العدد : ١٧٥٣٨ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٨ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

فوبيا الصراصير

اعترفت‭ ‬مرارا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬بأنني‭ ‬أخاف‭ ‬من‭ ‬الوطواط،‭ ‬وأنه‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬حياتي‭ ‬المهنية‭ ‬ان‭ ‬عملت‭ ‬مدرسا‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ثانوية‭ ‬سجلها‭ ‬حافل‭ ‬بالتفوق،‭ ‬ثم‭ ‬صرت‭ ‬أرسل‭ ‬نداءات‭ ‬الاستغاثة‭ ‬الى‭ ‬وزارة‭ ‬التربية،‭ ‬لنقلي‭ ‬الى‭ ‬مدرسة‭ ‬أخرى،‭ ‬لأن‭ ‬سقوف‭ ‬المدرسة‭ ‬كانت‭ ‬القيادة‭ ‬القومية‭ ‬للوطاويط‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭.‬

ولا‭ ‬أعرف‭ ‬شخصا‭ ‬يحب‭ ‬الصراصير،‭ ‬فهي‭ ‬حشرات‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬القذرة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬قبيحة‭ ‬بدرجة‭ ‬ان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬يخفن‭ ‬من‭ ‬الصراصير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خوفهن‭ ‬من‭ ‬‮«‬أزواجهن‮»‬،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬درجة‭ ‬شراسة‭ ‬أولئك‭ ‬الأزواج،‭ ‬وزوجتي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬النساء،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬انه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يشين‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تصرخ‭ ‬مستنجدة‭ ‬بأهل‭ ‬المروءة‭ ‬بأعلى‭ ‬صوتها‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬او‭ ‬المستشفى‭ ‬إذا‭ ‬رأت‭ ‬صرصورا‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬مترا،‭ ‬وورث‭ ‬عيالي‭ ‬عنها‭ ‬هذه‭ ‬الخوف،‭ ‬ولا‭ ‬أستبعد‭ ‬أن‭ ‬تصيبني‭ ‬نوبة‭ ‬قلبية‭ ‬بسبب‭ ‬صرصار،‭ ‬لأنني‭ ‬أحيانا‭ ‬أسمع‭ ‬صراخا‭ ‬عاليا‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬عيالي‭: ‬بابا‭ ‬النجدة‭. ‬بابا،‭ ‬فأعتقد‭ ‬ان‭ ‬مكروها‭ ‬لحق‭ ‬به‭ ‬واندفع‭ ‬نحو‭ ‬مصدر‭ ‬الصوت‭ ‬فأجده‭ ‬يشير‭ ‬–‭ ‬مثلا‭ - ‬الى‭ ‬صرصار‭ ‬ميت‭. ‬وصرت‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬كلما‭ ‬استنجد‭ ‬بي‭ ‬أحدهم‭: ‬بابا‭ ‬في‭ ‬صرصار‭ ‬هنا،‭ ‬أنصحهم‭ ‬بالاتصال‭ ‬بالشرطة‭ ‬أو‭ ‬الاستنجاد‭ ‬بالجيران‭. ‬لأنني‭ ‬‮«‬بابا‮»‬‭ ‬ولست‭ ‬اختصاصيا‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الصراصير‭.‬

وزوجتي‭ ‬التي‭ ‬تستنجد‭ ‬بي‭ ‬إذا‭ ‬ظهر‭ ‬صرصار‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون،‭ ‬لا‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬انتقادي‭ ‬لأنني‭ ‬‮«‬دوغري‮»‬،‭ ‬يعني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬اللف‭ ‬والدوران‭ ‬في‭ ‬تعاملي‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬فإذا‭ ‬كنت‭ ‬ضيفا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬ما‭ ‬وقدموا‭ ‬لي‭ ‬مشروبا‭ ‬غازيّا‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أتردد‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الشكر‭ ‬لهم‭ ‬ورفض‭ ‬المشروب،‭ ‬وزوجتي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الذوق‭ ‬رفض‭ ‬الشراب‭ ‬او‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬يُعرض‭ ‬عليك‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الآخرين،‭ ‬وأنا‭ ‬لست‭ ‬مستعدا‭ ‬لتناول‭ ‬مشروب‭ ‬يشعل‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬صدري‭ ‬استجابة‭ ‬لأعراف‭ ‬اجتماعية‭ ‬سخيفة،‭ ‬ولكنني‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬لا‭ ‬أتحرج‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المشروب‭ ‬الذي‭ ‬أشتهيه‭ ‬والذي‭ ‬أعرف‭ ‬ان‭ ‬إعداده‭ ‬لا‭ ‬يكلف‭ ‬من‭ ‬أزورهم‭ ‬شططا‭: ‬ممكن‭ ‬تعطوني‭ ‬شايا‭ ‬بنعناع‭... ‬ما‭ ‬عندنا‭ ‬نعناع‭.. ‬بالقرنفل؟‭ ‬ما‭ ‬عندنا‭ ‬قرنفل‭!! ‬طيب‭ ‬بالفلفل،‭ ‬طيب‭ ‬بالبشاميل‭ (‬خلال‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬اتصالات‭ ‬قطر‭ ‬‮«‬كيوتل‮»‬‭ ‬لاحظت‭ ‬ان‭ ‬الشاي‭ ‬الذي‭ ‬يقدمه‭ ‬لي‭ ‬العامل‭ ‬الهندي‭ ‬طيب‭ ‬الرائحة‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أستطيع‭ ‬معرفة‭ ‬مصدر‭ ‬تلك‭ ‬الرائحة‭ ‬فسألته‭ ‬عن‭ ‬المادة‭ ‬التي‭ ‬يضيفها‭ ‬الى‭ ‬الشاي‭ ‬فقال‭ ‬إنه‭ ‬يضيف‭ ‬حبوب‭ ‬الفلفل‭ ‬الاسود‭ ‬كاملة‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬اكتشافا‭ ‬مهما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭. ‬جربوه‭ ‬مع‭ ‬الشاي‭ ‬الأحمر‭ ‬وستشكرونني‭).‬

وبالمقابل‭ ‬فإن‭ ‬زوجتي‭ ‬تعطي‭ ‬نفسها‭ ‬حق‭ ‬رفض‭ ‬تناول‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بيت‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬رأت‭ ‬فيه‭ ‬صرصورا،‭ ‬وإذا‭ ‬زرنا‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬البيوت‭ ‬فإنها‭ ‬تعلن‭ ‬مقدما‭ ‬ان‭ ‬الطبيب‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬تناول‭ ‬المشروبات‭ ‬الساخنة‭ ‬والباردة‭. ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬صائمة‭ ‬يومين‭ ‬متتاليين‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الطعام‭ ‬متوافرا‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬رأت‭ ‬فيه‭ ‬صرصورا،‭ ‬فإنها‭ ‬تواصل‭ ‬الصوم‭ ‬لليوم‭ ‬الثالث‭.. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنني‭ ‬شخصية‭ ‬معروفة‭ ‬لدى‭ ‬قسم‭ ‬مكافحة‭ ‬الحشرات‭ ‬والقوارض‭ ‬في‭ ‬بلدية‭ ‬العاصمة‭ ‬القطرية‭ ‬الدوحة،‭ ‬وكنت‭ ‬أقوم‭ ‬بنفسي‭ ‬بنقل‭ ‬عمال‭ ‬رش‭ ‬المبيدات‭ ‬ذهابا‭ ‬وإيابا،‭ ‬ولكن‭ ‬المودة‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬جعلتهم‭ ‬يمرون‭ ‬ببيتي‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬الصراصير‭ ‬لم‭ ‬تتسلل‭ ‬اليه،‭ ‬بل‭ ‬صاروا‭ ‬يرشون‭ ‬بيوت‭ ‬جيراني‭ ‬بالمبيدات‭ ‬لمنع‭ ‬تسلل‭ ‬الحشرات‭ ‬منها‭ ‬الى‭ ‬بيتي،‭ (‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬جهة‭ ‬حكومية‭ ‬لأنني‭ ‬أعرف‭ ‬مضار‭ ‬المبيدات‭ ‬الحشرية‭ ‬وأعرف‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬لا‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬مبيدات‭ ‬محظورة‭ ‬مهربة‭).‬

وبالتالي‭ ‬فمن‭ ‬المفهوم‭ ‬انني‭ ‬مهتم‭ ‬بأخبار‭ ‬الصراصير‭ ‬وطرق‭ ‬مكافحتها،‭ ‬وهكذا‭ ‬سعدت‭ ‬كثيرا‭ ‬عندما‭ ‬تداولت‭ ‬الصحف‭ ‬مؤخرا‭ ‬وصفة‭ ‬عبقرية‭ ‬لباحث‭ ‬عربي‭ ‬قال‭ ‬ان‭ ‬خلطة‭ ‬السكر‭ ‬بالفانيلا‭ (‬وليس‭ ‬الفانيليا‭ ‬كما‭ ‬ينطقها‭ ‬الكثيرون‭) ‬كفيلة‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬الصراصير،‭ (‬ثم‭ ‬نصدرها‭ ‬لكوريا‭ ‬حيث‭ ‬يأكلونها‭ ‬مقرمشة‭) ‬وقياسا‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الخلطة‭ ‬العبقرية‭ ‬فإنني‭ ‬أعتقد‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفئران‭ ‬بخلطة‭ ‬من‭ ‬أم‭ ‬علي‭ ‬والفراولة‭.. ‬أما‭ ‬البعوض‭ ‬فيمكن‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭ ‬برش‭ ‬المستنقعات‭ ‬بعصير‭ ‬المانجو‭ ‬والكريم‭ ‬كراميل‭.. ‬آل‭ ‬اقتل‭ ‬الصراصير‭ ‬بالسكر‭ ‬والفانيلا‭ ‬آل‭! ‬هناك‭ ‬استخفاف‭ ‬بالعقل‭ ‬وقواعد‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يعلن‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬علاج‭ ‬ناجع‭ ‬لمرض‭ ‬ما‭ ‬او‭ ‬حل‭ ‬ناجز‭ ‬لمشكلة‭ ‬ما‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا