زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عن رفاق الغربة اللندنية
زرت لندن لأول مرة كطالب علم، وأقمت فيها 8 أشهر، وكنت «خالي طرف»، وليس عندي محمد أو فاطمة كما نقول في السودان عن الشخص غير المتزوج، ثم تم اختياري للعمل في تلفزيون بي بي سي العربي في لندن عام 1994، فتركت عائلتي في الدوحة على ان تلحق بي بعد أن استأجر بيتا في منطقة «مأمونة»، ولندن التسعينيات كانت مختلفة عن لندن أواخر السبعينيات التي عشت فيها عاما دراسيا من دون خوف من لصوص أو قطاع طرق في قلب أسواقها، وكانت بي بي سي قد هيأت لنا كعزاب سكنا في منطقة بيزووتر العربية «المحررة»، اسمه بيمونت هاوس، وكان بناية ضخمة دروبها متاهات، يضل فيها الساكن الطريق حتى لو أقام فيها دهرا، وكنا من دول عربية مختلفة وسرعان ما تعارفنا وتآلفنا، وصرنا نتشارك شراء وإعداد الطعام ونتناوله سويا، ولحسن حظنا كان زميلنا أحمد الشولي رحمه الله (اختطفته المنية العام الماضي 2010)، محبا وماهرا في الطبخ (وكيف لا وهو أبو ماهر)، وكان الشولي هو الذي يتولى الترحيب بالقادمين الجدد من الزملاء، ويحدد لكل منا مساهمته فيما ينبغي ان نشتريه من طعام، وكنا نجلس حول طاولة في مطبخ ذلك المبنى الركيك، وأبو ماهر يقوم بطبخ أربعة أصناف في وقت واحد، وهو يداعب ويناكف هذا وذاك ويروي حكاياته وتجاربه العجيبة، ولم تكن كلفة المعيشة في لندن في تلك الفترة مرتفعة، فقد كان أقصى ما يدفعه الفرد منا للمساهمة في قيمة طعام طازج في حدود الجنيهين، وذات يوم طلب الشولي من أحد الزملاء مساهمته لشراء لحم ضأن، فما كان من صاحبنا إلا أن قال إنه ملّ اللحم و«نفسي في سي فود». أكلات بحرية. وتناولنا طعامنا سويا وغادر الشولي المطبخ ثم عاد وهو فاقد التوازن من الضحك، فقد مر مصادفة بغرفة صاحبنا بتاع السي فود ووجده يفتح علبة ساردين.
كانت حديقة هايد بارك ولا تزال من الأماكن التي أحب زيارتها كلما كنت في لندن، خاصة أيام الأحد، حيث يتبارى الخطباء في عرض قضاياهم، ولكن أكثرهم شعبية - عادة - مجموعة من السود ذوي الحس الفكاهي الرفيع الذين يسبون الجنس الأبيض، فيحدث أخذ ورد عالي الطرافة بينهم والمستمعين خاصة من يسمون بالـ«هيكلرز»، وهم ذوو الحناجر القوية الذين يقاطعون كل خطيب بصرخة استنكار او تعليق لاسع ولاذع. وذات يوم كنت مع زميل مصري يعمل معي في بي بي سي، قرب بحيرة السربنتاين في هايد بارك، عندما لفتت انتباهه اسراب البط والوز، فما كان منه إلا أن قال: تعرف نيجي بالليل ونخطف جوز دكر بط، ونتعشى عشوة ما حصلتش؟ قلت له: فكرة لا بأس بها، بس إزاي هتعرف ان البط دكر أو نتاية (أنثى)؟ فكان رده: ما تفرقش. عندنا في مصر ما بندبحش النتاية عشان تجيب البيض والكتاكيت، بس هنا البط بالمئات وكلها ملهاش صاحب! قلت له: شوف يا صاحبي. أكيد كل بطة مزودة بشريحة الكترونية ومراقبة بالأقمار الصناعية، وأول ما تخطف بطة، يطب عليك البوليس ويخطفوك وتروح في حديد، ومنها تروح الصعيد.
وكان يقيم معنا في بيمونت هاوس انجليزي أعمى يعمل في بي بي سي، وكان لديه كلب يدله على غرفته في الطابق الثالث عبر المتاهات التي كانت تجعلنا نحن المبصرين نضل طريقنا إلى غرفنا، وكان نفس الكلب يقوده الى محطة القطار ثم إلى مكتبه داخل مبنى بي بي سي الضخم في منطقة وايت سيتي في غرب لندن. وكان من رأي أحمد الشولي -رحمه الله- أن ذلك الكلب أذكى من جعفر (يا الله كم افتقد لسانه الذي يا ما جلدني به).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك