زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
كذاب وابن ستين كذابا
على مدى عدة سنوات كنت أكتب هنا في أخبار الخليج عن تكهنات ماغي فرح، التي ينبغي أن يدرك كل ذي عقل أنها تخاريف، وبما أن تلك التخاريف تجد الكثير من الرواج فإن ذلك يعني أن بيننا كثيرين ممن أعطوا عقولهم إجازات مفتوحة.
وعادة ومع كل حادث جلل، مثل الحرب الحالية المدمرة التي أشعلت النيران في منطقة الخليج، وتدمير برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر من عام 2001، او الغزو الأمريكي للعراق، يتكرم البعض ببثّ متقطفات من نبوءات أشهر عراف في التاريخ، نوستراداموس، وكلها تؤكد أنه تنبأ بكل ذلك قبل 445 سنة، وأنه ترك نبوءات بما سيحدث في الكون حتى عام 3797م، فالعالم بحسب تكهنات نوستراداموس سينتهي في عام 4000م. كان في بلدتنا في شمال السودان دجالون كثيرون، وكان أحدهم، ويسمي نفسه «شيخ» فلان، يكن لي كراهية بلا حدود لأنه كان يحترف كتابة الرسائل للنساء اللواتي هاجر أزواجهن بحثا عن الرزق في جهات بعيدة، وكان يتقاضى وجبة شهية وبعض النقود نظير كتابة كل رسالة، فلجأت بعض النسوة المعسرات اليّ لأكتب رسائلهن بلا مقابل، وكان يسعدني مجرد ان أحظى بثقتهن وأن أصبح في مرتبة «الشيخ» ذاك، ثم اكتشفت بقية النسوة اننا عيال المدارس نحسن ايضا كتابة الرسائل، وهكذا كسد سوق الشيخ المزعوم فاتهمنا بالشيوعية، ولكن أهل بلدتنا لم يأبهوا لتلك الاتهامات لأنهم حسبوا ان الشيوعية نوع من الامراض مثل الحصبة والجدري المائي ولم يروا علينا اعراض أي مرض فاستنتجوا أن الرجل يعاني من الغيرة والحسد، بل صار بعضهم يعتقد انه لا يصاب بالشيوعية إلا من يحسنون القراءة والكتابة، واعتبروا بالتالي الشيوعية مرضا حميدا!!
ثم كانت تلك الغجرية ضاربة الودع التي كانت تستغل جهل أهلنا النوبيين باللغة العربية، فتقول لهم أي كلام مسجوع وتسطو على نقودهم بزعم أنها تبشرهم بالخير، وكانت معرفتي بالعربية أفضل من معرفة امي بها، ومن ثم فقد كنت على حق عندما ثرت لما رأيت أمي تعطي تلك الغجرية خمسة قروش كاملة لأنها قالت وهي تشير إلى: عمرك طويل.. أجلك قصير!! هجمت على يدها لأنتزع القروش الخمسة فعضتني حتى ابتلت ملابسي الداخلية، وانهالت أمي عليّ ضربا وطفقت تعتذر للغجرية على مسلك «الولد قليل الأدب»، كل ذلك كي تضمن أن الغجرية لن تقوم بحركة سحرية تسبب لي أذى!
ونوستراداموس هو أكبر مستهبل في التاريخ وحياته كلها سلسلة من الأكاذيب والأفلام الهندية، أولا اسمه الاصلي ميشيل دو نوتردام، ورأى ان هذا الاسم البلدي لن يضفي عليه الغموض السحري فتبنى اسم نوستراداموس، وبدأ حياته طبيبا وزعم كما يفعل بعض الاطباء العرب كل سنة انه وجد الوصفة السحرية لكافة الأمراض القاتلة، فأثبت الاطباء كذبه وتعرض للشتم، فهجر المهنة واعتزل الناس ولم يخرج للعلن إلا بعد ان أكمل تأليف مجلداته العشرة التي تحمل اسم القرون (لأن كل واحد منها يتكون من مائة قصيدة كل منها من أربعة أبيات على درجة عالية من الركاكة، حيث كتبت بمزيج من الفرنسية واللاتينية والاغريقية القديمة)، ولاكتساب المزيد من الاحترام هجر ديانته اليهودية واعتنق الكاثوليكية، ومنذ يومها والملايين تعكف على اكتشاف النبوءات المزعومة في الطلاسم الشعرية التي تركها من بينها أنه تكهن بأن الشهر السابع من عام 1999 سيشهد نزول ملك الرعب المغولي ليحكم الكون قبل وبعد حكم «المريخ»!! ولما مر شهر يوليو من تلك السنة بسلام لزم أتباع نوسترادمواس الصمت، ولكن ما إن جاءت أحداث سبتمبر 2001، حتى قالوا إن العراف قصد الشهر التاسع من عام 2001 وإن المغولي هو أسامة بن لادن وإن المريخ الاول هو جورج بوش الاب والمريخ الثاني هو جورج بوش الابن!! وعلينا أن نصدق أن اليمن التي أتت منها أسرة بن لادن هي موطن المغول الأصلي رغم أن المغول لم يدخلوا اليمن حتى كغزاة!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك