زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وفتك باللغة الإنجليزية
اعترفت أكثر من مرة أنني دخلت عالم الصحافة متسللا عبر الشباك، ولم أمارس العمل الصحفي وفق الأصول المتعارف عليها إلا في مؤسسة الاتحاد للصحافة في أبو ظبي، وصحيح أنني عملت في صحيفة اليوم السعودية والراية القطرية ومجلة الدوحة، بصفة «متعاون» ولكنه عملي ذاك كان في معظمه ترجمة لمواد كتبها آخرون، وفي إمارات نيوز ومن بعدها شقيقتها العربية «الاتحاد»، تعلمت أبجديات التحرير الصحفي ومقتضيات إخراج الصفحات، وكان من حسن حظي أن بدأت العمل الصحفي الحقيقي في جريدة إنجليزية، لأن كل شيء في الصحف الإنجليزية يحسب بـ«الميللي»، فالنص لا ينبغي أن يتجاوز حدا معلوما من الكلمات، والعناوين؟ تلك معضلة كبرى، فكبير المحررين يطلب منك مثلا أن تحرر كل خبر، ليشغل –مثلا– عمودين أو أربعة، ويحدد لك عدد نقاط (بوينتس) عنوان كل منها، فإذا أعطاك 28 نقطة مثلا، فإن كل حرف في العنوان يمثل نقطة، والفراغ الفاصل بين كل كلمة وأخرى يمثل نقطة، وبالتالي عليك أن تحك رأسك جيدا كي تأتي بعنوان مكثف وحابل بالمعاني، في حدود تلك النقاط.. وكان معنا في الصحيفة مخرج لا يفقه من الإنجليزية شيئا، وفي ذلك الزمان كان هناك «الماكيت» التقليدي، ويتم رسم كل صفحة في ورقة سميكة وعلى المخرج أن يقص الأخبار ويلصقها في الورقة في شكلها الذي ستذهب به إلى المطبعة، وبالتالي فقد كان صاحبنا يقص و«يلزق»، مواد لا يعرف شيئا عن محتواها، وإذا جاء خبر/تقرير ما طويلا بعض الشيء، تلفَّت وإذا لم يجد أحدا من المحررين حوله، لأنهم سلموا المواد وتوجهوا إلى بيوتهم، يستخدم المقص ويبتر كذا كلمة أو سطر، بحيث «يزبط» الخبر في المساحة المخصصة له ويكون بذلك قد بتره وجعله عديم المعنى.
وذات يوم تلقى صاحبنا الهندي سوبرامانيان أيير خبر وفاة أمه، وجلس بيننا حزينا، ومن أعجب الأمور أن التعزية بالإنجليزية تتم بعبارة في منتهى السخف.. يقول لك من تحادثه إن أباه توفي وكل ما هو مطلوب منك هو أن تقول: آي آم سوري. تصافح شخصا فقد زوجته وتقول له: آي آم سوري. أنا آسف؟ آسف على ماذا؟ هل أنت الذي تسببت في الوفاة حتى تعتذر بكلمة سوري. المهم أن صاحبنا الجاهل بالإنجليزية توجه إلى الهندي أيير وقال له بالحرف الواحد: يور مذر داي، ماي مذر داي. يو مي سيم سيم.. أمك ماتت، وأمي أيضا ماتت، وأنا وأنت نفس الحالة و(مفيش حد أحسن من حد). الشق الأول من الترجمة حرفي ودقيق، ولكن الترجمة الأمينة تقتضي أن تعكس روح النص، وما قاله صاحبنا لزميله الهندي يعني في جوهره (وإن لم يكن يقصد ذلك): أمي أيضا توفيت، وأمك مش أحسن من أمي، فما تسوي حالك حزين زيادة عن اللزوم. يو مي سيم سيم.. الحال من بعضه، وحكى لي صاحبنا هذا كيف أنه ذات مرة أوصل إلى قاضٍ سوداني في أبو ظبي طردا من أهله في السودان، وكيف إنه ونفر من أصدقائه التقوا القاضي فألح عليهم أن يتناولوا الغداء معه في بيته، وهناك وجدوا نفرا من أصدقاء القاضي يخوضون في مواضيع شتى، وتخلل الحديث الكثير من المفردات الإنجليزية. لنتركه يكمل سرد ما حدث: نظر إلى أصدقائي بتوسل لأسهم في النقاش باعتبار أنني بلبل في الإنجليزية، بحكم أنني أعمل في صحيفة إنجليزية، فصرت كلما قال أحد الحضور كلاما بالإنجليزية، لا أفهمه أعقب بكلمة: أبسلوتلي. (تماما/ بالضبط)، وكررت الكلمة عدة مرات مع كذا متحدث، فمال أقرب الحضور إليَّ، وقال بصوت حاسم: اسكت.. اسكت يا زول.. بلاش هبل.. وغمزت لأصدقائي وتسللنا خارجين زاعمين بأننا سنعود بعد نحو ربع ساعة، وخرجنا ولم نعد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك