العدد : ١٧٥٣٦ - السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٦ - السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وصار المجني عليه جانيا

ربما‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬قرأوا‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬أكتب‭ ‬هنا‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬قاربت‭ ‬الـ25،‭ ‬وانتبهوا‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬قليلا‭ ‬ما‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري،‭ ‬ولكنني‭ ‬ومنذ‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬المنصرم،‭ ‬منشغل‭ ‬تماما‭ ‬بأمر‭ ‬سياسي‭ ‬–‭ ‬عسكري،‭ ‬فمنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬تعرضت‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬جائحة‭ ‬حرب‭ ‬جامحة،‭ ‬عندما‭ ‬أغارت‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬بالطيران‭ ‬والصواريخ،‭ ‬وكانت‭ ‬إيران‭ ‬المجني‭ ‬عليها‭ ‬والضحية،‭ ‬وتبارى‭ ‬سياسيون‭ ‬ومفكرون‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأجناس‭ ‬والملل‭ ‬والنحل‭ ‬لإدانة‭ ‬العدوان،‭ ‬فإذا‭ ‬بالضحية‭ (‬إيران‭) ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬باغٍ‭ ‬معتدٍ‭. ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬ذكرى‭ ‬الهولوكوست‭ ‬أي‭ ‬المحرقة‭ ‬اليهودية‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬النازية‭ ‬الألمانية،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يهود‭ ‬ألمانيا‭ ‬وبولندا‭ ‬تعرضوا‭ ‬للإبادة‭ ‬بأساليب‭ ‬ممعنة‭ ‬في‭ ‬الوحشية،‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬موثق‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة‭. ‬وأحست‭ ‬أوروبا‭ ‬بوخز‭ ‬الضمير،‭ ‬فقررت‭ ‬وبمساعدة‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬وروسيا‭ ‬تهجير‭ ‬يهودها‭ ‬إلى‭ ‬رقعة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬يعيشون‭ ‬فيها‭ ‬آمنين،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬ولدت‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭.‬

في‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بمتلازمة‭ ‬ستوكهولم،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬نفسية تصيب‭ ‬الفرد‭ ‬عندما‭ ‬يتعاطف‭ ‬أو‭ ‬يتعاون‭ ‬مع‭ ‬عدوه‭ ‬أو‭ ‬مَن‭ ‬أساء‭ ‬إليه‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال،‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬سطا‭ ‬لصوص‭ ‬مسلحون‭ ‬على‭ ‬بنك‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬واحتجزوا‭ ‬بعض‭ ‬موظفي‭ ‬البنك‭ ‬رهائن‭ ‬لـ6‭ ‬أيام،‭ ‬وعند‭ ‬محاكمة‭ ‬الجناة‭ ‬تبارى‭ ‬الرهائن‭ ‬للدفاع‭ ‬عنهم،‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬رابطة‭ ‬عاطفية‭ ‬نشأت‭ ‬بين‭ ‬الضحية‭ ‬والجاني‭. (‬لأن‭ ‬الضحية‭ ‬تفهم‭ ‬بشكل‭ ‬خاطئ‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬الإساءة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المعتدي‭ ‬إحسان‭ ‬ورحمة‭).  ‬وإسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬متلازمة‭ ‬ستوكهولم،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬تتعاطف‭ ‬مع‭ ‬جلادها‭ ‬النازي،‭ ‬ولكنها‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬تلميذ‭ ‬للجلاد،‭ ‬فصار‭ ‬ديدنها‭ ‬الفتك‭ ‬والسحل‭ ‬والسحق‭ ‬والقتل‭. ‬وإيران‭ ‬أيضا‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المتلازمة،‭ ‬ولكنها‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬تلميذ‭ ‬للجاني‭ ‬الصهيو‭-‬أمريكي،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬تشهد‭ ‬آناء‭ ‬الليل‭ ‬وأطراف‭ ‬النهار،‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬ديدن‭ ‬إيران‭ ‬صار‭ ‬السحق‭ ‬والقتل‭. ‬ولكن‭ ‬لمن؟‭ ‬اختارت‭ ‬إيران‭ ‬الجيران‭. ‬وكأنما‭ ‬قتل‭ ‬أهل‭ ‬الشاطئ‭ ‬الغربي‭ ‬للخليج‭ ‬وتدمير‭ ‬مرافقهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والخدمية‭ ‬سيؤلم‭ ‬ويؤذي‭ ‬بل‭ ‬ويدمر‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومن‭ ‬تسميه‭ ‬بالشيطان‭ ‬الأكبر‭ (‬أمريكا‭).‬

منذ‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬الشاه‭ ‬رضا‭ ‬بهلوي‭ ‬الديكتاتوري،‭ ‬ووصول‭ ‬الملالي‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬لم‭ ‬يتقنوا‭ ‬شيئا‭ ‬كإتقانهم‭ ‬صناعة‭ ‬الأعداء،‭ ‬فلأن‭ ‬الكلام‭ ‬ببلاش،‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬ملالي‭ ‬إيران‭ ‬يقولون‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يفعلون،‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬قدرة‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬تنزيله‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وظلوا‭ ‬يوزعون‭ ‬التهديدات‭ ‬بسخاء‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬وكسبوا‭ ‬عداء‭ ‬الأقارب‭ ‬والأباعد،‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لبلادهم‭ ‬حبيب‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬فلأن‭ ‬ثورة‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬الإيرانية‭ ‬بهرت‭ ‬العالم‭ ‬ونالت‭ ‬الاستحسان‭ ‬والإعجاب‭ ‬الجماهيري‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬القارات،‭ ‬حسب‭ ‬الملالي‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬بصيغتها‭ ‬الإيرانية‭ ‬سلعة‭ ‬قابلة‭ ‬للترويج‭ ‬والتصدير‭ ‬والنجاح،‭ ‬فتصبح‭ ‬طهران‭ ‬مركز‭ ‬الكون،‭ ‬و«أم‭ ‬قرى‮»‬‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬فيحج‭ ‬إليها‭ ‬المسلمون‭ ‬أفواجا‭ ‬ضاربين‭ ‬أكباد‭ ‬البوينغ‭ ‬والإيرباص‭. ‬ولو‭ ‬عذرنا‭ ‬الملالي‭ ‬على‭ ‬إخفاقاتهم‭ ‬وسوء‭ ‬تقديرهم‭ ‬للأمور‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الثورة‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الدراية‭ ‬بشؤون‭ ‬الحكم،‭ ‬فما‭ ‬بالهم‭ ‬يمارسون،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬الطوباوية‭ ‬ويحلمون‭ ‬بأن‭ ‬يخضعوا‭ ‬عشرات‭ ‬البلدان‭ ‬لحكم‭ ‬الولي‭ ‬الفقيه؟‭!‬

وبحسبان‭ ‬أنهم‭ ‬أتوا‭ ‬بحكم‭ ‬ولي‭ ‬معصوم،‭ ‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اتجاه،‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬الملالي‭ ‬يطلقون‭ ‬النيران‭ ‬على‭ ‬أقدامهم،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الإنجليزي‭ ‬عمن‭ ‬لا‭ ‬يحسن‭ ‬الرماية،‭ ‬ويقوم‭ ‬بتصريف‭ ‬الأمور‭ ‬بأسلوب‭ ‬يعود‭ ‬وبالا‭ ‬عليه‭. ‬وهكذا‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬عدوان‭ ‬دولتين‭ ‬مجبولتين‭ ‬على‭ ‬الشر‭ ‬والبغي‭ ‬على‭ ‬أيران‭ ‬أمر‭ ‬مستهجن،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الاستهجان‭ ‬توسع‭ ‬بحيث‭ ‬صارت‭ ‬إيران‭ ‬مستهدفة‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أمطرت‭ ‬جيرانها‭ ‬العرب‭ ‬بالحمم‭ ‬والموت‭ ‬والدمار‭.‬

جاء‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭ ‬‮«‬ما‭ ‬زال‭ ‬جبريل‭ ‬يوصيني‭ ‬بالجار‭ ‬حتى‭ ‬ظننت‭ ‬أنه‭ ‬سيورثه‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬أوصانا‭ ‬النبي‭ ‬ـ‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬أن‭ ‬نحسن‭ ‬إلى‭ ‬الجيران‭ ‬سواء‭ ‬أكانوا‭ ‬من‭ ‬الأقارب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬المسلمين،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المسلمين،‭ ‬أكرر‭ ‬‮«‬أو‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‮»‬،‭ ‬فلماذا‭ ‬يستهدف‭ ‬ملالي‭ ‬إيران‭ ‬الجيران‭ ‬المسلمين،‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يبادئوهم‭ ‬بالعدوان،‭ ‬بل‭ ‬ولم‭ ‬يردوا‭ ‬على‭ ‬العدوان‭ ‬بالعدوان؟

ومن‭ ‬لم‭ ‬يصُن‭ ‬حق‭ ‬الجوار‭ ‬فإنه‭/ ‬يلاقي‭ ‬من‭ ‬الأهوال‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬ينتهي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا