زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
صارعوا الإنجليزية وصرعتهم
كتبت من قبل عن عبد الصمد، وهو طالب (أو كان طالبا) من دولة الإمارات، جلس ذات عام لامتحان الشهادة الثانوية، واكتشف أن مدير المدرسة التي كان يمتحن فيها كانا زميله في المرحلة الثانوية، فبسبب اللغة الإنجليزية الإمبريالية ظل عبدالصمد يناضل لنيل الشهادة الثانوية لأكثر من 15 سنة حسوما، واللغة الإنجليزية تعانده.
وفي ذات عام دراسي، حدث في الأردن أن والد أحد الطلاب القوميين العرب الرافضين لهيمنة اللغة الإنجليزية فكّر في طريقة علمية لمساعدة ابنه على تخطي حاجز تلك اللغة، وهداه التفكير إلى الاستفادة من منصبه المرموق في التلفزيون (فبعث على ذمة جريدة الشرق الأوسط) بفريق من المصورين إلى مدرسة ابنه، بزعم رصد وقائع معركة الامتحانات، وبالطبع كان ذلك قبل موعد انطلاق ورقة لغة «الكفار» الملعونة تلك، وقام المصور بتصويب الكاميرا إلى الورقة التي كانت فوق طاولات الامتحان، ثم زووم وشفطت الكاميرا الأسئلة الموجودة في الصفحة الأولى وقال المصور للمخرج: mission accomplished أي أن المهمة انتهت واكتملت وقاموا بعملية للخلف دُر، ولكن إدارة المدرسة قامت أيضا بعملية زووم على الفريق التلفزيوني، وسحبت الشريط الملغوم وأوقعت الجماعة في ورطة بتسليمهم للشرطة.
ظلت مصر تمارس التمييز الإيجابي بحق الطلاب السودانيين لأكثر من ثلاثة قرون، وكان للسودان رواق بالأزهر قبل أي دولة عربية أخرى، وكان الطلاب السودانيون في الأزهر وجامعة القاهرة يعاملون معاملة المصريين، وجميع الجامعيين السودانيين الذين أسسوا الحركة المناوئة للاستعمار درسوا في الجامعات المصرية ببلاش، وبلغ التمييز مداه عندما أصبح لمصر بعثة تعليمية ضخمة في السودان تدير عددا من المدارس في وقت حرص فيه الاستعمار الإنجليزي على منح التعليم للسودانيين بالقطارة. وحركة الإخوان المسلمين السودانية نشأت في الجامعات المصرية، بل إن الحزب الشيوعي السوداني كانت نواته حركة «حدتو» أي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في مصر، ثم أنشأ الماركسيون السودانيون حركة «حستو» فأصبح حرف السين يرمز إلى السودان، وليت التمييز وقف عند ذلك الحد، ففي خمسينيات القرن الماضي، فتحت جامعة القاهرة فرعا ضخما في السودان تخرج فيه حتى الآن أكثر من مليون زول، وقبل بضع سنوات اتخذت حكومة عمر البشير المبادرة، قرارا عجيبا يقضي بمصادرة تلك الجامعة، رغم أنها لم تكن تدرس الفكر المباركي (نسبة الى الرئيس المصري وقتها حسني مبارك) أو تخرج جواسيس، الغريب في الأمر أن هذه الجامعة كانت تدرس الفكر القومي أي الناصري كمادة إلزامية لنحو ثلاثة عقود، دون أن تفكر حكومات السودان السابقة في إغلاقها.
لعن الله السياسة وإبليس، مالي أنا وكل ذلك وقد كنت أرمي إلى مواساة عبد الصمد بأن أحكي له حكاية قريبي الذي التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم منذ اليوم الأول لافتتاحها في الخمسينيات، وتعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال ثم أمم قناة السويس وفشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقريبي يدرس، ثم خسر العرب حرب عام 1967 ومات عبد الناصر كمدا عام 1970، وهو «طالب»، وجاء أنور السادات واغتاله خالد الإسلامبولي وصاحبنا صامد، وقف محامي الإسلامبولي في المحكمة محاولا إيجاد ثغرة تبرئه من التهمة فرفع الإسلامبولي يده وصاح وهو يمسك بقضبان قفص الاتهام: سيدي القاضي، أنا قاتل فرعون، فقال الأبنودي في ذلك: القبضة قابضة على الحديد لَ يفِر (كيلا يفر).. القاضي يستغبي والمتهم يبصر.. شمس الحقيقة تحر.. والمتهم صامد.. كل القضاة زايلين.. والمتهم «خالد». حدث كل ذلك وقريبي صامد في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وذات اليوم التقى أحدهم بمدرس مصري في الكلية التي أصبح قريبي عميدها بالتقادم (كما هناك عميد للدبلوماسيين الأجانب في كل بلد بالأقدمية).. وسأله إن كان يعرفه فأجاب: حد ما يعرفش قريبك دوت.. ده احنا منتظرين سيادته يخلص علشان نقفل الجامعة ونروح! شفت الصمود شلون يا عبد الصمد؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك