‭ ‬الأحرف‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬اسمها‭ ‬بـ‮«‬جعمر‮»‬‭. ‬طبعا‭ ‬برئاسة‭ ‬جعفر‭!!! ‬مثلا‭ ‬كنت‭ ‬أنفر‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬ومناهج‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬المدرسية،‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬بمجهودي‭ ‬الشخصي‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬فاتنة‭ ‬وجذابة‭ ‬و«تجنن‮»‬‭. ‬أعني‭ ‬أن‭ ‬العلة‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المواد‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تدريسها‭ ‬وتوصيلها‭ ‬وأيضا‭ ‬في‭ ‬حسن‭ ‬اختيار‭ ‬عناصرها‭ ‬بما‭ ‬يناسب‭ ‬كل‭ ‬شريحة‭ ‬عمرية‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭.‬

المناهج‭ ‬وطرق‭ ‬التدريس‭ ‬ظلمتنا‭ ‬وجعلتنا‭ ‬نستخدم‭ ‬فقط‭ ‬أجزاء‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬أدمغتنا‭!! ‬كفى‭ ‬لطما‭ ‬للخدود‭. ‬‮«‬وللا‭ ‬أقول‭ ‬لك‮»‬،‭ ‬اقرأ‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬و‮«‬الطم‮»‬‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تلطم‭: ‬هل‭ ‬سمعت‭ ‬بكيم‭ ‬أونغ‭ ‬يانغ؟‭ ‬أنت‭ ‬فاضي‭ ‬كي‭ ‬تسمع‭ ‬بشخص‭ ‬كهذا؟‭ ‬معدل‭ ‬ذكاؤه‭ ‬210%‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهو‭ ‬صاحب‭ ‬أعلى‭ ‬معدل‭ ‬ذكاء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ (‬بالمناسبة‭ ‬فإن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬ضمن‭ ‬أذكى‭ ‬عشر‭ ‬شخصيات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الذكاء‭ ‬حسب‭ ‬المقياس‭ ‬المعروف‭ ‬بآي‭ ‬كيو‭ ‬IQ‭ ‬ولكن‭ ‬ياما‭ ‬أنجبت‭ ‬البشرية‭ ‬عباقرة‭ ‬شريرين‭ ‬وقتلة،‭ ‬ونتنياهو‭ ‬استخدم‭ ‬ذكاءه‭ ‬لتسويق‭ ‬نفسه‭ ‬كزعيم‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬واستكراد‭ ‬واستعباط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬لتمويل‭ ‬طموحاته‭ ‬الشريرة‭).‬

ولد‭ ‬يانغ‭ ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬عام‭ ‬1962‭ ‬وببلوغه‭ ‬سن‭ ‬الرابعة‭ ‬كان‭ ‬يتكلم‭ ‬الكورية‭ ‬والألمانية‭ ‬والإنجليزية‭ ‬واليابانية‭ ‬بطلاقة‭ ‬وأثبت‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزيون‭ ‬الياباني‭. ‬في‭ ‬سن‭ ‬الـ6‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬فرغ‭ ‬من‭ ‬استيعاب‭ ‬جميع‭ ‬مقررات‭ ‬الرياضيات‭ ‬المدرسية‭ ‬والجامعية،‭ ‬ثم،‭ ‬وعمره‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬تلقى‭ ‬دعوة‭ ‬من‭ ‬وكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأمريكية‭ (‬ناسا‭) ‬ليعمل‭ ‬فيها،‭ ‬ونال‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬الفيزياء‭ ‬وعمره‭ ‬15‭ ‬سنة،‭ ‬ثم‭ ‬واصل‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬ناسا،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1978‭ ‬زهج‭ ‬من‭ ‬الفيزياء‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬الهندسة‭ ‬المدنية‭ ‬ونال‭ ‬فيها‭ ‬درجة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬عام‭ ‬1980‭.‬

ولأن‭ ‬العالم‭ ‬الحقيقي‭ ‬متواضع‭ ‬فقد‭ ‬قرر‭ ‬يانغ‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬محاضرا‭ ‬في‭ ‬أصغر‭ ‬جامعة‭ ‬ريفية‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬وهي‭ ‬جامعة‭ ‬تشونغبك‭ ‬الوطنية‭.‬

‭ ‬وسأواصل‭ ‬استفزازكم‭ ‬غدا‭ ‬وربما‭ ‬ما‭ ‬بعده،‭ ‬بحكايات‭ ‬النبوغ‭ ‬والتفوق‭ ‬الحقيقي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا