زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
واكتشفت أنني تعيس
من حقي أن أحس بالرضا، وبأنني أتيت بما لم يستطعه «أوائل» عائلتي وأسلافي، ومن ثم، ظللت لسنوات طويلة أتوهم اني سعيد، وأنني حققت في حياتي اشياء لم اكن احلم بها خلال مرحلتي الصبا والشباب الباكر، فقد نلت تعليما معقولا، وعملت في وظائف مقنعة معنويا وماديا، ثم اغتربت وتعنطزت وتفشخرت، وصرت أعاف لحم الدجاج والكمثرى والعنب، رغم أنني لم أر الكمثرى إلا بعد أن تجاوزت الثلاثين، وصارت لدي امكانات تسمح لي بأكل اللقيمات ولعق الآيسكريم يوميا، ورزقني الله بالعيال الذين ورثوا عني الأنف الحجازي واللون «الفاتح» والذكاء (كان الله في عونهم). ولم يعرف الحسد قط طريقه الى قلبي، فلا يزعجني ان زميلا لي في الدارسة صار مليونيرا او شخصية عامة مرموقة. المهم انني كنت سعيدا بكل ما عندي، الى ان قرأت نتائج دراسة اجراها موقع «ياهو» الشهير على الانترنت حول السعادة، ومؤداها ان السعادة تشترى بالمال لأن المال يأتي براحة البال، ولكن أتعرفون ما هو المبلغ الذي حددته الدراسة كي تتحقق السعادة؟ خمسة ملايين دولار امريكي، واضربها في 3600 كي تعرف قيمتها بطيب الذكر الجنيه السوداني!! يعني ابو الجعافر يحتاج الى سبعين سنة من الآن، يضع فيها كل راتبه تحت المخدة كي يصبح «رُبع» سعيد!
أنا أدرك ان الحديث حول هذا الموضوع استفزازي في بلدي (السودان) الذي يعاني أهله من التهاب الجيوب البنطلونية والجلبابية، ولكن عندي لهم اقتراح: ما رأيكم في ان نعمل صندوقا قوميا بطريقة المراهنات الرياضية. عندنا في السودان 40 مليون مواطن، ولو أسهم كل مواطن في الصندوق بخمسة آلاف جنيه شهريا، نستطيع ان نجري سحبا نصف سنوي ونضمن بذلك ان مواطنين اثنين يقتربان من السعادة سنويا!! وإذا استمر الصندوق ولم يتعرض للهبر والسَّف!! سيصبح نحو مائة مواطن سوداني من السعداء خلال نصف القرن المقبل وهو انجاز لم يتحقق خلال نصف القرن المنصرم! ادرسوا هذا الاقتراح، وبدوري فكرات في سبيل لبلوغ السعادة التي تبلغ كلفتها خمسة ملايين دولار: فكرت في تبليغ الأمريكان عن أماكن وجود صدام حسين وأسامة بن لادن وأبوبكر البغدادي. ولكن منين يا حسرة؟
نعم، السعادة لا تشترى بالمال، ولكن البؤس والفقر والمرض والجهل والزهج والقرف والإمساك والإسهال والبواسير، كلها تنجم عن عدم وفرة المال، ولكن المصيبة هي ان ابن آدم لا يشبع قط من المال، ومن ثم تجد شخصا عنده الملايين في بنوك سويسرا والبهاما يعاني من الأرق لأن صفقة بستين الف – مثلا– طارت منه. وأذكر انني اصبحت من الاثرياء في اواخر السبعينيات، فعندما قررت الزواج - وكنت وقتها اعمل مدرسا للغة الانجليزية في مدرسة الخرطوم بحري الثانوية واعمل ايضا في التلفزيون القومي، واتقاضى راتبين - وصرت أدرِّس في جميع فصول اتحاد المعلمين المسائية بنين وبنات، وهناك جيل كامل من أبناء وبنات بحري كان من ضحايا مشروع زواجي، المهم بلغت مدخراتي فوق الـ800 جنيه بقليل وأصبح همي كله المرور امام البنك يوميا للتأكد من أنه لم يتعرض للإفلاس او السرقة، وجاء موعد سداد المهر وشراء لوازم الولائم وكسوة العروس، إلخ، وأدركت ان «شقا السنين» سيضيع في لحظات، فكرت لبعض الوقت في صرف النظر عن الزواج باعتبار ان مشروعا بدايته تفليسة، سيؤدي الى سنوات كبيسة، ولكن ربك ستر، وأوفدتني وزارة التربية في بعثة دراسية الى لندن بحبحت فيها ماديا، وعدت من هناك وقد قررت الزواج مهما كانت التضحيات وشجعت نفسي بترديد قول الشابي:
مشيناها خطى كتبت علينا ** ومن كتبت عليه خطى مشاها!
سبحان الله: كدت أنسف مشروع زواجي من الفتاة التي اخترتها بنفسي كي لا يضيع مني 800 جنيها، واليوم قد تضيع تلك الفتاة 800 دولار من حر مالي في يوم واحد فلا أستطيع ان اقول تلت التلاتة كم؟ ليس فقط لأنني ضعيف في الحساب، ولكن لأنني ضعيف البنية نسبياً!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك