العدد : ١٧٥٥٥ - الخميس ١٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٥ - الخميس ١٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

إدمان من نوع جديد (2)

كتبت‭ ‬بالأمس‭ ‬عن‭ ‬المحكمة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬قضت،‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬مارس‭ ‬المنصرم،‭ ‬بتغريم‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬منصات‭ ‬مثل‭ ‬فيسبوك‭ ‬وانستجرام‭ ‬ويوتيوب‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬لصالح‭ ‬فتاة‭ ‬أدمنت‭ ‬تلك‭ ‬المنصات‭ ‬وعانت‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬نفسية‭ ‬وعضوية‭ ‬فادحة،‭ ‬وليته‭ ‬يتيسر‭ ‬للقارئ‭ ‬مشاهدة‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬ذا‭ ‬سوشيال‭ ‬دايليما‭/ ‬المعضلة‭ ‬الاجتماعية‮»‬،‭ ‬لأنه‭ ‬عالية‭ ‬لأنه‭ ‬يقرع‭ ‬أجراس‭ ‬الحذر‭ ‬الواجب‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬لغواية‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بغير‭ ‬ادراك‭ (‬وكلنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬سيم‭ ‬سيم‭) ‬بأن‭ ‬قيامنا‭ ‬بتخزين‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬وصور‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ«السحاب‮»‬،‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬نضعها‭ ‬تحت‭ ‬تصرف‭ ‬شركة‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تحليل‭ ‬شخصياتنا‭ ‬وميولنا‭ ‬وأمزجتنا‭ ‬العامة‭ ‬ثم‭ ‬إمطارنا‭ ‬بكل‭ ‬المغريات‭ ‬المراد‭ ‬تسويقها‭ ‬او‭ ‬الترويج‭ ‬لها،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭ ‬فقد‭ ‬تعرضت‭ ‬لتحرش‭ ‬الكتروني‭ ‬متكرر‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬صار‭ ‬لي‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬3000‭ ‬متابع‭ ‬في‭ ‬صفحتي‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬منصة‭ ‬فيسبوك،‭ ‬بأن‭ ‬أقبل‭ ‬نشر‭ ‬إعلانات‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬نظير‭ ‬مقابل‭ ‬مادي،‭ ‬فاستبشرت‭ ‬خيرا،‭ ‬ولكنني‭ ‬اشترطت‭ ‬عرض‭ ‬الإعلان‭ ‬علي‭ ‬قبل‭ ‬نشره،‭ ‬فقالوا‭: ‬نجوم‭ ‬السماء‭ ‬أقرب‭ ‬لك،‭ ‬فقلت‭ ‬لهم‭: ‬داهية‭ ‬تأخذكم‭ ‬أنتم‭ ‬و«فيسكم‮»‬،‭ ‬لأنهم‭ ‬وبالفوز‭ ‬بحق‭ ‬نشر‭ ‬إعلانات‭ ‬كما‭ ‬يشتهون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استشارتي‭ ‬قد‭ ‬يروجون‭ ‬لمواد‭ ‬اعتبرها‭ ‬لا‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬تتعارض‭ ‬بالطول‭ ‬والعرض‭ ‬مع‭ ‬معتقداتي‭ ‬ومعتقدات‭ ‬أهلي‭ ‬ومجتمعي‭.‬

وللشركات‭ ‬التجارية‭ ‬والصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬أفانين‭ ‬عجيبة‭ ‬في‭ ‬حمل‭ ‬مستخدمي‭ ‬منتجاتها‭ ‬على‭ ‬الإدمان،‭ ‬وقليلون‭ ‬من‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬الذين‭ ‬يحرقون‭ ‬أطنانا‭ ‬من‭ ‬التبغ‭ ‬يوميا‭ ‬من‭ ‬يعرفون‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬أربعين‭ ‬صنفا‭ ‬من‭ ‬السجائر‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الأنواع‭ ‬الأكثر‭ ‬رواجا،‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬14‭ ‬مادة‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الكراميل‭ ‬الذي‭ ‬تصنع‭ ‬منه‭ ‬الحلوى‭ ‬لجعل‭ ‬طعمه‭ ‬مستساغًا‭ ‬لصغار‭ ‬السن،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الإضافات‭ ‬إلى‭ ‬التبغ‭ ‬الكاكاو‭ ‬والفواكه‭ ‬المجففة‭ ‬والعسل‭ ‬الطبيعي‭ ‬والصناعي،‭ ‬وهناك‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬أصناف‭ ‬السجائر‭ ‬التي‭ ‬تحوي‭ ‬الأمونيا‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬النشادر،‭ ‬والتي‭ ‬تضاف‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬منظفات‭ ‬دورات‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬المراحيض،‭ ‬وتضمن‭ ‬الأمونيا‭ ‬وصول‭ ‬أكبر‭ ‬كمية‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬النيكوتين‭ ‬إلى‭ ‬الدم‭ ‬والمخ‭.‬

وربما‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬تلك‭ ‬المادة‭ ‬في‭ ‬السجائر،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الدخان‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الرئة‭ ‬فيجعلها‭ ‬متسخة،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬تلوث‭ ‬دورات‭ ‬المياه‭ ‬موجودة‭ ‬أصلا‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬المدخنين‭ ‬ينعمون‭ ‬بأجهزة‭ ‬هضمية‭ ‬معقمة‭ ‬لأن‭ ‬أجسامهم‭ ‬مشبعة‭ ‬بالأمونيا،‭ ‬أما‭ ‬الكاكاو‭ ‬فإنه‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬السجائر‭ ‬لأنه‭ ‬يحوي‭ ‬مادة‭ ‬ثيوبرومين‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬الرئة‭ ‬وتزيد‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الاستزادة‭ ‬منها‭.‬

وعودا‭ ‬الى‭ ‬موضوع‭ ‬الفيلم‭ ‬آنف‭ ‬الذكر‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬الى‭ ‬أنه‭ ‬يفوت‭ ‬علينا‭ ‬ونحن‭ ‬نستفتح‭ ‬نهارنا‭ ‬ونختم‭ ‬مساءنا‭ ‬يوميا‭ ‬بالإطلال‭ ‬على‭ ‬رسائل‭ ‬واتساب،‭ ‬ونسعد‭ ‬بإمكان‭ ‬التواصل‭ ‬الصوتي‭ ‬عبر‭ ‬ذلك‭ ‬التطبيق‭ ‬وغيره،‭ ‬بدون‭ ‬مقابل‭ ‬مادي،‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬أنفسنا‭: ‬هل‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬خدمة‭ ‬واتساب‭ ‬فاعلة‭ ‬خير‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬جزاء‭ ‬ولا‭ ‬شكورا؟‭ ‬ماذا‭ ‬تجني‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ذلك؟‭ ‬ومنذ‭ ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬شركة‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬سنغالية‭ ‬تجارية‭ ‬تقدم‭ ‬خدمة‭ ‬لجميع‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬مجانا؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬‮«‬إنَّ‮»‬،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الـ«إنَّ‮»‬؟‭ ‬وما‭ ‬يقوله‭ ‬العلماء‭ ‬والأطباء‭ ‬وحتى‭ ‬أشخاص‭ ‬شغلوا‭ ‬مناصب‭ ‬عليا‭ ‬ثم‭ ‬تخلو‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬منصات‭ ‬التواصل،‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يرد‭ ‬عبرها‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬اعداد‭ ‬ملفات‭ ‬شخصية‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬اهتماماته‭ ‬وميوله‭ ‬العامة‭ ‬فيصبح‭ ‬بعدها‭ ‬ممكنا‭ ‬توجيه‭ ‬رسائل‭ ‬معينة‭ ‬اليه‭ ‬بأسلوب‭ ‬يتفادى‭ ‬الدعاية‭ ‬المباشرة‭ ‬ويضمن‭ ‬وقوعه‭ ‬في‭ ‬‮«‬الإدمان‮»‬،‭ ‬وهل‭ ‬منا‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يفتح‭ ‬تطبيق‭ ‬واتساب‭ ‬وهو‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬إشارة‭ ‬مرورية‭ ‬لأنه‭ ‬صبره‭ ‬عيل‭ ‬بعد‭ ‬انتظار‭ ‬‮«‬طويييييل‮»‬‭ ‬لثلاث‭ ‬دقائق‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الإشارة‭ ‬الخضراء؟‭ ‬وهل‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬إدمان؟‭ ‬وهل‭ ‬يغيب‭ ‬عنا‭ ‬ان‭ ‬30‭%‬‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬السيارات‭ ‬صارت‭ ‬بسبب‭ ‬استخدام‭ ‬السائقين‭ ‬لتطبيق‭ ‬واتساب‭ ‬وهم‭ ‬يقودون‭ ‬السيارات؟‭ ‬ثم‭ ‬أليس‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬حكايتنا‭ ‬مع‭ ‬المكرونة،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬نشويات‭ ‬ينبغي‭ ‬الإقلال‭ ‬من‭ ‬تناولها،‭ ‬ولكننا‭ ‬نقوم‭ ‬بتلغيمها‭ ‬بالبشاميل‭ ‬فنضيف‭ ‬الى‭ ‬نشوياتها‭ ‬دهونا‭ ‬ثم‭ ‬نتغزل‭ ‬بمحاسنها؟‭ ‬فإذا‭ ‬كنا‭ ‬نمارس‭ ‬خداع‭ ‬الذات‭ ‬طوعا‭ ‬فما‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬وقوعنا‭ ‬في‭ ‬حبائل‭ ‬خداع‭ ‬تقف‭ ‬وراءه‭ ‬شركات‭ ‬عملاقة‭ ‬لديها‭ ‬موارد‭ ‬فنية‭ ‬ومالية‭ ‬ضخمة‭ ‬تكرسها‭ ‬لاجتذابنا‭ ‬صوب‭ ‬منتجاتها؟

وباختصار‭ ‬فهذه‭ ‬مكرونة‭ ‬بالبشاميل‭ ‬وتلك‭ ‬منصات‭ ‬بالكراميل،‭ ‬وكلا‭ ‬الطبختين‭ ‬ضررهما‭ ‬يوازي‭ ‬نفعها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا