زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الجاني معلوم ومجهول
تألمت أسرة مواطن عربي «شقيق» طويلا، بعد أن تعرضت بنتهم خالدة، البالغة من العمر تسع سنوات لعدوان غاشم أدى الى فقدان إصبع في قدمها، والمجرم الذي لم يرحم هذه الطفلة الوديعة ما زال حرا طليقا، لأن السلطات لم تتعرف عليه ولم تحدد هويته، وإن كانت تعرف كل شيء عن «انتمائه». بل لم تبذل أي جهد للتعرف عليه ومحاسبته، ما اضطر والد الفتاة إلى رفع دعوى على المجلس البلدي، بوصفه سلطة الحكم المحلي، ولكن القضية قيدت ضد مجهول ولم ينل الشاكي شيئا سوى الطبطبة على الظهر والحث على الإيمان بالقضاء والقدر «والأطباء ما راح يقصرون مع خالدة، وان شاء الله أجر وعافية»، ولا عتب على السلطات، لأن الجاني ماكر وخبيث، ونجح في الاختباء بين بني قومه، فالذي قضم إصبع خالدة فأر. نعم ذلك الكائن القارض الذي يعشق التخريب ويهوى قطع الأسلاك. والفئران مثل الكوريين يصعب التمييز بينها، ويقول والد الفتاة الضحية ان السبب في وجود الفئران في بيته هو وجود زرائب عشوائية للبهائم في الحي الذي يقيم فيه. وفي المدن العربية الكبرى كافة توجد إدارات للصحة العامة وصحة البيئة، ولكن جميع هذه الإدارات لا تحرك ساكنا إزاء قيام البعض بتربية البهائم داخل بيوتهم (ما لم يكن ذلك في حي راقٍ حيث يسكن ذوو الألقاب الطنانة الذين يستطيع الواحد منهم استدعاء قوات الصاعقة إذا ظهر تيس متشرد في شارع قريب من بيته)، بل تعتبر السلطات وجود ماعز في بعض البيوت جزءا من التراث الشعبي، وتتعلل بأن من يربونها وسط عيالهم غلابة وفقراء، متناسية أنها بذلك تعرضهم لأمراض تزيدهم فقرا وتعاسة! وقد تقول ان ابا الجعافر يتمتع بقدر كبير من البجاحة لأنه سبق له ان كتب مرارا عن نشأته في بيت كانت تمرح فيه الأغنام، وعن أنه مارس رعي الأغنام بل وتعلم كيفية مساعدة الحوامل منها على الولادة، وأنه اعترف بأنه كان أحيانا يرضع من ضرع المعزة مباشرة ما يعزز فرضية ان له إخوة في الرضاع من الماعز! ولكن ذلك كان في بيت مساحته نحو ألفي متر مربع، بما يسمح بممارسة كرة القدم في فنائه في حرية تامة، وعلى كل فكون أني تقاسمت العيش مع الأغنام في بيت واحد لا يعني أن ذلك كان أمرا صحيحا وصحيا.
تعود بي الذاكرة إلى أول إطلالة لي على الخرطوم قادما من قريتي، وأتذكر الحملات المنظمة ضد الكلاب الضالة، وكانت لي قريبة لا تشرب إلا لبن الغنم، وبالتالي لا تشتري اللبن من الباعة الجائلين، وكان صغار الحي يداهمونها بين الحين والآخر: خالتي.. خالتي.. التفتيش جاي، فكانت تقود عنزاتها إلى غرفة نوم وتضع أمامها تلالا من الحبوب والخبز الجاف، لضمان انشغالها بالأكل بدلا من الثغاء ولفت انتباه المفتشين، وكان هذا النوع من التفتيش تقوم به «زائرات صحيات»، يتمتعن بسلطة الضبطية القضائية وفرض وجباية غرامات فورية، وكانت أي بهيمة يتم القبض عليها في الشارع العام تتعرض للاعتقال والنقل إلى ما يسمى «الكاره» أي الحظيرة، وكان على صاحب البهيمة المعتقلة دفع غرامة معلومة للإفراج عنها، وبالتالي اختفت كليا ظاهرة تربية البهائم في الأحياء السكنية ولكن دخل علينا القرن الحادي والعشرين فنالت البهائم حرية التجول والتسول والسطو، لأن السلطات باتت تخصص «الكاره» للبشر من معارضيها.
فالحيوانات ناقلة للأمراض والكثير من أمراض الحيوانات قابلة للانتقال الى ابن آدم وبعضها من النوع المستعصي على العلاج، والبهائم التي يربيها البعض في بيوتهم داخل المدن تمارس حرية التجول والتبول حيث شاءت، وتغشى مقالب القمامة لتأكل منها ما يناسبها وما لا يناسبها، وبداهة فإن كميات هائلة من الجراثيم والباكتيريا والمايكروبات تتنقل اليها من القمامة، فتنقلها بدورها إلى البيوت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك