العدد : ١٧٥٣٤ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٤ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الجاني معلوم ومجهول

تألمت‭ ‬أسرة‭ ‬مواطن‭ ‬عربي‭ ‬‮«‬شقيق‮»‬‭ ‬طويلا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬بنتهم‭ ‬خالدة،‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬تسع‭ ‬سنوات‭ ‬لعدوان‭ ‬غاشم‭ ‬أدى‭ ‬الى‭ ‬فقدان‭ ‬إصبع‭ ‬في‭ ‬قدمها،‭ ‬والمجرم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يرحم‭ ‬هذه‭ ‬الطفلة‭ ‬الوديعة‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬حرا‭ ‬طليقا،‭ ‬لأن‭ ‬السلطات‭ ‬لم‭ ‬تتعرف‭ ‬عليه‭ ‬ولم‭ ‬تحدد‭ ‬هويته،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬‮«‬انتمائه‮»‬‭. ‬بل‭ ‬لم‭ ‬تبذل‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬للتعرف‭ ‬عليه‭ ‬ومحاسبته،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬والد‭ ‬الفتاة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬دعوى‭ ‬على‭ ‬المجلس‭ ‬البلدي،‭ ‬بوصفه‭ ‬سلطة‭ ‬الحكم‭ ‬المحلي،‭ ‬ولكن‭ ‬القضية‭ ‬قيدت‭ ‬ضد‭ ‬مجهول‭ ‬ولم‭ ‬ينل‭ ‬الشاكي‭ ‬شيئا‭ ‬سوى‭ ‬الطبطبة‭ ‬على‭ ‬الظهر‭ ‬والحث‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬بالقضاء‭ ‬والقدر‭ ‬‮«‬والأطباء‭ ‬ما‭ ‬راح‭ ‬يقصرون‭ ‬مع‭ ‬خالدة،‭ ‬وان‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬أجر‭ ‬وعافية‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬عتب‭ ‬على‭ ‬السلطات،‭ ‬لأن‭ ‬الجاني‭ ‬ماكر‭ ‬وخبيث،‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬الاختباء‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬قومه،‭ ‬فالذي‭ ‬قضم‭ ‬إصبع‭ ‬خالدة‭ ‬فأر‭. ‬نعم‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬القارض‭ ‬الذي‭ ‬يعشق‭ ‬التخريب‭ ‬ويهوى‭ ‬قطع‭ ‬الأسلاك‭. ‬والفئران‭ ‬مثل‭ ‬الكوريين‭ ‬يصعب‭ ‬التمييز‭ ‬بينها،‭ ‬ويقول‭ ‬والد‭ ‬الفتاة‭ ‬الضحية‭ ‬ان‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الفئران‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬زرائب‭ ‬عشوائية‭ ‬للبهائم‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬الذي‭ ‬يقيم‭ ‬فيه‭. ‬وفي‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬الكبرى‭ ‬كافة‭ ‬توجد‭ ‬إدارات‭ ‬للصحة‭ ‬العامة‭ ‬وصحة‭ ‬البيئة،‭ ‬ولكن‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الإدارات‭ ‬لا‭ ‬تحرك‭ ‬ساكنا‭ ‬إزاء‭ ‬قيام‭ ‬البعض‭ ‬بتربية‭ ‬البهائم‭ ‬داخل‭ ‬بيوتهم‭ (‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬راقٍ‭ ‬حيث‭ ‬يسكن‭ ‬ذوو‭ ‬الألقاب‭ ‬الطنانة‭ ‬الذين‭ ‬يستطيع‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬استدعاء‭ ‬قوات‭ ‬الصاعقة‭ ‬إذا‭ ‬ظهر‭ ‬تيس‭ ‬متشرد‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬بيته‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬تعتبر‭ ‬السلطات‭ ‬وجود‭ ‬ماعز‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البيوت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي،‭ ‬وتتعلل‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬يربونها‭ ‬وسط‭ ‬عيالهم‭ ‬غلابة‭ ‬وفقراء،‭ ‬متناسية‭ ‬أنها‭ ‬بذلك‭ ‬تعرضهم‭ ‬لأمراض‭ ‬تزيدهم‭ ‬فقرا‭ ‬وتعاسة‭! ‬وقد‭ ‬تقول‭ ‬ان‭ ‬ابا‭ ‬الجعافر‭ ‬يتمتع‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البجاحة‭ ‬لأنه‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬كتب‭ ‬مرارا‭ ‬عن‭ ‬نشأته‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬كانت‭ ‬تمرح‭ ‬فيه‭ ‬الأغنام،‭ ‬وعن‭ ‬أنه‭ ‬مارس‭ ‬رعي‭ ‬الأغنام‭ ‬بل‭ ‬وتعلم‭ ‬كيفية‭ ‬مساعدة‭ ‬الحوامل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الولادة،‭ ‬وأنه‭ ‬اعترف‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬أحيانا‭ ‬يرضع‭ ‬من‭ ‬ضرع‭ ‬المعزة‭ ‬مباشرة‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬فرضية‭ ‬ان‭ ‬له‭ ‬إخوة‭ ‬في‭ ‬الرضاع‭ ‬من‭ ‬الماعز‭! ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬مساحته‭ ‬نحو‭ ‬ألفي‭ ‬متر‭ ‬مربع،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بممارسة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬فنائه‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬تامة،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬فكون‭ ‬أني‭ ‬تقاسمت‭ ‬العيش‭ ‬مع‭ ‬الأغنام‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬أمرا‭ ‬صحيحا‭ ‬وصحيا‭.‬

تعود‭ ‬بي‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬أول‭ ‬إطلالة‭ ‬لي‭ ‬على‭ ‬الخرطوم‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬قريتي،‭ ‬وأتذكر‭ ‬الحملات‭ ‬المنظمة‭ ‬ضد‭ ‬الكلاب‭ ‬الضالة،‭ ‬وكانت‭ ‬لي‭ ‬قريبة‭ ‬لا‭ ‬تشرب‭ ‬إلا‭ ‬لبن‭ ‬الغنم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬اللبن‭ ‬من‭ ‬الباعة‭ ‬الجائلين،‭ ‬وكان‭ ‬صغار‭ ‬الحي‭ ‬يداهمونها‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭: ‬خالتي‭.. ‬خالتي‭.. ‬التفتيش‭ ‬جاي،‭ ‬فكانت‭ ‬تقود‭ ‬عنزاتها‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬نوم‭ ‬وتضع‭ ‬أمامها‭ ‬تلالا‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭ ‬والخبز‭ ‬الجاف،‭ ‬لضمان‭ ‬انشغالها‭ ‬بالأكل‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الثغاء‭ ‬ولفت‭ ‬انتباه‭ ‬المفتشين،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفتيش‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬‮«‬زائرات‭ ‬صحيات‮»‬،‭ ‬يتمتعن‭ ‬بسلطة‭ ‬الضبطية‭ ‬القضائية‭ ‬وفرض‭ ‬وجباية‭ ‬غرامات‭ ‬فورية،‭ ‬وكانت‭ ‬أي‭ ‬بهيمة‭ ‬يتم‭ ‬القبض‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬تتعرض‭ ‬للاعتقال‭ ‬والنقل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الكاره‮»‬‭ ‬أي‭ ‬الحظيرة،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬البهيمة‭ ‬المعتقلة‭ ‬دفع‭ ‬غرامة‭ ‬معلومة‭ ‬للإفراج‭ ‬عنها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬اختفت‭ ‬كليا‭ ‬ظاهرة‭ ‬تربية‭ ‬البهائم‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭ ‬ولكن‭ ‬دخل‭ ‬علينا‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬فنالت‭ ‬البهائم‭ ‬حرية‭ ‬التجول‭ ‬والتسول‭ ‬والسطو،‭ ‬لأن‭ ‬السلطات‭ ‬باتت‭ ‬تخصص‭ ‬‮«‬الكاره‮»‬‭ ‬للبشر‭ ‬من‭ ‬معارضيها‭.‬

فالحيوانات‭ ‬ناقلة‭ ‬للأمراض‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬الحيوانات‭ ‬قابلة‭ ‬للانتقال‭ ‬الى‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬وبعضها‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬المستعصي‭ ‬على‭ ‬العلاج،‭ ‬والبهائم‭ ‬التي‭ ‬يربيها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭ ‬تمارس‭ ‬حرية‭ ‬التجول‭ ‬والتبول‭ ‬حيث‭ ‬شاءت،‭ ‬وتغشى‭ ‬مقالب‭ ‬القمامة‭ ‬لتأكل‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يناسبها‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يناسبها،‭ ‬وبداهة‭ ‬فإن‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الجراثيم‭ ‬والباكتيريا‭ ‬والمايكروبات‭ ‬تتنقل‭ ‬اليها‭ ‬من‭ ‬القمامة،‭ ‬فتنقلها‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬البيوت‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا