العدد : ١٧٥٤٠ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٠ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وأفحمت صديقي الحشري

بات‭ ‬من‭ ‬المعلوم‭ ‬لدى‭ ‬الأمهات‭ ‬والآباء‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬هذا،‭ ‬أن‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية،‭ ‬صارت‭ ‬جواز‭ ‬مرور‭ ‬لـ«الوظيفة‭ ‬والراتب‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬اختيار‭ ‬الجامعة‭ ‬ونوع‭ ‬الدراسة‭ ‬بها،‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬قرار‭ ‬يتخذه‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬يعقبه‭ ‬اختيار‭ ‬شريك‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية،‭ ‬وكشخص‭ ‬قضى‭ ‬معظم‭ ‬سنوات‭ ‬عمره‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭ ‬طلبا‭ ‬للرزق،‭ ‬ويدرك‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬عياله‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يتأهلوا‭ ‬لكسب‭ ‬القوت‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬وطنهم،‭ ‬فقد‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬إيلاء‭ ‬أمر‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬لعيالي‭ ‬اهتماما‭ ‬عاليا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬عيالي‭ ‬كليات‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬تركت‭ ‬لهم‭ ‬اختيار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬للتخصص،‭ ‬ثم‭ ‬قضيت‭ ‬وقتا‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الجامعة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬اعتبارات‭ ‬أكاديمية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ومالية‭ ‬وثقافية‭!!‬

ذات‭ ‬مرة‭ ‬طرح‭ ‬علي‭ ‬صديق‭ ‬عدة‭ ‬استفسارات‭ ‬عن‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدرس‭ ‬بها‭ ‬صغرى‭ ‬بنتَيّ‭ ‬لأنه‭ ‬يريد‭ ‬إلحاق‭ ‬بنته‭ ‬بها،‭ ‬ثم‭ ‬سألني‭ ‬عن‭ ‬المصروفات‭ ‬الدراسية‭ ‬فأجبته‭ ‬عن‭ ‬سؤاله‭ ‬محددا‭ ‬المبلغ‭ ‬وشارحا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتضمن‭ ‬كلفة‭ ‬التنقل‭ ‬والطعام،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬انتفض‭ ‬واقفا‭ ‬وهو‭ ‬يصيح‭: ‬عنّها‭ ‬ما‭ ‬تعلمت‭!! ‬مجنون‭ ‬أنت؟‭ ‬تصرف‭ ‬على‭ ‬بنت‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الآلاف‭ ‬بعدين‭ ‬يجي‭ ‬واحد‭ ‬يتزوجها‭ ‬وفلوسك‭ ‬تروح‭ ‬في‭ ‬الهوا؟‭ ‬احتفظ‭ ‬لنفسي‭ ‬عادة‭ ‬بمساحة‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬أسمح‭ ‬لأي‭ ‬كائن‭ ‬باقتحامها،‭ ‬فقلت‭ ‬لصاحبي‭: ‬مش‭ ‬شغلك‭ ‬كيف‭ ‬وأين‭ ‬أعلم‭ ‬بنتي‭ ‬وكم‭ ‬يكلفني‭ ‬تعليمها‭! ‬فحاول‭ ‬الاستدراك‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البنت‭ ‬لزوجها‭ ‬وإنه‭ ‬يكفي‭ ‬تزويدها‭ ‬بتعليم‭ ‬بسعر‭ ‬التكلفة‭. ‬يعني‭ ‬شهادة‭ ‬جامعية‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مكان‭! ‬قلت‭ ‬له‭: ‬برضو‭ ‬مش‭ ‬شغلك‭! ‬ولأنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬فقد‭ ‬حاولت‭ ‬تلطيف‭ ‬تعقيبي‭ ‬الجاف‭ ‬على‭ ‬كلامه،‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬أدفعه‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬بنتي‭ ‬مبلغ‭ ‬‮«‬معقول‭ ‬وفي‭ ‬حدود‭ ‬استطاعتي‭ ‬واستطاعته‭ ‬هو‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬سألته‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬بنتي‭ ‬من‭ ‬يتزوجها؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬ثم‭ ‬تطلقت‭ ‬أو‭ ‬ترملت؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬وأصيب‭ ‬زوجها‭ ‬بإعاقة؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬برجل‭ ‬ابن‭ ‬ناس‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تزوجت‭ ‬برجل‭ ‬جِلدة‭ ‬وقيحة‭ ‬يحرمها‭ ‬من‭ ‬ضروريات‭ ‬الحياة‭ ‬مثل‭ ‬صاحبنا‭ ‬فلان‭ (‬وذكرت‭ ‬اسم‭ ‬شخص‭ ‬يعرفه‭ ‬كلانا‭ ‬بالبخل‭ ‬بدرجة‭ ‬أنه‭ ‬يلزم‭ ‬زوجته‭ ‬التي‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬لتأكل‭ ‬وتلبس‭ ‬وتعالج‭ ‬عيالهما‭ ‬على‭ ‬نفقتها‭)‬؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتزوج‭ ‬وأصبحنا‭ ‬أنا‭ ‬وأمها‭ ‬عواجيز‭ ‬مكعكعين‭ ‬بلا‭ ‬عائل‭ ‬ونحن‭ ‬ننتمي‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬ضمان‭ ‬للعجزة‭ ‬وكبار‭ ‬السن،‭ ‬وصغار‭ ‬السن‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬بعض‭ ‬جيرانه‭ ‬العرب‭ ‬ومعظم‭ ‬الأفارقة؟

وقلت‭ ‬له‭: ‬هل‭ ‬تريد‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬آخذ‭ ‬اعتبارات‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬وتأهيل‭ ‬بنتي؟‭ ‬ومن‭ ‬يضمن‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الولد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬أحق‭ ‬بالتعليم‭ ‬العالي‭ ‬‮«‬الغالي‮»‬‭ ‬سيكون‭ ‬بارا‭ ‬وحافظا‭ ‬للجميل‭ ‬وسيرد‭ ‬إليك‭ ‬الجميل‭ ‬عدا‭ ‬نقدا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬الحياة‭ ‬العملية؟‭ ‬هنا‭ ‬وجدها‭ ‬صديقي‭ ‬فرصة‭ ‬ليسألني‭: ‬ألا‭ ‬يدفع‭ ‬لك‭ ‬ولدك‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬جزءا‭ ‬ثابتا‭ ‬من‭ ‬راتبه؟‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬برضو‭ ‬مش‭ ‬شغلك‭.. ‬أنا‭ ‬لم‭ ‬أنفق‭ ‬على‭ ‬تعليمه‭ ‬ما‭ ‬أنفقت‭ ‬كي‭ ‬‮«‬أحاسبه‮»‬‭ ‬لاحقا‭. ‬ولعلمك‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعطيني‭ ‬فلسا‭ ‬واحدا‭. ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬بإيعاز‭ ‬مني‭. ‬والبركة‭ ‬في‭ ‬أمه‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تتقاضى‭ ‬منه‭ ‬راتبا‭ ‬ثابتا‭ ‬وصارت‭ ‬تقول‭ ‬لي‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬فولدي‭ ‬جنبني‭ ‬وقوف‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬اللئيم‭ ... ‬واللئيم‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭.. ‬وربنا‭ ‬على‭ ‬المفتري‭.‬

وسألت‭ ‬صاحبي‭ ‬ذاك‭: ‬ألا‭ ‬تتابع‭ ‬نتائج‭ ‬امتحانات‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬والجامعات؟‭ ‬هل‭ ‬رأيت‭ ‬كيف‭ ‬يكتسحها‭ ‬البنات؟‭ ‬هل‭ ‬نعاقب‭ ‬تفوقهن‭ ‬ب‮«‬كلفتة‮»‬‭ ‬تعليمهن‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬رجالا‭ ‬ما‭ ‬سيخطفونهن‭ ‬ويخطفون‭ ‬نتاج‭ ‬تعليمهن؟‭ ‬أليست‭ ‬معدلات‭ ‬العقوق‭ ‬والجنوح‭ ‬بين‭ ‬الأولاد‭ ‬أعلى‭ ‬منها‭ ‬بين‭ ‬البنات؟‭ ‬أعرف‭ ‬نساء‭ ‬يعشن‭ ‬على‭ ‬الكفاف‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الزوجية‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬يحاولن‭ ‬مد‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬قدر‭ ‬المستطاع‭ ‬لأمهاتهن‭ ‬وآبائهن‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬ذوي‭ ‬حاجة،‭ ‬وأعرف‭ ‬طابورا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬ينفقون‭ ‬الشيء‭ ‬الفلاني‭ ‬على‭ ‬زينتهم‭ ‬ومتعهم‭ ‬بينما‭ ‬آباؤهم‭ ‬وأمهاتهم‭ ‬‮«‬على‭ ‬الحديدة‮»‬‭! ‬والشاهد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬البنات‭ ‬أحق‭ ‬بالتعليم‭ ‬الجيد‭ ‬لأنهن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أسلحة‭ ‬البقاء‭ ‬الشامل‭. ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬سلاح‭ ‬البنت‭ ‬البتار‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬العنوسة‭ ‬والزوج‭ ‬القيحة‭ ‬والغطرسة‭ ‬الذكورية‭. ‬ادفع‭ ‬دم‭ ‬قلبك‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬بنتك‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬كريمة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬لئيم‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا