زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
إدمان من نوع جديد (1)
في 26 مارس المنصرم أمرت محكمة لوس أنجلوس في أمريكا شركة ميتا المالكة لفيسبوك وانستغرام، وشركة يوتيوب بدفع غرامة قدرها 3 ملايين دولار لشابة أمريكية اسمها كيلي تبلغ من العمر 15 سنة، كانت عائلتها قد رفعت دعوى على الشركتين، باعتبار أنهما قادا كيلي الى ادمان استخدام فيسبوك وانستغرام ويوتيوب ما أثر على صحتها النفسية والجسدية حيث صارت انطوائية وانعزالية وفاقدة الشهية، وقال قانونيون: إنه من حق سكان جميع الدول رفع قضايا مشابهة إذا تضرر عيالهم دون الـ18 سنة من استخدام تلك المنصات.
ومن قبل قوبل فيلم «ذا سوشيال دايليما/ المعضلة الاجتماعية»، بالكثير من الاستحسان والنقد الإيجابي من المهتمين بصناعة السينما وعلماء النفس والاجتماع، منذ بداية عرضه في مطلع عام 2020، فهو فيلم توثيقي يتناول تدابير متعمدة من شركات تقدم منصات الكترونية، مثل غوغل وفيسبوك وتويتر وانستغرام لحمل مستخدميها على إدمان وجودهم فيها، ثم حلب وشفط بياناتهم الشخصية لاستخدامها في أغراض التسويق والترويج لسلع وخدمات أو أفكار معينة، بل ولبرمجة مستخدمي تلك المنصات بحيث يسهل استدراجهم الى سلع او حتى معتقدات معينة.
وما من شخص استخدم الانترنت إلا وكان ضحية غواية الإبحار بلا بوصلة في بحار تلك الشبكة، متنقلا من موقع الى آخر حتى يكاد ينسى غايته الأساسية من تصفح «النت»، ثم جاءت الهواتف الذكية وصار مستخدموها متعبدين في محراب واتساب او تلغرام او او آيمو، بدرجة ان خدمة البريد الالكتروني التي شكلت أعظم طفرة عرفها التاريخ في التواصل بين بني البشر صارت موضة قديمة، واصبح استخدامها يقتصر على المراسلات الممعنة في الرسمية، ومعلوم ان كثيرين في عالم اليوم صاروا يعانون من آلام في مفصل الكف بسبب الإفراط في استخدام إصبع السبابة لمسح شاشة الهاتف الذكي للانتقال بين محتويات تطبيقاته.
بعد استعراض الجوانب الإيجابية لمنصات التواصل الاجتماعي، يفضح الفيلم كيف ان كبريات الشركات التي تدير وسائل التواصل الاجتماعي تستعين بكتائب من علماء النفس والاجتماع، لتحليل بيانات مستخدميها ثم وضع برمجيات تقود الى ادمانهم لها، والتأثير عليهم سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، ولو تطلب ذلك نشر نظريات المؤامرة والأكاذيب حول كل قضية مستجدة، ومعلوم ان موقعا يحمل اسم كيوأنن Qanon كان القناة الرئيسة لحشد الدعم لدونالد ترامب في معركته للفوز بولاية ثانية ضد منافسه جو بايدن في انتخابات عام 2021، بنشر مزاعم بأن حزب بايدن (الديمقراطي) يدعو الى إباحة الاتصال الجنسي بالقُصَّر، وبأن اليهود يقومون بتسليط شعاع ليزر قوي لتدمير الولايات المتحدة ببطء، ورغم انه ما من جهة تعرف القائمين على أمر الموقع، إلا أنه وجد ملايين الاتباع والأنصار الذين يروجون لتلك المزاعم، و«فوقها» ان الأرض مسطحة.
كل «كليك» وكلمة وصورة تصدر عن مستخدم منصة تواصل تخضع للرصد والمراقبة لتحديد هوية المستخدم ومكان اقامته وطريقة تفكيره ليسهل وضع مخطط لاصطياده الى مواقع أو سلع يُعتقَد انها تروق له، ولو تطلب ذلك- كما يحدث كثيرا- الترويج لأنباء كاذبة، كما فعل اقطاب وعوام الحزب الجمهوري الأمريكي، بالزعم ان خسارة ترامب للانتخابات الأخيرة كان بسبب تزوير خصومه للانتخابات، وهو الزعم الذي قاد أولئك العوام الى ارتكاب جرائم جنائية ودستورية في 6 يناير 2021 باقتحام مقر الكونغرس لمنع إعلان فوز خصم ترامب (بايدن)، وقامت بتغذية تلك المزاعم شركات تقنية معلومات منافسة للشركة التي رسا عليها عطاء تمرير أصوات الناخبين عبر الانترنت.
والإدمان يعطل العقل وخير دليل على هذا ان الغوغائيين الذين اقتحموا مبنى الكونغرس لتعطيل أو إلغاء انتخاب جو بادين ومارسوا كل اشكال خرق القوانين مع المجاهرة برغباتهم في شنق هذا وتلك من النواب استسلموا لغواية منصات التواصل وبثوا مشاهد فيديو حية لأنفسهم وهم يكسرون أبواب المكاتب والكمبيوترات ويقطعون المستندات في مكاتب النواب متناسين ان ذلك يسهل التعرف عليهم، وهذا ما حدث بالفعل لأن الأجهزة الأمنية تعرفت على العشرات منهم عبر ما بثوه في مواقع التواصل الاجتماعي وذهب كثيرون منهم الى السجون ثم عفا عنهم ترامب عندما عاد رئيسا مجددا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك