زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وصار المجني عليه جانيا
ربما هناك من قرأوا بعض ما أكتب هنا عبر سنوات قاربت الـ25، وانتبهوا إلى أنني قليلا ما أخوض في أمر سياسي أو عسكري، ولكنني ومنذ آخر يوم في شهر فبراير المنصرم، منشغل تماما بأمر سياسي – عسكري، فمنذ ذلك اليوم، تعرضت منطقة الخليج إلى جائحة حرب جامحة، عندما أغارت أمريكا وإسرائيل على إيران، بالطيران والصواريخ، وكانت إيران المجني عليها والضحية، وتبارى سياسيون ومفكرون من كل الأجناس والملل والنحل لإدانة العدوان، فإذا بالضحية (إيران) تتحول إلى باغٍ معتدٍ. مما يستدعي ذكرى الهولوكوست أي المحرقة اليهودية على أيدي النازية الألمانية، وما من شك في أن يهود ألمانيا وبولندا تعرضوا للإبادة بأساليب ممعنة في الوحشية، فهذا أمر موثق بالصوت والصورة. وأحست أوروبا بوخز الضمير، فقررت وبمساعدة من أمريكا وروسيا تهجير يهودها إلى رقعة من الأرض يعيشون فيها آمنين، فكان أن ولدت دولة إسرائيل.
في الطب النفسي هناك ما يسمى بمتلازمة ستوكهولم، وهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، ففي عام 1973 سطا لصوص مسلحون على بنك في السويد واحتجزوا بعض موظفي البنك رهائن لـ6 أيام، وعند محاكمة الجناة تبارى الرهائن للدفاع عنهم، وذلك لأن رابطة عاطفية نشأت بين الضحية والجاني. (لأن الضحية تفهم بشكل خاطئ أن عدم الإساءة من قبل المعتدي إحسان ورحمة). وإسرائيل لا تعاني من متلازمة ستوكهولم، أي لا تتعاطف مع جلادها النازي، ولكنها تحولت إلى تلميذ للجلاد، فصار ديدنها الفتك والسحل والسحق والقتل. وإيران أيضا لا تعاني من تلك المتلازمة، ولكنها تحولت إلى تلميذ للجاني الصهيو-أمريكي، وها هي منطقة الخليج تشهد آناء الليل وأطراف النهار، كيف أن ديدن إيران صار السحق والقتل. ولكن لمن؟ اختارت إيران الجيران. وكأنما قتل أهل الشاطئ الغربي للخليج وتدمير مرافقهم الاقتصادية والخدمية سيؤلم ويؤذي بل ويدمر إسرائيل ومن تسميه بالشيطان الأكبر (أمريكا).
منذ سقوط نظام الشاه رضا بهلوي الديكتاتوري، ووصول الملالي إلى سدة الحكم في طهران، لم يتقنوا شيئا كإتقانهم صناعة الأعداء، فلأن الكلام ببلاش، فقد ظل ملالي إيران يقولون ما لا يفعلون، وما لا قدرة لهم على تنزيله إلى أرض الواقع، وظلوا يوزعون التهديدات بسخاء في كل الاتجاهات، وكسبوا عداء الأقارب والأباعد، حتى لم يعد لبلادهم حبيب في المجتمع الدولي، فلأن ثورة عام 1979 الإيرانية بهرت العالم ونالت الاستحسان والإعجاب الجماهيري في كل القارات، حسب الملالي أن الثورة بصيغتها الإيرانية سلعة قابلة للترويج والتصدير والنجاح، فتصبح طهران مركز الكون، و«أم قرى» العالم الإسلامي، فيحج إليها المسلمون أفواجا ضاربين أكباد البوينغ والإيرباص. ولو عذرنا الملالي على إخفاقاتهم وسوء تقديرهم للأمور في سنوات الثورة الأولى، التي لم يكونوا فيها على أي قدر من الدراية بشؤون الحكم، فما بالهم يمارسون، وعلى مدى عقود الطوباوية ويحلمون بأن يخضعوا عشرات البلدان لحكم الولي الفقيه؟!
وبحسبان أنهم أتوا بحكم ولي معصوم، لا يأتيه الباطل من أي اتجاه، فقد ظل الملالي يطلقون النيران على أقدامهم، كما يقول المثل الإنجليزي عمن لا يحسن الرماية، ويقوم بتصريف الأمور بأسلوب يعود وبالا عليه. وهكذا ورغم أن الضمير الإنساني وعلى مستوى الكرة الأرضية رأى أن عدوان دولتين مجبولتين على الشر والبغي على أيران أمر مستهجن، إلا أن ذلك الاستهجان توسع بحيث صارت إيران مستهدفة به بعد أن أمطرت جيرانها العرب بالحمم والموت والدمار.
جاء في الحديث الشريف «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، وقد أوصانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم أن نحسن إلى الجيران سواء أكانوا من الأقارب أو من عامة المسلمين، أو من غير المسلمين، أكرر «أو من غير المسلمين»، فلماذا يستهدف ملالي إيران الجيران المسلمين، الذين لم يبادئوهم بالعدوان، بل ولم يردوا على العدوان بالعدوان؟
ومن لم يصُن حق الجوار فإنه/ يلاقي من الأهوال ما ليس ينتهي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك