زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
إليكم البشرى
من أسخف ما قد يصدر عن انسان راشد، أن يسأله آخر، عن عمره أو راتبه الذي يتقاضاه نظير عمله، ما لم يكن لغاية عملية، أو ضرورية تعنيه هو أو هي، وشخصيا، أتعامل بكل بياخة ووقاحة مع أي شخص يسألني عن عمري طالما لم ألتق به لأمر يتعلق بزواجي أو بحثي عن وظيفة، وكان من عاداتي الثابتة على مر سنوات طويلة أن أقدم طلبا لأي وظيفة أجد نفسي مؤهلا للفوز بها، حتى وأنا غير راغب في ترك وظيفتي التي كنت أشغلها، بل وكنت أجلس للامتحانات وأخضع للاستجواب (الانترفيو) وأنا أعرف أنني غالبا لن أقبل الوظيفة التي تقدمت لها، وكنت في منتصف الثلاثينيات من العمر (أي قبل سنوات قليلة، لأنني صامد في سن الـ39 لحين إشعار آخر)، عندما سألني عضو في لجنة انترفيو عن عمري فقلت له بهدوء: أنا جئتكم طالبا وظيفة مترجم ونجحت في الاختبار بحسب قولكم بالمزيكة، ففيم يهمك أمر عمري؟ ولم أنتظر منه إجابة وخرجت.
وكان لي صديق تعرفت عليه قبل بعض سنوات، يفيض حيوية وشبابا، وكان شعره الأسود يغطي كل مليمتر من فروة رأسه اي لا أثر عنده لشيب أو صلع،.. ثم أدى صديقي فريضة الحج العام الماضي، وزرته مباركا ومهنئا بسلامة العودة، فما زلت احافظ على تقليد نشأت عليه منذ الصبا الباكر، عندما كان اهل بلدتنا يتقاطرون بالمئات مهنئين من عادوا من الحج بعد رحلة لم تكن تستغرق اقل من 40 يوما، ولا أتحدث هنا عن العصر الحجري الوسيط، بل عن أوضاع كانت سائدة حتى قبل نحو اربعين سنة (يبدو أن الأرقام التبست علي، فقبل أسطر قليلة كنت لا أزال في الثلاثينيات) عندما كان الناس يذهبون الى الحج بالشاحنات ثم القطارات حتى البحر الاحمر، ومنه بسفن نجت من طوفان نوح الى جدة، وكان الوصول الى مكة المكرمة وحده يستغرق منهم نحو 15 يوما!! المهم دخلت على صاحبي وكان قد قام لتوه من نومة طويلة، وبدا لي انه مريض ومنهك، فسألته عن احواله الصحية فقال: الحمد لله تمام التمام وهذه السنة لم يشهد موسم الحج اي امراض معدية ولم نجد مشقة في اداء الشعائر!! قلت في سري: طيب لماذا يبدو شاحبا؟ تأملته جيدا وتوصلت الى الإجابة: الحج هو الذي جعله يتحول من شاب وسيم الى بقايا شاب شاحب!! كيف؟ لأداء الحج على أكمل وجه كان عليه ان يقص شعره. وقص شعره على الزيرو، اي حتى بانت فروة رأسه، وبدأ الشعر ينبت!! فهمت؟ عليك نور... لم تكن في رأس صاحبي شعرة سوداء واحدة!! إذن فقد كان شعره الاسود الجميل نتاج صبغة، ولم يتمكن بعد الحج من صبغ الشعيرات القصيرة لأن الصبغة لا تجدي معها و«لا تمسك فيها»!! قلت له: حجة مبروكة وعوضك الله خيرا في شبابك الذي ضاع بعد ضياع جدوى الصبغة!
وبالطبع فإنه من الطبيعي ان يتضايق الانسان من الآثار «السلبية» للتقدم في السن، وأن يحلم باستمرار مرحلة الشباب والفتوة، والبعض يجعل الحلم شبه حقيقي باللجوء الى الباروكة في حالة الصلع والى الصبغة في حالة الشيب، ولكن يوم الجمعة الموافق 14 نوفمبر الجاري وخلال مؤتمر هيئة أوكسفورد لأبحاث الشعر قام البروفسور ديزموند توبين من جامعة برادفورد البريطانية بإعلان التوصل الى طريقة طبيعية لجعل الشعر الابيض يسترد سواده، ولمنع حدوث الشيب، ففي كل بويصلة شعر هناك خلية تسمى ميلانوسايت تفرز مادة الميلانين التي تعطي الشعر لونه، وبمرور الزمن تتوقف تلك الخلايا عن النشاط وتصبح خاملة، وما نجح بروفسور توبين وزملاؤه في انجازه هو إعادة تنشيط تلك الخلايا وتكون النتيجة ان يسترد شعرك لونه الأصلي، من دون ان يستطيع أحدهم ان يمارس التريقة عليك... ولو شاهدتم بعد فترة قصيرة على شاشة قناة فضائية شخصا ذا شعر فاحم يحاور الناس وهو يبرم قلما بين اصابعه فاعلموا ان أبا الجعافر لجأ الى جامعة برادفورد!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك