زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وأفحمت صديقي الحشري
بات من المعلوم لدى الأمهات والآباء في زماننا هذا، أن الشهادة الجامعية، صارت جواز مرور لـ«الوظيفة والراتب»، ومن ثم فإن اختيار الجامعة ونوع الدراسة بها، هو أهم قرار يتخذه الإنسان المعاصر في حياته، يعقبه اختيار شريك بيت الزوجية، وكشخص قضى معظم سنوات عمره بعيدا عن وطنه طلبا للرزق، ويدرك أن على عياله أيضا أن يتأهلوا لكسب القوت بعيدا عن وطنهم، فقد حرصت على إيلاء أمر التعليم الجامعي لعيالي اهتماما عاليا، دون أن يعني ذلك أنني فرضت على عيالي كليات بعينها، بل تركت لهم اختيار أكثر من مادة للتخصص، ثم قضيت وقتا طويلا في اختيار الجامعة في ضوء اعتبارات أكاديمية واجتماعية ومالية وثقافية!!
ذات مرة طرح علي صديق عدة استفسارات عن الجامعة التي كانت تدرس بها صغرى بنتَيّ لأنه يريد إلحاق بنته بها، ثم سألني عن المصروفات الدراسية فأجبته عن سؤاله محددا المبلغ وشارحا أنه لا يتضمن كلفة التنقل والطعام، فما كان منه إلا أن انتفض واقفا وهو يصيح: عنّها ما تعلمت!! مجنون أنت؟ تصرف على بنت كل تلك الآلاف بعدين يجي واحد يتزوجها وفلوسك تروح في الهوا؟ احتفظ لنفسي عادة بمساحة خاصة لا أسمح لأي كائن باقتحامها، فقلت لصاحبي: مش شغلك كيف وأين أعلم بنتي وكم يكلفني تعليمها! فحاول الاستدراك وقال إنه يعني أن البنت لزوجها وإنه يكفي تزويدها بتعليم بسعر التكلفة. يعني شهادة جامعية أي كلام من أي مكان! قلت له: برضو مش شغلك! ولأنه كان في بيتي فقد حاولت تلطيف تعقيبي الجاف على كلامه، وقلت له إن ما أدفعه في تعليم بنتي مبلغ «معقول وفي حدود استطاعتي واستطاعته هو» ثم سألته: ماذا لو لم تجد بنتي من يتزوجها؟ ماذا لو تزوجت ثم تطلقت أو ترملت؟ ماذا لو تزوجت وأصيب زوجها بإعاقة؟ ماذا لو تزوجت برجل ابن ناس ولكن من ذوي الدخل المحدود؟ ماذا لو تزوجت برجل جِلدة وقيحة يحرمها من ضروريات الحياة مثل صاحبنا فلان (وذكرت اسم شخص يعرفه كلانا بالبخل بدرجة أنه يلزم زوجته التي اضطرت إلى دخول الحياة العملية لتأكل وتلبس وتعالج عيالهما على نفقتها)؟ ماذا لو لم تتزوج وأصبحنا أنا وأمها عواجيز مكعكعين بلا عائل ونحن ننتمي إلى بلد ليس فيه ضمان للعجزة وكبار السن، وصغار السن شأنه شأن بعض جيرانه العرب ومعظم الأفارقة؟
وقلت له: هل تريد مني أن آخذ اعتبارات الربح والخسارة في تربية وتأهيل بنتي؟ ومن يضمن لك أن «الولد» الذي تعتقد أنه أحق بالتعليم العالي «الغالي» سيكون بارا وحافظا للجميل وسيرد إليك الجميل عدا نقدا بعد أن يدخل الحياة العملية؟ هنا وجدها صديقي فرصة ليسألني: ألا يدفع لك ولدك الذي دخل الحياة العملية جزءا ثابتا من راتبه؟ قلت له: برضو مش شغلك.. أنا لم أنفق على تعليمه ما أنفقت كي «أحاسبه» لاحقا. ولعلمك فهو لا يعطيني فلسا واحدا. ولكن ذلك كان بإيعاز مني. والبركة في أمه التي باتت تتقاضى منه راتبا ثابتا وصارت تقول لي: الحمد لله فولدي جنبني وقوف الكريم على باب اللئيم ... واللئيم هنا هو أبو الجعافر.. وربنا على المفتري.
وسألت صاحبي ذاك: ألا تتابع نتائج امتحانات الشهادة الثانوية والجامعات؟ هل رأيت كيف يكتسحها البنات؟ هل نعاقب تفوقهن ب«كلفتة» تعليمهن على أساس أن رجالا ما سيخطفونهن ويخطفون نتاج تعليمهن؟ أليست معدلات العقوق والجنوح بين الأولاد أعلى منها بين البنات؟ أعرف نساء يعشن على الكفاف في بيوت الزوجية ومع هذا يحاولن مد يد العون قدر المستطاع لأمهاتهن وآبائهن إذا كانوا ذوي حاجة، وأعرف طابورا طويلا من الشباب ينفقون الشيء الفلاني على زينتهم ومتعهم بينما آباؤهم وأمهاتهم «على الحديدة»! والشاهد هو أن البنات أحق بالتعليم الجيد لأنهن بحاجة إلى أسلحة البقاء الشامل. التعليم هو سلاح البنت البتار في وجه العنوسة والزوج القيحة والغطرسة الذكورية. ادفع دم قلبك على تعليم بنتك كي لا تكون كريمة على باب لئيم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك