زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
النساء لسن «درجة ثانية»
كان مقالي ليوم أمس عن العراقي النشمي الذي هرب واختفى من بيت الزوجية لأن زوجته- يا للعار- أنجبت بنتا، واحكي لكم اليوم عن السيدة العربية (وأتكتم على جنسيتها) والتي خافت على سلامتها وأدركت أنها ستتعرض لبطش إخوتها، فأخفت ما عندها من حلي ذهبية في بطنها، (يعني بلعتها. الله يعطيها العافية) فكان أن انتهى بها الأمر في المستشفى، مع ما يعنيه ذلك من فتح المعدة وغسلها.
لا أعرف من الذي أعطى بعضنا حق معاملة الأخوات وكأنهن زوائد دودية لا ضير في استئصالها، بل إن استئصالها خير من وجودها، ولماذا «يستعر» الكثيرون منا من أخواتهم وزوجاتهم، بل يعيش بين ظهرانينا رجال يسيئون معاملة أمهاتهم لأنهم اعتادوا على إساءة معاملة كل أنثى، ويعتقدون أن القاعدة هي اضطهاد النساء وأن الاستثناء والشذوذ هو معاملتهن برفق ومودة، وأعجب لشخص يستحي من ذكر اسم أمه أمام أقرانه، وأذكر أن صديقاً خليجيا قال لي إنه لم يتناول لقمة طعام مع شقيقاته وأمه منذ أن بلغ الثانية عشرة، أي إنه لم يأكل وجبة مع إخوته طوال 35 سنة، وأذكر أنني – وبحكم ما بيننا من مودة – قسوت عليه ووصمته بالجلافة والجفاف والاستخفاف بالعواطف السوية بل بالافتقار إلى مثل تلك العواطف، وبعدها بكذا يوم جاءني الصديق ضاحكاً، وحكى لي كيف أنه اشترى طعاماً فاخراً، ودخل به على أخواته وتولى إعداد المائدة بنفسه، ثم دعاهن إلى الأكل فجلسن إلى المائدة من دون أن تمتد أيديهن إلى الطعام في انتظار أن يغادر هو المائدة، ولكنه شرح لهن أنه يريد أن يأكل معهن تلك الوجبة والوجبات التالية بانتظام، فصاحت صغرى أخواته لأمها بنبرة حزن صادقة: يمة ولدك اليوم مو طبيعي... يبي يأكل ويانا!! واستطرد صديقي يحكي كيف أن أخواته تقافزن فرحاً عندما قال لهن إنه لن يكتفي فقط بتناول الوجبات معهن بل سيصطحبهن في مشاويرهن عند زيارات الخالات والعمات أو جولات بغرض «الفسحة»، وابتسم صديقي وهو يقول لي إنه لن يبلغ أصدقاءه بأنه صار يأكل مع «الحريم»!!
أثناء عملي في التلفزيون السوداني كنت أحكي لبعض الزملاء أمراً حدث أثناء تناولي الطعام مع زوجتي فقاطعني أحدهم: تأكل مع زوجتك يا باطل؟ وباطل في العامية السودانية كلمة قاسية يوصف بها الشخص ناقص الرجولة!! لم أغضب من صاحبي ذاك واكتفيت بأن قلت له إنه يعاني من تراكم فيروسات في عقله «الباطل» – وليس الباطن – لأن من لا يتناول الطعام مع أمه وأخواته وزوجته وبناته لا يتعلم آداب الطعام، فنحن معشر الرجال عندما نأكل في تجمعاتنا الرجالية المعزولة – خاصة في مرحلة الشباب – نتناول الطعام بنفس الطريقة التي تأكل بها النمور فرائسها، نتجشأ بصوت مرتفع بعد كل لقمة، ونتبارى في حشو أفواهنا بربع كيلو من الطعام في كل لقمة ونختنق ثم تصدر عنا أصوات منفرة: خاخا خااااااااك خووووك!! وقد يحشر أحدنا أصابعه في فمه الممتلئ بالطعام لإخراج عضم صغير او شوكة سمكة انحشرت فيه.
كلما حاولت قول شيء أثناء تناول الطعام زجرتني بنتي مروة: بابا عيب! وأمي هي التي علمتني أن غسل اليد قبل الأكل أمر واجب (كثيرون يغسلون أيديهم بعد الأكل وليس قبله)، وتعلمت من أخواتي أن اللقمة الصغيرة لا تعني أن نصيبك من الأكل سيكون بالضرورة «صغيراً»، وإلى يومنا هذا تزجرني زوجتي بنظرات قاسية إذا تركت المائدة في بيتنا قبل ضيوفي. أقول لها إنني لا أتوقف عن الأكل في بيوت الآخرين لأن رب البيت شبع أو قام من المائدة، وأتوقع من ضيوفي أن يواصلوا الأكل طالما أنهم لم يشبعوا منه حتى لو تركت المائدة قبلهم، فتقول لي إن ذلك ليس من حسن الأدب، ورغم عدم اقتناعي الكامل بوجهة نظرها، انتبهت أكثر من مرة إلى أنه وبمجرد ترك رب البيت المائدة، يتوقف بعض الضيوف عن الأكل، وهكذا صرت أصاب بعسر هضم إذا كان ضيفي أكولا، لأنني أضطر الى أن أجاريه حتى تمتلئ معدتي وينتقل الطعام إلى بلعومي ثم رئتي ثم يبدأ بالخروج عبر فتحات أنفي، وكل ذلك لا يهم طالما أن الضيف يواصل الأكل، الأمر الذي تعتبره أم الجعافر دليلاً على أنها طباخة ماهرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك