العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن رفاق الغربة اللندنية

زرت‭ ‬لندن‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬كطالب‭ ‬علم،‭ ‬وأقمت‭ ‬فيها‭ ‬8‭ ‬أشهر،‭ ‬وكنت‭ ‬‮«‬خالي‭ ‬طرف‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬عندي‭ ‬محمد‭ ‬أو‭ ‬فاطمة‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬عن‭ ‬الشخص‭ ‬غير‭ ‬المتزوج،‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬اختياري‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬تلفزيون‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬فتركت‭ ‬عائلتي‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬تلحق‭ ‬بي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استأجر‭ ‬بيتا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬مأمونة‮»‬،‭ ‬ولندن‭ ‬التسعينيات‭ ‬كانت‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬لندن‭ ‬أواخر‭ ‬السبعينيات‭ ‬التي‭ ‬عشت‭ ‬فيها‭ ‬عاما‭ ‬دراسيا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬لصوص‭ ‬أو‭ ‬قطاع‭ ‬طرق‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أسواقها،‭ ‬وكانت‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬قد‭ ‬هيأت‭ ‬لنا‭ ‬كعزاب‭ ‬سكنا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬بيزووتر‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬المحررة‮»‬،‭ ‬اسمه‭ ‬بيمونت‭ ‬هاوس،‭ ‬وكان‭ ‬بناية‭ ‬ضخمة‭ ‬دروبها‭ ‬متاهات،‭ ‬يضل‭ ‬فيها‭ ‬الساكن‭ ‬الطريق‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أقام‭ ‬فيها‭ ‬دهرا،‭ ‬وكنا‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬مختلفة‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تعارفنا‭ ‬وتآلفنا،‭ ‬وصرنا‭ ‬نتشارك‭ ‬شراء‭ ‬وإعداد‭ ‬الطعام‭ ‬ونتناوله‭ ‬سويا،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظنا‭ ‬كان‭ ‬زميلنا‭ ‬أحمد‭ ‬الشولي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ (‬اختطفته‭ ‬المنية‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬2010‭)‬،‭ ‬محبا‭ ‬وماهرا‭ ‬في‭ ‬الطبخ‭ (‬وكيف‭ ‬لا‭ ‬وهو‭ ‬أبو‭ ‬ماهر‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬الشولي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتولى‭ ‬الترحيب‭ ‬بالقادمين‭ ‬الجدد‭ ‬من‭ ‬الزملاء،‭ ‬ويحدد‭ ‬لكل‭ ‬منا‭ ‬مساهمته‭ ‬فيما‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬نشتريه‭ ‬من‭ ‬طعام،‭ ‬وكنا‭ ‬نجلس‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬في‭ ‬مطبخ‭ ‬ذلك‭ ‬المبنى‭ ‬الركيك،‭ ‬وأبو‭ ‬ماهر‭ ‬يقوم‭ ‬بطبخ‭ ‬أربعة‭ ‬أصناف‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬يداعب‭ ‬ويناكف‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬ويروي‭ ‬حكاياته‭ ‬وتجاربه‭ ‬العجيبة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬الفرد‭ ‬منا‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬طعام‭ ‬طازج‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الجنيهين،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬طلب‭ ‬الشولي‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الزملاء‭ ‬مساهمته‭ ‬لشراء‭ ‬لحم‭ ‬ضأن،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬صاحبنا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬ملّ‭ ‬اللحم‭ ‬و«نفسي‭ ‬في‭ ‬سي‭ ‬فود‮»‬‭. ‬أكلات‭ ‬بحرية‭. ‬وتناولنا‭ ‬طعامنا‭ ‬سويا‭ ‬وغادر‭ ‬الشولي‭ ‬المطبخ‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬وهو‭ ‬فاقد‭ ‬التوازن‭ ‬من‭ ‬الضحك،‭ ‬فقد‭ ‬مر‭ ‬مصادفة‭ ‬بغرفة‭ ‬صاحبنا‭ ‬بتاع‭ ‬السي‭ ‬فود‭ ‬ووجده‭ ‬يفتح‭ ‬علبة‭ ‬ساردين‭.‬

كانت‭ ‬حديقة‭ ‬هايد‭ ‬بارك‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬من‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬أحب‭ ‬زيارتها‭ ‬كلما‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬خاصة‭ ‬أيام‭ ‬الأحد،‭ ‬حيث‭ ‬يتبارى‭ ‬الخطباء‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬قضاياهم،‭ ‬ولكن‭ ‬أكثرهم‭ ‬شعبية‭ - ‬عادة‭ - ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السود‭ ‬ذوي‭ ‬الحس‭ ‬الفكاهي‭ ‬الرفيع‭ ‬الذين‭ ‬يسبون‭ ‬الجنس‭ ‬الأبيض،‭ ‬فيحدث‭ ‬أخذ‭ ‬ورد‭ ‬عالي‭ ‬الطرافة‭ ‬بينهم‭ ‬والمستمعين‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬يسمون‭ ‬بالـ«هيكلرز‮»‬،‭ ‬وهم‭ ‬ذوو‭ ‬الحناجر‭ ‬القوية‭ ‬الذين‭ ‬يقاطعون‭ ‬كل‭ ‬خطيب‭ ‬بصرخة‭ ‬استنكار‭ ‬او‭ ‬تعليق‭ ‬لاسع‭ ‬ولاذع‭. ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬كنت‭ ‬مع‭ ‬زميل‭ ‬مصري‭ ‬يعمل‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬قرب‭ ‬بحيرة‭ ‬السربنتاين‭ ‬في‭ ‬هايد‭ ‬بارك،‭ ‬عندما‭ ‬لفتت‭ ‬انتباهه‭ ‬اسراب‭ ‬البط‭ ‬والوز،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬قال‭: ‬تعرف‭ ‬نيجي‭ ‬بالليل‭ ‬ونخطف‭ ‬جوز‭ ‬دكر‭ ‬بط،‭ ‬ونتعشى‭ ‬عشوة‭ ‬ما‭ ‬حصلتش؟‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬فكرة‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بها،‭ ‬بس‭ ‬إزاي‭ ‬هتعرف‭ ‬ان‭ ‬البط‭ ‬دكر‭ ‬أو‭ ‬نتاية‭ (‬أنثى‭)‬؟‭ ‬فكان‭ ‬رده‭: ‬ما‭ ‬تفرقش‭. ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ما‭ ‬بندبحش‭ ‬النتاية‭ ‬عشان‭ ‬تجيب‭ ‬البيض‭ ‬والكتاكيت،‭ ‬بس‭ ‬هنا‭ ‬البط‭ ‬بالمئات‭ ‬وكلها‭ ‬ملهاش‭ ‬صاحب‭! ‬قلت‭ ‬له‭: ‬شوف‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭. ‬أكيد‭ ‬كل‭ ‬بطة‭ ‬مزودة‭ ‬بشريحة‭ ‬الكترونية‭ ‬ومراقبة‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬وأول‭ ‬ما‭ ‬تخطف‭ ‬بطة،‭ ‬يطب‭ ‬عليك‭ ‬البوليس‭ ‬ويخطفوك‭ ‬وتروح‭ ‬في‭ ‬حديد،‭ ‬ومنها‭ ‬تروح‭ ‬الصعيد‭.‬

وكان‭ ‬يقيم‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬بيمونت‭ ‬هاوس‭ ‬انجليزي‭ ‬أعمى‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬وكان‭ ‬لديه‭ ‬كلب‭ ‬يدله‭ ‬على‭ ‬غرفته‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الثالث‭ ‬عبر‭ ‬المتاهات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجعلنا‭ ‬نحن‭ ‬المبصرين‭ ‬نضل‭ ‬طريقنا‭ ‬إلى‭ ‬غرفنا،‭ ‬وكان‭ ‬نفس‭ ‬الكلب‭ ‬يقوده‭ ‬الى‭ ‬محطة‭ ‬القطار‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه‭ ‬داخل‭ ‬مبنى‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬الضخم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬وايت‭ ‬سيتي‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬لندن‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬رأي‭ ‬أحمد‭ ‬الشولي‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الكلب‭ ‬أذكى‭ ‬من‭ ‬جعفر‭ (‬يا‭ ‬الله‭ ‬كم‭ ‬افتقد‭ ‬لسانه‭ ‬الذي‭ ‬يا‭ ‬ما‭ ‬جلدني‭ ‬به‭).‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا