زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
يا رب أفرجها قبل العيد
أتضرع الى الله بكرة وعشية أن يرفع عن بلدي -السودان- غائلة الحرب اللعينة التي دخلت عامها الرابع، وأن أتمكن من قضاء عيد الأضحى بعد أسابيع قليلة في مدينة الخرطوم بحري حيث بيتي، للقيام بواجب المواساة للبيت الذي تعرض للعدوان بعد ان صار جزءا من ارض المعركة في الشهر الثاني من الحرب، وللبحث عن عطار يصلح ما أفسده المعتدون.
إذا يسر الله أمري وتمكنت من السفر الى السودان «في أمان»، فسيكون ذلك ثاني عيد أقضيه في السودان منذ أكثر من 30 سنة، ومن باب التفاؤل والاستعداد للسفر، شرعت في تعاطي الفيتامينات والمقويات، وممارسة رياضة الجري على السير الكهربائي (التريدميل) لأن العيد في السودان يتطلب لياقة بدنية عالية، فحتى إذا لزمت بيتك، ولم تبتعد عنه مترا طوال أيام العيد، فإنك تفتح الباب وتغلقه للضيوف نحو مائة مرة في اليوم، وطبعا لازم تستقبل كل ضيف في الباب وتوصله عند المغادرة إلى الباب، وهكذا تظل في حالة قيام وجلوس متواصلة حتى تصاب بآلام في مفاصل الساق والقدم والحجاب الحاجز. ولكنها آلام ممتعة: ما أروع ان تستقبل عشرات الأشخاص في اليوم الواحد وكلهم لحمك ودمك، وقد طال تسبب الحرب في تمديد فترة الفراق (عندما انتقلت والدة زوجتي إلى رحمة مولاها سافرت معها إلى الخرطوم لتلقي العزاء، وفوجئت بأكثر من شخص ينبهني إلى عدم جواز توصيل «صاحب العزاء» للمعزين إلى باب البيت، ولا أعرف هل هناك نص شرعي قطعي يحرم توديع المعزين، ولا ما إذا كان قد صدر قرار جمهوري بذلك. وثمة أمر آخر غريب عندنا في طقوس العزاء في السودان وهو أن تقديم الشاي بالحليب للمعزين «حرام قطعا»، ولا أعرف كيف يتضرر الميت أو أهله إذا شرب المعزون شايا بالحليب أو حتى كابوتشينو). أتخيل منذ الآن مشهد قريباتي يوم العيد في بيوتهن وهن طالعات ونازلات ورائحة كل منهن تشي بأنها قضت العمر كله في زرائب البهائم، فلا بد من طبخ لحم كل خروف بالكامل دفعة واحدة قبل الاستحمام مجددا لاستقبال الضيوف. والتعامل مع لحم الخروف طبخا وتقطيعا يكسبك رائحة الخروف، ومن المألوف عندنا في السودان أن يدخل عليك في الخامسة والنصف من مساء يوم العيد ضيف عزيز ويعلن أنه لم يتناول الغداء. هذه من عاداتنا الجميلة، أعني ان الضيوف يرفعون التكليف ويعربون عن رغباتهم بلا حاجة الى بكش او دعوة: الله يخليكم شاي بنعناع وشوية بسكويت.. بسرعة وراي مشاوير. وأتذكر أمي رحمها الله التي كنا نصحو صباح يوم العيد ونجدها قد أعدت الشاي واللقيمات، وعندما كانت أمي قوية البنية كانت تستيقظ عادة في الرابعة صباحا وتحدث جلبة وصخبا فتحسب أنها تستعد للانتقال الى بيت آخر. أما عشية عيد الفطر فقد كان من عادتها كعادة نساء جيلها أن «تبخِّر» كل شبر في البيت، لتطفيش الشياطين الذين سيستردون حريتهم بانقضاء شهر الصوم. وعندما أشرع في ارتداء ملابس العيد كانت تحرص على تشبيع ملابسي بالبخور، ولم يكن هناك من أحد لإقناعها بأن البخور يسبب لي حساسية في الأنف فأقضي معظم اليوم وأنا أجفف انفي، في عصر كانت فيه مناديل الورق أندر من المروءة في أيامنا هذه. وتخيل حالك وأنت تستخدم كُم جلباب العيد منديلا لتجفيف أنفك، بعد ان يصبح منديل القماش الذي تحمله غير صالح للعرض أمام الآخرين.
مصدر الخوف الوحيد خلال إجازتي المرتقبة هو الأكلات السودانية التي لم يعد قولوني الدلوع يحتملها، ولكن ليحصل ما يحصل: لا أستطيع ان ارفض طعاما يقدمه لي أهلي او أصدقائي بحجة ان قولوني لا يتقبله.. وأعرف سلفا ان إجازتي التي أتمنى ان تأتي، ستنتهي وقد اجتاح التسونامي جهازي الهضمي مسببا زلازل وموجات مد مشينة وفاضحة، واعتزم فور عودتي إصدار مناشدة لأهل الخير ليهبوا لإغاثتي مليون دولار كفاية عليّ لإسكات قولوني حفاظا للبيئة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك