العدد : ١٧٥٣١ - الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣١ - الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

واكتشفت أنني تعيس

من‭ ‬حقي‭ ‬أن‭ ‬أحس‭ ‬بالرضا،‭ ‬وبأنني‭ ‬أتيت‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يستطعه‭ ‬‮«‬أوائل‮»‬‭ ‬عائلتي‭ ‬وأسلافي،‭ ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬ظللت‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬أتوهم‭ ‬اني‭ ‬سعيد،‭ ‬وأنني‭ ‬حققت‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬اشياء‭ ‬لم‭ ‬اكن‭ ‬احلم‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬مرحلتي‭ ‬الصبا‭ ‬والشباب‭ ‬الباكر،‭ ‬فقد‭ ‬نلت‭ ‬تعليما‭ ‬معقولا،‭ ‬وعملت‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬مقنعة‭ ‬معنويا‭ ‬وماديا،‭ ‬ثم‭ ‬اغتربت‭ ‬وتعنطزت‭ ‬وتفشخرت،‭ ‬وصرت‭ ‬أعاف‭ ‬لحم‭ ‬الدجاج‭ ‬والكمثرى‭ ‬والعنب،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أر‭ ‬الكمثرى‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوزت‭ ‬الثلاثين،‭ ‬وصارت‭ ‬لدي‭ ‬امكانات‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بأكل‭ ‬اللقيمات‭ ‬ولعق‭ ‬الآيسكريم‭ ‬يوميا،‭ ‬ورزقني‭ ‬الله‭ ‬بالعيال‭ ‬الذين‭ ‬ورثوا‭ ‬عني‭ ‬الأنف‭ ‬الحجازي‭ ‬واللون‭ ‬‮«‬الفاتح‮»‬‭  ‬والذكاء‭ (‬كان‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عونهم‭). ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬الحسد‭ ‬قط‭ ‬طريقه‭ ‬الى‭ ‬قلبي،‭ ‬فلا‭ ‬يزعجني‭ ‬ان‭ ‬زميلا‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬الدارسة‭ ‬صار‭ ‬مليونيرا‭ ‬او‭ ‬شخصية‭ ‬عامة‭ ‬مرموقة‭. ‬المهم‭ ‬انني‭ ‬كنت‭ ‬سعيدا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬عندي،‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬قرأت‭ ‬نتائج‭ ‬دراسة‭ ‬اجراها‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬ياهو‮»‬‭ ‬الشهير‭ ‬على‭ ‬الانترنت‭ ‬حول‭ ‬السعادة،‭ ‬ومؤداها‭ ‬ان‭ ‬السعادة‭ ‬تشترى‭ ‬بالمال‭ ‬لأن‭ ‬المال‭ ‬يأتي‭ ‬براحة‭ ‬البال،‭ ‬ولكن‭ ‬أتعرفون‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬حددته‭ ‬الدراسة‭ ‬كي‭ ‬تتحقق‭ ‬السعادة؟‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬امريكي،‭ ‬واضربها‭ ‬في‭ ‬3600‭ ‬كي‭ ‬تعرف‭ ‬قيمتها‭ ‬بطيب‭ ‬الذكر‭ ‬الجنيه‭ ‬السوداني‭!! ‬يعني‭ ‬ابو‭ ‬الجعافر‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬سبعين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الآن،‭ ‬يضع‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬راتبه‭ ‬تحت‭ ‬المخدة‭ ‬كي‭ ‬يصبح‭ ‬‮«‬رُبع‮»‬‭ ‬سعيد‭! ‬

‭ ‬أنا‭ ‬أدرك‭ ‬ان‭ ‬الحديث‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬استفزازي‭ ‬في‭ ‬بلدي‭ (‬السودان‭) ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬أهله‭ ‬من‭ ‬التهاب‭ ‬الجيوب‭ ‬البنطلونية‭ ‬والجلبابية،‭ ‬ولكن‭ ‬عندي‭ ‬لهم‭ ‬اقتراح‭: ‬ما‭ ‬رأيكم‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬نعمل‭ ‬صندوقا‭ ‬قوميا‭ ‬بطريقة‭ ‬المراهنات‭ ‬الرياضية‭. ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬40‭ ‬مليون‭ ‬مواطن،‭ ‬ولو‭ ‬أسهم‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬في‭ ‬الصندوق‭ ‬بخمسة‭ ‬آلاف‭ ‬جنيه‭ ‬شهريا،‭ ‬نستطيع‭ ‬ان‭ ‬نجري‭ ‬سحبا‭ ‬نصف‭ ‬سنوي‭ ‬ونضمن‭ ‬بذلك‭ ‬ان‭ ‬مواطنين‭ ‬اثنين‭ ‬يقتربان‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬سنويا‭!! ‬وإذا‭ ‬استمر‭ ‬الصندوق‭ ‬ولم‭ ‬يتعرض‭ ‬للهبر‭ ‬والسَّف‭!! ‬سيصبح‭ ‬نحو‭ ‬مائة‭ ‬مواطن‭ ‬سوداني‭ ‬من‭ ‬السعداء‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬القرن‭ ‬المقبل‭ ‬وهو‭ ‬انجاز‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم‭! ‬ادرسوا‭ ‬هذا‭ ‬الاقتراح،‭ ‬وبدوري‭ ‬فكرات‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬لبلوغ‭ ‬السعادة‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬كلفتها‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭: ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬تبليغ‭ ‬الأمريكان‭ ‬عن‭ ‬أماكن‭ ‬وجود‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬وأسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن‭ ‬وأبوبكر‭ ‬البغدادي‭. ‬ولكن‭ ‬منين‭ ‬يا‭ ‬حسرة؟

نعم،‭ ‬السعادة‭ ‬لا‭ ‬تشترى‭ ‬بالمال،‭ ‬ولكن‭ ‬البؤس‭ ‬والفقر‭ ‬والمرض‭ ‬والجهل‭ ‬والزهج‭ ‬والقرف‭ ‬والإمساك‭ ‬والإسهال‭ ‬والبواسير،‭ ‬كلها‭ ‬تنجم‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬وفرة‭ ‬المال،‭ ‬ولكن‭ ‬المصيبة‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬لا‭ ‬يشبع‭ ‬قط‭ ‬من‭ ‬المال،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تجد‭ ‬شخصا‭ ‬عنده‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬بنوك‭ ‬سويسرا‭ ‬والبهاما‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الأرق‭ ‬لأن‭ ‬صفقة‭ ‬بستين‭ ‬الف‭ ‬–‭ ‬مثلا–‭ ‬طارت‭ ‬منه‭. ‬وأذكر‭ ‬انني‭ ‬اصبحت‭ ‬من‭ ‬الاثرياء‭ ‬في‭ ‬اواخر‭ ‬السبعينيات،‭ ‬فعندما‭ ‬قررت‭ ‬الزواج‭ - ‬وكنت‭ ‬وقتها‭ ‬اعمل‭ ‬مدرسا‭ ‬للغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري‭ ‬الثانوية‭ ‬واعمل‭ ‬ايضا‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬القومي،‭ ‬واتقاضى‭ ‬راتبين‭ - ‬وصرت‭ ‬أدرِّس‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬فصول‭ ‬اتحاد‭ ‬المعلمين‭ ‬المسائية‭ ‬بنين‭ ‬وبنات،‭ ‬وهناك‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬وبنات‭ ‬بحري‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬مشروع‭ ‬زواجي،‭ ‬المهم‭ ‬بلغت‭ ‬مدخراتي‭ ‬فوق‭ ‬الـ800‭  ‬جنيه‭ ‬بقليل‭ ‬وأصبح‭ ‬همي‭ ‬كله‭ ‬المرور‭ ‬امام‭ ‬البنك‭ ‬يوميا‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬للإفلاس‭ ‬او‭ ‬السرقة،‭ ‬وجاء‭ ‬موعد‭ ‬سداد‭ ‬المهر‭ ‬وشراء‭ ‬لوازم‭ ‬الولائم‭ ‬وكسوة‭ ‬العروس،‭ ‬إلخ،‭ ‬وأدركت‭ ‬ان‭ ‬‮«‬شقا‭ ‬السنين‮»‬‭ ‬سيضيع‭ ‬في‭ ‬لحظات،‭ ‬فكرت‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬صرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الزواج‭ ‬باعتبار‭ ‬ان‭ ‬مشروعا‭ ‬بدايته‭ ‬تفليسة،‭ ‬سيؤدي‭ ‬الى‭ ‬سنوات‭ ‬كبيسة،‭ ‬ولكن‭ ‬ربك‭ ‬ستر،‭ ‬وأوفدتني‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬في‭ ‬بعثة‭ ‬دراسية‭ ‬الى‭ ‬لندن‭ ‬بحبحت‭ ‬فيها‭ ‬ماديا،‭ ‬وعدت‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬وقد‭ ‬قررت‭ ‬الزواج‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬التضحيات‭ ‬وشجعت‭ ‬نفسي‭ ‬بترديد‭ ‬قول‭ ‬الشابي‭:‬

مشيناها‭ ‬خطى‭ ‬كتبت‭ ‬علينا‭ ** ‬ومن‭ ‬كتبت‭ ‬عليه‭ ‬خطى‭ ‬مشاها‭!‬

سبحان‭ ‬الله‭: ‬كدت‭ ‬أنسف‭ ‬مشروع‭ ‬زواجي‭ ‬من‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬اخترتها‭ ‬بنفسي‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬مني‭ ‬800‭ ‬جنيها،‭ ‬واليوم‭ ‬قد‭ ‬تضيع‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬800‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬حر‭ ‬مالي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬فلا‭ ‬أستطيع‭ ‬ان‭ ‬اقول‭ ‬تلت‭ ‬التلاتة‭ ‬كم؟‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنني‭ ‬ضعيف‭ ‬في‭ ‬الحساب،‭ ‬ولكن‭ ‬لأنني‭ ‬ضعيف‭ ‬البنية‭ ‬نسبياً‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا