العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

إليكم البشرى

من‭ ‬أسخف‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬انسان‭ ‬راشد،‭ ‬أن‭ ‬يسأله‭ ‬آخر،‭ ‬عن‭ ‬عمره‭ ‬أو‭ ‬راتبه‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضاه‭ ‬نظير‭ ‬عمله،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لغاية‭ ‬عملية،‭ ‬أو‭ ‬ضرورية‭ ‬تعنيه‭ ‬هو‭ ‬أو‭ ‬هي،‭ ‬وشخصيا،‭ ‬أتعامل‭ ‬بكل‭ ‬بياخة‭ ‬ووقاحة‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يسألني‭ ‬عن‭ ‬عمري‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬ألتق‭ ‬به‭ ‬لأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بزواجي‭ ‬أو‭ ‬بحثي‭ ‬عن‭ ‬وظيفة،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬عاداتي‭ ‬الثابتة‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬طلبا‭ ‬لأي‭ ‬وظيفة‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬مؤهلا‭ ‬للفوز‭ ‬بها،‭ ‬حتى‭ ‬وأنا‭ ‬غير‭ ‬راغب‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬وظيفتي‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أشغلها،‭ ‬بل‭ ‬وكنت‭ ‬أجلس‭ ‬للامتحانات‭ ‬وأخضع‭ ‬للاستجواب‭ (‬الانترفيو‭) ‬وأنا‭ ‬أعرف‭ ‬أنني‭ ‬غالبا‭ ‬لن‭ ‬أقبل‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬تقدمت‭ ‬لها،‭ ‬وكنت‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬من‭ ‬العمر‭ (‬أي‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬لأنني‭ ‬صامد‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الـ39‭ ‬لحين‭ ‬إشعار‭ ‬آخر‭)‬،‭ ‬عندما‭ ‬سألني‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬لجنة‭ ‬انترفيو‭ ‬عن‭ ‬عمري‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬بهدوء‭: ‬أنا‭ ‬جئتكم‭ ‬طالبا‭ ‬وظيفة‭ ‬مترجم‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬الاختبار‭ ‬بحسب‭ ‬قولكم‭ ‬بالمزيكة،‭ ‬ففيم‭ ‬يهمك‭ ‬أمر‭ ‬عمري؟‭ ‬ولم‭ ‬أنتظر‭ ‬منه‭ ‬إجابة‭ ‬وخرجت‭.‬

وكان‭ ‬لي‭ ‬صديق‭ ‬تعرفت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬سنوات،‭ ‬يفيض‭ ‬حيوية‭ ‬وشبابا،‭ ‬وكان‭ ‬شعره‭ ‬الأسود‭ ‬يغطي‭ ‬كل‭ ‬مليمتر‭ ‬من‭ ‬فروة‭ ‬رأسه‭ ‬اي‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬عنده‭ ‬لشيب‭ ‬أو‭ ‬صلع،‭.. ‬ثم‭ ‬أدى‭ ‬صديقي‭ ‬فريضة‭ ‬الحج‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬وزرته‭ ‬مباركا‭ ‬ومهنئا‭ ‬بسلامة‭ ‬العودة،‭ ‬فما‭ ‬زلت‭ ‬احافظ‭ ‬على‭ ‬تقليد‭ ‬نشأت‭ ‬عليه‭ ‬منذ‭ ‬الصبا‭ ‬الباكر،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬اهل‭ ‬بلدتنا‭ ‬يتقاطرون‭ ‬بالمئات‭ ‬مهنئين‭ ‬من‭ ‬عادوا‭ ‬من‭ ‬الحج‭ ‬بعد‭ ‬رحلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تستغرق‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬يوما،‭ ‬ولا‭ ‬أتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الوسيط،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬اربعين‭ ‬سنة‭ (‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأرقام‭ ‬التبست‭ ‬علي،‭ ‬فقبل‭ ‬أسطر‭ ‬قليلة‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬في‭ ‬الثلاثينيات‭) ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يذهبون‭ ‬الى‭ ‬الحج‭ ‬بالشاحنات‭ ‬ثم‭ ‬القطارات‭ ‬حتى‭ ‬البحر‭ ‬الاحمر،‭ ‬ومنه‭ ‬بسفن‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬طوفان‭ ‬نوح‭ ‬الى‭ ‬جدة،‭ ‬وكان‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬وحده‭ ‬يستغرق‭ ‬منهم‭ ‬نحو‭ ‬15‭ ‬يوما‭!! ‬المهم‭ ‬دخلت‭ ‬على‭ ‬صاحبي‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬قام‭ ‬لتوه‭ ‬من‭ ‬نومة‭ ‬طويلة،‭ ‬وبدا‭ ‬لي‭ ‬انه‭ ‬مريض‭ ‬ومنهك،‭ ‬فسألته‭ ‬عن‭ ‬احواله‭ ‬الصحية‭ ‬فقال‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬تمام‭ ‬التمام‭ ‬وهذه‭ ‬السنة‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬موسم‭ ‬الحج‭ ‬اي‭ ‬امراض‭ ‬معدية‭ ‬ولم‭ ‬نجد‭ ‬مشقة‭ ‬في‭ ‬اداء‭ ‬الشعائر‭!! ‬قلت‭ ‬في‭ ‬سري‭: ‬طيب‭ ‬لماذا‭ ‬يبدو‭ ‬شاحبا؟‭ ‬تأملته‭ ‬جيدا‭ ‬وتوصلت‭ ‬الى‭ ‬الإجابة‭: ‬الحج‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬شاب‭ ‬وسيم‭ ‬الى‭ ‬بقايا‭ ‬شاب‭ ‬شاحب‭!! ‬كيف؟‭ ‬لأداء‭ ‬الحج‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬ان‭ ‬يقص‭ ‬شعره‭. ‬وقص‭ ‬شعره‭ ‬على‭ ‬الزيرو،‭ ‬اي‭ ‬حتى‭ ‬بانت‭ ‬فروة‭ ‬رأسه،‭ ‬وبدأ‭ ‬الشعر‭ ‬ينبت‭!! ‬فهمت؟‭ ‬عليك‭ ‬نور‭... ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬صاحبي‭ ‬شعرة‭ ‬سوداء‭ ‬واحدة‭!! ‬إذن‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬شعره‭ ‬الاسود‭ ‬الجميل‭ ‬نتاج‭ ‬صبغة،‭ ‬ولم‭ ‬يتمكن‭ ‬بعد‭ ‬الحج‭ ‬من‭ ‬صبغ‭ ‬الشعيرات‭ ‬القصيرة‭ ‬لأن‭ ‬الصبغة‭ ‬لا‭ ‬تجدي‭ ‬معها‭ ‬و‮«‬لا‭ ‬تمسك‭ ‬فيها‮»‬‭!! ‬قلت‭ ‬له‭: ‬حجة‭ ‬مبروكة‭ ‬وعوضك‭ ‬الله‭ ‬خيرا‭ ‬في‭ ‬شبابك‭ ‬الذي‭ ‬ضاع‭ ‬بعد‭ ‬ضياع‭ ‬جدوى‭ ‬الصبغة‭!‬

وبالطبع‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬ان‭ ‬يتضايق‭ ‬الانسان‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬‮«‬السلبية‮»‬‭ ‬للتقدم‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬وأن‭ ‬يحلم‭ ‬باستمرار‭ ‬مرحلة‭ ‬الشباب‭ ‬والفتوة،‭ ‬والبعض‭ ‬يجعل‭ ‬الحلم‭ ‬شبه‭ ‬حقيقي‭ ‬باللجوء‭ ‬الى‭ ‬الباروكة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الصلع‭ ‬والى‭ ‬الصبغة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الشيب،‭ ‬ولكن‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الموافق‭ ‬14‭ ‬نوفمبر‭ ‬الجاري‭ ‬وخلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬هيئة‭ ‬أوكسفورد‭ ‬لأبحاث‭ ‬الشعر‭ ‬قام‭ ‬البروفسور‭ ‬ديزموند‭ ‬توبين‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬برادفورد‭ ‬البريطانية‭ ‬بإعلان‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬طريقة‭ ‬طبيعية‭ ‬لجعل‭ ‬الشعر‭ ‬الابيض‭ ‬يسترد‭ ‬سواده،‭ ‬ولمنع‭ ‬حدوث‭ ‬الشيب،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬بويصلة‭ ‬شعر‭ ‬هناك‭ ‬خلية‭ ‬تسمى‭ ‬ميلانوسايت‭ ‬تفرز‭ ‬مادة‭ ‬الميلانين‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬الشعر‭ ‬لونه،‭ ‬وبمرور‭ ‬الزمن‭ ‬تتوقف‭ ‬تلك‭ ‬الخلايا‭ ‬عن‭ ‬النشاط‭ ‬وتصبح‭ ‬خاملة،‭ ‬وما‭ ‬نجح‭ ‬بروفسور‭ ‬توبين‭ ‬وزملاؤه‭ ‬في‭ ‬انجازه‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬تلك‭ ‬الخلايا‭ ‬وتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬ان‭ ‬يسترد‭ ‬شعرك‭ ‬لونه‭ ‬الأصلي،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يستطيع‭ ‬أحدهم‭ ‬ان‭ ‬يمارس‭ ‬التريقة‭ ‬عليك‭... ‬ولو‭ ‬شاهدتم‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬قناة‭ ‬فضائية‭ ‬شخصا‭ ‬ذا‭ ‬شعر‭ ‬فاحم‭ ‬يحاور‭ ‬الناس‭ ‬وهو‭ ‬يبرم‭ ‬قلما‭ ‬بين‭ ‬اصابعه‭ ‬فاعلموا‭ ‬ان‭ ‬أبا‭ ‬الجعافر‭ ‬لجأ‭ ‬الى‭ ‬جامعة‭ ‬برادفورد‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا