العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

يا رب أفرجها قبل العيد

أتضرع‭ ‬الى‭ ‬الله‭ ‬بكرة‭ ‬وعشية‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬عن‭ ‬بلدي‭ -‬السودان‭- ‬غائلة‭ ‬الحرب‭ ‬اللعينة‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬عامها‭ ‬الرابع،‭ ‬وأن‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬قضاء‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري‭ ‬حيث‭ ‬بيتي،‭ ‬للقيام‭ ‬بواجب‭ ‬المواساة‭ ‬للبيت‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬للعدوان‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬صار‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ارض‭ ‬المعركة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬وللبحث‭ ‬عن‭ ‬عطار‭ ‬يصلح‭ ‬ما‭ ‬أفسده‭ ‬المعتدون‭.‬

إذا‭ ‬يسر‭ ‬الله‭ ‬أمري‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬السفر‭ ‬الى‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬في‭ ‬أمان‮»‬،‭ ‬فسيكون‭ ‬ذلك‭ ‬ثاني‭ ‬عيد‭ ‬أقضيه‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬سنة،‭ ‬ومن‭ ‬باب‭ ‬التفاؤل‭ ‬والاستعداد‭ ‬للسفر،‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬تعاطي‭ ‬الفيتامينات‭ ‬والمقويات،‭ ‬وممارسة‭ ‬رياضة‭ ‬الجري‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬الكهربائي‭ (‬التريدميل‭) ‬لأن‭ ‬العيد‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬يتطلب‭ ‬لياقة‭ ‬بدنية‭ ‬عالية،‭ ‬فحتى‭ ‬إذا‭ ‬لزمت‭ ‬بيتك،‭ ‬ولم‭ ‬تبتعد‭ ‬عنه‭ ‬مترا‭ ‬طوال‭ ‬أيام‭ ‬العيد،‭ ‬فإنك‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬وتغلقه‭ ‬للضيوف‭ ‬نحو‭ ‬مائة‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬اليوم،‭ ‬وطبعا‭ ‬لازم‭ ‬تستقبل‭ ‬كل‭ ‬ضيف‭ ‬في‭ ‬الباب‭ ‬وتوصله‭ ‬عند‭ ‬المغادرة‭ ‬إلى‭ ‬الباب،‭ ‬وهكذا‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬قيام‭ ‬وجلوس‭ ‬متواصلة‭ ‬حتى‭ ‬تصاب‭ ‬بآلام‭ ‬في‭ ‬مفاصل‭ ‬الساق‭ ‬والقدم‭ ‬والحجاب‭ ‬الحاجز‭. ‬ولكنها‭ ‬آلام‭ ‬ممتعة‭: ‬ما‭ ‬أروع‭ ‬ان‭ ‬تستقبل‭ ‬عشرات‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد‭ ‬وكلهم‭ ‬لحمك‭ ‬ودمك،‭ ‬وقد‭ ‬طال‭ ‬تسبب‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬تمديد‭ ‬فترة‭ ‬الفراق‭ (‬عندما‭ ‬انتقلت‭ ‬والدة‭ ‬زوجتي‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬مولاها‭ ‬سافرت‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬الخرطوم‭ ‬لتلقي‭ ‬العزاء،‭ ‬وفوجئت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬ينبهني‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬جواز‭ ‬توصيل‭ ‬‮«‬صاحب‭ ‬العزاء‮»‬‭ ‬للمعزين‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬البيت،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬نص‭ ‬شرعي‭ ‬قطعي‭ ‬يحرم‭ ‬توديع‭ ‬المعزين،‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬جمهوري‭ ‬بذلك‭. ‬وثمة‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬غريب‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬تقديم‭ ‬الشاي‭ ‬بالحليب‭ ‬للمعزين‭ ‬‮«‬حرام‭ ‬قطعا‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬يتضرر‭ ‬الميت‭ ‬أو‭ ‬أهله‭ ‬إذا‭ ‬شرب‭ ‬المعزون‭ ‬شايا‭ ‬بالحليب‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬كابوتشينو‭). ‬أتخيل‭ ‬منذ‭ ‬الآن‭ ‬مشهد‭ ‬قريباتي‭ ‬يوم‭ ‬العيد‭ ‬في‭ ‬بيوتهن‭ ‬وهن‭ ‬طالعات‭ ‬ونازلات‭ ‬ورائحة‭ ‬كل‭ ‬منهن‭ ‬تشي‭ ‬بأنها‭ ‬قضت‭ ‬العمر‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬زرائب‭ ‬البهائم،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬طبخ‭ ‬لحم‭ ‬كل‭ ‬خروف‭ ‬بالكامل‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬قبل‭ ‬الاستحمام‭ ‬مجددا‭ ‬لاستقبال‭ ‬الضيوف‭. ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬لحم‭ ‬الخروف‭ ‬طبخا‭ ‬وتقطيعا‭ ‬يكسبك‭ ‬رائحة‭ ‬الخروف،‭ ‬ومن‭ ‬المألوف‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬عليك‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬والنصف‭ ‬من‭ ‬مساء‭ ‬يوم‭ ‬العيد‭ ‬ضيف‭ ‬عزيز‭ ‬ويعلن‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتناول‭ ‬الغداء‭. ‬هذه‭ ‬من‭ ‬عاداتنا‭ ‬الجميلة،‭ ‬أعني‭ ‬ان‭ ‬الضيوف‭ ‬يرفعون‭ ‬التكليف‭ ‬ويعربون‭ ‬عن‭ ‬رغباتهم‭ ‬بلا‭ ‬حاجة‭ ‬الى‭ ‬بكش‭ ‬او‭ ‬دعوة‭: ‬الله‭ ‬يخليكم‭ ‬شاي‭ ‬بنعناع‭ ‬وشوية‭ ‬بسكويت‭.. ‬بسرعة‭ ‬وراي‭ ‬مشاوير‭. ‬وأتذكر‭ ‬أمي‭ ‬رحمها‭ ‬الله‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نصحو‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬العيد‭ ‬ونجدها‭ ‬قد‭ ‬أعدت‭ ‬الشاي‭ ‬واللقيمات،‭ ‬وعندما‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬قوية‭ ‬البنية‭ ‬كانت‭ ‬تستيقظ‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬صباحا‭ ‬وتحدث‭ ‬جلبة‭ ‬وصخبا‭ ‬فتحسب‭ ‬أنها‭ ‬تستعد‭ ‬للانتقال‭ ‬الى‭ ‬بيت‭ ‬آخر‭. ‬أما‭ ‬عشية‭ ‬عيد‭ ‬الفطر‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬عادتها‭ ‬كعادة‭ ‬نساء‭ ‬جيلها‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تبخِّر‮»‬‭ ‬كل‭ ‬شبر‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬لتطفيش‭ ‬الشياطين‭ ‬الذين‭ ‬سيستردون‭ ‬حريتهم‭ ‬بانقضاء‭ ‬شهر‭ ‬الصوم‭. ‬وعندما‭ ‬أشرع‭ ‬في‭ ‬ارتداء‭ ‬ملابس‭ ‬العيد‭ ‬كانت‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬تشبيع‭ ‬ملابسي‭ ‬بالبخور،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬لإقناعها‭ ‬بأن‭ ‬البخور‭ ‬يسبب‭ ‬لي‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬الأنف‭ ‬فأقضي‭ ‬معظم‭ ‬اليوم‭ ‬وأنا‭ ‬أجفف‭ ‬انفي،‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬مناديل‭ ‬الورق‭ ‬أندر‭ ‬من‭ ‬المروءة‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭. ‬وتخيل‭ ‬حالك‭ ‬وأنت‭ ‬تستخدم‭ ‬كُم‭ ‬جلباب‭ ‬العيد‭ ‬منديلا‭ ‬لتجفيف‭ ‬أنفك،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬يصبح‭ ‬منديل‭ ‬القماش‭ ‬الذي‭ ‬تحمله‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬للعرض‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭.‬

مصدر‭ ‬الخوف‭ ‬الوحيد‭ ‬خلال‭ ‬إجازتي‭ ‬المرتقبة‭ ‬هو‭ ‬الأكلات‭ ‬السودانية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قولوني‭ ‬الدلوع‭ ‬يحتملها،‭ ‬ولكن‭ ‬ليحصل‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭: ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬ان‭ ‬ارفض‭ ‬طعاما‭ ‬يقدمه‭ ‬لي‭ ‬أهلي‭ ‬او‭ ‬أصدقائي‭ ‬بحجة‭ ‬ان‭ ‬قولوني‭ ‬لا‭ ‬يتقبله‭.. ‬وأعرف‭ ‬سلفا‭ ‬ان‭ ‬إجازتي‭ ‬التي‭ ‬أتمنى‭ ‬ان‭ ‬تأتي،‭ ‬ستنتهي‭ ‬وقد‭ ‬اجتاح‭ ‬التسونامي‭ ‬جهازي‭ ‬الهضمي‭ ‬مسببا‭ ‬زلازل‭ ‬وموجات‭ ‬مد‭ ‬مشينة‭ ‬وفاضحة،‭ ‬واعتزم‭ ‬فور‭ ‬عودتي‭ ‬إصدار‭ ‬مناشدة‭ ‬لأهل‭ ‬الخير‭ ‬ليهبوا‭ ‬لإغاثتي‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬كفاية‭ ‬عليّ‭ ‬لإسكات‭ ‬قولوني‭ ‬حفاظا‭ ‬للبيئة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا