زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
إدمان من نوع جديد (2)
كتبت بالأمس عن المحكمة الأمريكية التي قضت، في أواخر مارس المنصرم، بتغريم الشركات التي تقدم منصات مثل فيسبوك وانستجرام ويوتيوب ثلاثة ملايين دولار لصالح فتاة أدمنت تلك المنصات وعانت من تأثيرات نفسية وعضوية فادحة، وليته يتيسر للقارئ مشاهدة فيلم «ذا سوشيال دايليما/ المعضلة الاجتماعية»، لأنه عالية لأنه يقرع أجراس الحذر الواجب من الاستسلام لغواية منصات التواصل الاجتماعي، بغير ادراك (وكلنا في هذا الأمر سيم سيم) بأن قيامنا بتخزين كل ما لدينا من بيانات وصور فيما يسمى بـ«السحاب»، يعني أننا نضعها تحت تصرف شركة ما تستطيع من خلال كل ذلك تحليل شخصياتنا وميولنا وأمزجتنا العامة ثم إمطارنا بكل المغريات المراد تسويقها او الترويج لها، وعلى المستوى الشخصي فقد تعرضت لتحرش الكتروني متكرر بعد ان صار لي اكثر من 3000 متابع في صفحتي العامة في منصة فيسبوك، بأن أقبل نشر إعلانات في الصفحة نظير مقابل مادي، فاستبشرت خيرا، ولكنني اشترطت عرض الإعلان علي قبل نشره، فقالوا: نجوم السماء أقرب لك، فقلت لهم: داهية تأخذكم أنتم و«فيسكم»، لأنهم وبالفوز بحق نشر إعلانات كما يشتهون من دون استشارتي قد يروجون لمواد اعتبرها لا أخلاقية أو تتعارض بالطول والعرض مع معتقداتي ومعتقدات أهلي ومجتمعي.
وللشركات التجارية والصناعية الكبرى أفانين عجيبة في حمل مستخدمي منتجاتها على الإدمان، وقليلون من مئات الملايين الذين يحرقون أطنانا من التبغ يوميا من يعرفون مثلا أن نحو أربعين صنفا من السجائر المتداولة في العالم، وعلى رأسها الأنواع الأكثر رواجا، تحتوي على أكثر من 14 مادة إضافية من بينها الكراميل الذي تصنع منه الحلوى لجعل طعمه مستساغًا لصغار السن، وأن من بين الإضافات إلى التبغ الكاكاو والفواكه المجففة والعسل الطبيعي والصناعي، وهناك العشرات من أصناف السجائر التي تحوي الأمونيا التي هي النشادر، والتي تضاف عادة إلى منظفات دورات المياه التي هي المراحيض، وتضمن الأمونيا وصول أكبر كمية ممكنة من النيكوتين إلى الدم والمخ.
وربما لا بأس في استخدام تلك المادة في السجائر، طالما أن الدخان يصل إلى الرئة فيجعلها متسخة، وبما أن المواد التي تلوث دورات المياه موجودة أصلا في جسم الإنسان، فإن المدخنين ينعمون بأجهزة هضمية معقمة لأن أجسامهم مشبعة بالأمونيا، أما الكاكاو فإنه يضاف إلى السجائر لأنه يحوي مادة ثيوبرومين التي تؤدي إلى توسيع الرئة وتزيد الرغبة في الاستزادة منها.
وعودا الى موضوع الفيلم آنف الذكر لابد من الإشارة الى أنه يفوت علينا ونحن نستفتح نهارنا ونختم مساءنا يوميا بالإطلال على رسائل واتساب، ونسعد بإمكان التواصل الصوتي عبر ذلك التطبيق وغيره، بدون مقابل مادي، أن نسأل أنفسنا: هل الجهة التي تقدم خدمة واتساب فاعلة خير لا تريد جزاء ولا شكورا؟ ماذا تجني من وراء ذلك؟ ومنذ متى كانت شركة أمريكية أو سنغالية تجارية تقدم خدمة لجميع شعوب العالم مجانا؟ وإذا كان في الحكاية «إنَّ»، فما هي تلك الـ«إنَّ»؟ وما يقوله العلماء والأطباء وحتى أشخاص شغلوا مناصب عليا ثم تخلو عنها في الشركات التي تقف وراء منصات التواصل، هو ان كل ما يرد عبرها يجعل من الممكن اعداد ملفات شخصية لكل فرد بحيث يتم تحديد اهتماماته وميوله العامة فيصبح بعدها ممكنا توجيه رسائل معينة اليه بأسلوب يتفادى الدعاية المباشرة ويضمن وقوعه في «الإدمان»، وهل منا من لم يفتح تطبيق واتساب وهو يقف عند إشارة مرورية لأنه صبره عيل بعد انتظار «طويييييل» لثلاث دقائق في انتظار الإشارة الخضراء؟ وهل بعد هذا من إدمان؟ وهل يغيب عنا ان 30% من حوادث السيارات صارت بسبب استخدام السائقين لتطبيق واتساب وهم يقودون السيارات؟ ثم أليس كل ذلك هو نفس حكايتنا مع المكرونة، والتي هي نشويات ينبغي الإقلال من تناولها، ولكننا نقوم بتلغيمها بالبشاميل فنضيف الى نشوياتها دهونا ثم نتغزل بمحاسنها؟ فإذا كنا نمارس خداع الذات طوعا فما الغريب في أمر وقوعنا في حبائل خداع تقف وراءه شركات عملاقة لديها موارد فنية ومالية ضخمة تكرسها لاجتذابنا صوب منتجاتها؟
وباختصار فهذه مكرونة بالبشاميل وتلك منصات بالكراميل، وكلا الطبختين ضررهما يوازي نفعها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك