العدد : ١٧٥٥١ - الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥١ - الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

النساء لسن «درجة ثانية»

كان‭ ‬مقالي‭ ‬ليوم‭ ‬أمس‭ ‬عن‭ ‬العراقي‭ ‬النشمي‭ ‬الذي‭ ‬هرب‭ ‬واختفى‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية‭ ‬لأن‭ ‬زوجته‭- ‬يا‭ ‬للعار‭- ‬أنجبت‭ ‬بنتا،‭ ‬واحكي‭ ‬لكم‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬السيدة‭ ‬العربية‭ (‬وأتكتم‭ ‬على‭ ‬جنسيتها‭) ‬والتي‭ ‬خافت‭ ‬على‭ ‬سلامتها‭ ‬وأدركت‭ ‬أنها‭ ‬ستتعرض‭ ‬لبطش‭ ‬إخوتها،‭ ‬فأخفت‭ ‬ما‭ ‬عندها‭ ‬من‭ ‬حلي‭ ‬ذهبية‭ ‬في‭ ‬بطنها،‭ (‬يعني‭ ‬بلعتها‭. ‬الله‭ ‬يعطيها‭ ‬العافية‭) ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬بها‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬المستشفى،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬المعدة‭ ‬وغسلها‭.‬

لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬بعضنا‭ ‬حق‭ ‬معاملة‭ ‬الأخوات‭ ‬وكأنهن‭ ‬زوائد‭ ‬دودية‭ ‬لا‭ ‬ضير‭ ‬في‭ ‬استئصالها،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬استئصالها‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬وجودها،‭ ‬ولماذا‭ ‬‮«‬يستعر‮»‬‭ ‬الكثيرون‭ ‬منا‭ ‬من‭ ‬أخواتهم‭ ‬وزوجاتهم،‭ ‬بل‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬ظهرانينا‭ ‬رجال‭ ‬يسيئون‭ ‬معاملة‭ ‬أمهاتهم‭ ‬لأنهم‭ ‬اعتادوا‭ ‬على‭ ‬إساءة‭ ‬معاملة‭ ‬كل‭ ‬أنثى،‭ ‬ويعتقدون‭ ‬أن‭ ‬القاعدة‭ ‬هي‭ ‬اضطهاد‭ ‬النساء‭ ‬وأن‭ ‬الاستثناء‭ ‬والشذوذ‭ ‬هو‭ ‬معاملتهن‭ ‬برفق‭ ‬ومودة،‭ ‬وأعجب‭ ‬لشخص‭ ‬يستحي‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬اسم‭ ‬أمه‭ ‬أمام‭ ‬أقرانه،‭ ‬وأذكر‭ ‬أن‭ ‬صديقاً‭ ‬خليجيا‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يتناول‭ ‬لقمة‭ ‬طعام‭ ‬مع‭ ‬شقيقاته‭ ‬وأمه‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة،‭ ‬أي‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يأكل‭ ‬وجبة‭ ‬مع‭ ‬إخوته‭ ‬طوال‭ ‬35‭ ‬سنة،‭ ‬وأذكر‭ ‬أنني‭ ‬–‭ ‬وبحكم‭ ‬ما‭ ‬بيننا‭ ‬من‭ ‬مودة‭ ‬–‭ ‬قسوت‭ ‬عليه‭ ‬ووصمته‭ ‬بالجلافة‭ ‬والجفاف‭ ‬والاستخفاف‭ ‬بالعواطف‭ ‬السوية‭ ‬بل‭ ‬بالافتقار‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬العواطف،‭ ‬وبعدها‭ ‬بكذا‭ ‬يوم‭ ‬جاءني‭ ‬الصديق‭ ‬ضاحكاً،‭ ‬وحكى‭ ‬لي‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬اشترى‭ ‬طعاماً‭ ‬فاخراً،‭ ‬ودخل‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬أخواته‭ ‬وتولى‭ ‬إعداد‭ ‬المائدة‭ ‬بنفسه،‭ ‬ثم‭ ‬دعاهن‭ ‬إلى‭ ‬الأكل‭ ‬فجلسن‭ ‬إلى‭ ‬المائدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬أيديهن‭ ‬إلى‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬هو‭ ‬المائدة،‭ ‬ولكنه‭ ‬شرح‭ ‬لهن‭ ‬أنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬معهن‭ ‬تلك‭ ‬الوجبة‭ ‬والوجبات‭ ‬التالية‭ ‬بانتظام،‭ ‬فصاحت‭ ‬صغرى‭ ‬أخواته‭ ‬لأمها‭ ‬بنبرة‭ ‬حزن‭ ‬صادقة‭:  ‬يمة‭ ‬ولدك‭ ‬اليوم‭ ‬مو‭ ‬طبيعي‭... ‬يبي‭ ‬يأكل‭ ‬ويانا‭!!  ‬واستطرد‭ ‬صديقي‭ ‬يحكي‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬أخواته‭ ‬تقافزن‭ ‬فرحاً‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬لهن‭ ‬إنه‭ ‬لن‭ ‬يكتفي‭ ‬فقط‭ ‬بتناول‭ ‬الوجبات‭ ‬معهن‭ ‬بل‭ ‬سيصطحبهن‭ ‬في‭ ‬مشاويرهن‭ ‬عند‭ ‬زيارات‭ ‬الخالات‭ ‬والعمات‭ ‬أو‭ ‬جولات‭ ‬بغرض‭ ‬‮«‬الفسحة‮»‬،‭ ‬وابتسم‭ ‬صديقي‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬لن‭ ‬يبلغ‭ ‬أصدقاءه‭ ‬بأنه‭ ‬صار‭ ‬يأكل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الحريم‮»‬‭!!‬

أثناء‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬السوداني‭ ‬كنت‭ ‬أحكي‭ ‬لبعض‭ ‬الزملاء‭ ‬أمراً‭ ‬حدث‭ ‬أثناء‭ ‬تناولي‭ ‬الطعام‭ ‬مع‭ ‬زوجتي‭ ‬فقاطعني‭ ‬أحدهم‭: ‬تأكل‭ ‬مع‭ ‬زوجتك‭ ‬يا‭ ‬باطل؟‭ ‬وباطل‭ ‬في‭ ‬العامية‭ ‬السودانية‭ ‬كلمة‭ ‬قاسية‭ ‬يوصف‭ ‬بها‭ ‬الشخص‭ ‬ناقص‭ ‬الرجولة‭!!  ‬لم‭ ‬أغضب‭ ‬من‭ ‬صاحبي‭ ‬ذاك‭ ‬واكتفيت‭ ‬بأن‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تراكم‭ ‬فيروسات‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬‮«‬الباطل‮»‬‭ ‬–‭ ‬وليس‭ ‬الباطن‭ ‬–‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يتناول‭ ‬الطعام‭ ‬مع‭ ‬أمه‭ ‬وأخواته‭ ‬وزوجته‭ ‬وبناته‭ ‬لا‭ ‬يتعلم‭ ‬آداب‭ ‬الطعام،‭ ‬فنحن‭ ‬معشر‭ ‬الرجال‭ ‬عندما‭ ‬نأكل‭ ‬في‭ ‬تجمعاتنا‭ ‬الرجالية‭ ‬المعزولة‭ ‬–‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الشباب‭ ‬–‭ ‬نتناول‭ ‬الطعام‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تأكل‭ ‬بها‭ ‬النمور‭ ‬فرائسها،‭ ‬نتجشأ‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬لقمة،‭ ‬ونتبارى‭ ‬في‭ ‬حشو‭ ‬أفواهنا‭ ‬بربع‭ ‬كيلو‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لقمة‭ ‬ونختنق‭ ‬ثم‭ ‬تصدر‭ ‬عنا‭ ‬أصوات‭ ‬منفرة‭: ‬خاخا‭ ‬خااااااااك‭ ‬خووووك‭!! ‬وقد‭ ‬يحشر‭ ‬أحدنا‭ ‬أصابعه‭ ‬في‭ ‬فمه‭ ‬الممتلئ‭ ‬بالطعام‭ ‬لإخراج‭ ‬عضم‭ ‬صغير‭ ‬او‭ ‬شوكة‭ ‬سمكة‭ ‬انحشرت‭ ‬فيه‭.‬

كلما‭ ‬حاولت‭ ‬قول‭ ‬شيء‭ ‬أثناء‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭ ‬زجرتني‭ ‬بنتي‭ ‬مروة‭: ‬بابا‭ ‬عيب‭! ‬وأمي‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬علمتني‭ ‬أن‭ ‬غسل‭ ‬اليد‭ ‬قبل‭ ‬الأكل‭ ‬أمر‭ ‬واجب‭ (‬كثيرون‭ ‬يغسلون‭ ‬أيديهم‭ ‬بعد‭ ‬الأكل‭ ‬وليس‭ ‬قبله‭)‬،‭ ‬وتعلمت‭ ‬من‭ ‬أخواتي‭ ‬أن‭ ‬اللقمة‭ ‬الصغيرة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬نصيبك‭ ‬من‭ ‬الأكل‭ ‬سيكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬‮«‬صغيراً‮»‬،‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬تزجرني‭ ‬زوجتي‭ ‬بنظرات‭ ‬قاسية‭ ‬إذا‭ ‬تركت‭ ‬المائدة‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬قبل‭ ‬ضيوفي‭. ‬أقول‭ ‬لها‭ ‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أتوقف‭ ‬عن‭ ‬الأكل‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الآخرين‭ ‬لأن‭ ‬رب‭ ‬البيت‭ ‬شبع‭ ‬أو‭ ‬قام‭ ‬من‭ ‬المائدة،‭ ‬وأتوقع‭ ‬من‭ ‬ضيوفي‭ ‬أن‭ ‬يواصلوا‭ ‬الأكل‭ ‬طالما‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يشبعوا‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تركت‭ ‬المائدة‭ ‬قبلهم،‭ ‬فتقول‭ ‬لي‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الأدب،‭ ‬ورغم‭ ‬عدم‭ ‬اقتناعي‭ ‬الكامل‭ ‬بوجهة‭ ‬نظرها،‭ ‬انتبهت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬وبمجرد‭ ‬ترك‭ ‬رب‭ ‬البيت‭ ‬المائدة،‭ ‬يتوقف‭ ‬بعض‭ ‬الضيوف‭ ‬عن‭ ‬الأكل،‭ ‬وهكذا‭ ‬صرت‭ ‬أصاب‭ ‬بعسر‭ ‬هضم‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ضيفي‭ ‬أكولا،‭ ‬لأنني‭ ‬أضطر‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬أجاريه‭ ‬حتى‭ ‬تمتلئ‭ ‬معدتي‭ ‬وينتقل‭ ‬الطعام‭ ‬إلى‭ ‬بلعومي‭ ‬ثم‭ ‬رئتي‭ ‬ثم‭ ‬يبدأ‭ ‬بالخروج‭ ‬عبر‭ ‬فتحات‭ ‬أنفي،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الضيف‭ ‬يواصل‭ ‬الأكل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تعتبره‭ ‬أم‭ ‬الجعافر‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬طباخة‭ ‬ماهرة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا