زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وجعلوا العنف مادة ترفيهية
ادخل يوتيوب وابحث عن Battle bots وستشاهد معارك ضارية يتطاير فيها الشرر وتسمع صليل الحديد عندما يلاقي الحديد، لأن الأمر يتعلق بالقتال بين الروبوتات، ولا خسائر في الأرواح، ثم ابحث عن باور سلاب power slap وهي مباريات في الصفع على الوجوه، يديرها نفس الرجل الذي يدير منافسات يو إف سي، التي يجوز فيها الضرب باليد والرجل والخنق والصرع أرضا، وكل هذا العنف ابن شرعي للملاكمة: فحلان بشريان يتباريان في كيل الضربات لبعضهما البعض فتصيح الجماهير منتشية، وقد يسقط أحد الفحلين قتيلاً أو مصاباً بارتجاج في المخ فتزداد هالات المجد حول من صرعه اتساعاَ.
لماذا يعتدي شخص على الأخر عمداَ، ومع سبق الإصرار فيعتبرونه بطلاً؟ بينما القانون الإنجليزي –مثلاً- ينص على عقاب الأم أو الأب الذي يضرب طفله ليؤدبه، بل يصل الأمر إلى أبعد من ذلك، فقبل أيام نشر بعض الأطباء النفسيين تقريراً يقول إن الأطفال الذين يتعرضون إلى الضرب يصبحون عدوانيين وذوي نزعات إجرامية، ولو كان فيما قالوه مثال ذرة من الصدق والحقيقة لكان صاحب هذه السطور نزيل سجون وادي النيل والخليج العربي ومحشوراً في زاوية ضيقة، لأن الضرب كان على أيامنا شيئاً ضرورياً مثل الوجبات الغذائية، أستغفر الله الوجبات لم تكن منتظمة، ولكن الضرب كان مقنناً ومنتظماً، فقد كان من حق أي شخص فوق الخامسة عشرة أن يضرب من يصغرونه إذا أعتقد أنهم أساءوا الأدب، وإلى يومنا هذا فإن قريتنا لم تعرف «الشرطة» ولا «الحكومة». لا سرقات ولا عنف ولا أمراض نفسية. وردّي على ذلك التقرير هو أن البشرية لم تعرف المناخوليا والبارانويا والاسكتزوفرانيا (شيزوفرانيا بالتعريب العشوائي) إلا بعد ظهور الطب النفسي، فقبل ظهورهم وظهور نظرياتهم كان المجتمع خالياً من المختلين عقلياً بفضل جمهور «الأولياء» الذين كانوا يتولون تقييدهم كي لا ينقلوا شياطينهم إلى «الأصحاء»، وكانت حفنة من البخور و«الشخابيط» كفيلة بردع الشياطين ووضع حد لكيدهم. وفي كل بلد عربي يعرف الناس أكثر من حكاية عن شيخ «مبروك» لا يهادن في المعركة مع الجن، ويشبع الشخص المسكون بالجن ضربا. هذا هو الردع الذي لم يتوصل إليه الطب النفسي.
في صدر الشباب وبعد أن تأكد لي تماماً أنني لن أنجح في تحقيق التنمية الاقتصادية الذاتية بحيث لا أحتاج إلى أداء أي عمل، كتبت رسالة إلى محمد علي كلاي أرجوه فيها أن يقبل منازلتي في حلبة الملاكمة بضع دقائق، بمعنى أن يمهلني حتى الجولة الثانية مثلاً ثم يضربني برفق لأدخل في غيبوبة أصحو منها وتحت وسادتي بضعة آلاف من الدولارات، التي كم أذلت الرجال. وختمت رسالتي: أخوك في الله، فلان بن فلان، ويبدوا أنني تأخرت في كتابة تلك الرسالة، فبعد يومين من إرسالها شاهدت كلاي في التلفزيون وهو يهذي، نعم يهذي. ذلك الرجل الذي اشتهر بالثرثرة كان عاجزاً عن الإتيان بجملة مفيدة لأن الملاكمة أعطته الملايين وحرمته من الاستمتاع بها بعد تخلخل دماغه من فرط تلقي الضربات. والملاكمة في نظري مؤامرة إمبريالية!! كيف؟؟ هل رأيتم ملاكماً أبيض «عليه القيمة»؟ لا وكلا. الإمبريالية فصلت الملاكمة على مقاس السود واختارت لأبنائها وبناتها التنس والفروسية والألعاب غير القاتلة، والهدف من المؤامرة هو القضاء على السود الذين اختاروا البقاء في الدول الغربية، وعلى كل حال فإن أي شيء يستهدف السود لا بد أن يكون مؤامرة لسبب بسيط، وهو أنني شديد الانتماء إلى السود بحكم انتمائي إلى البلد الوحيد في العالم الذي يوحي اسمه بأنه وطن للسود، (السودان). وقد كفى الله السودان شرور الملاكمة بانضمامه إلى الجامعة العربية التي «تُكالم» ولا تلاكم. يعني جامعة تختص بشؤون الكلام من فصاحة وبلاغة وجعجعة، جامعة وديعة ومسالمة. جامعة خير ما فيها أنها لا تهش ولا تنش ولو فعلت غير ذلك لتعرضت إلى اللكمات وتعرضنا إلى البهدلة. وكان من تفانين الإمبريالية استدراج اليمني نسيم حميد إلى حلبة الملاكمة. وعندما كان يحقق انتصارات كان بطلا «بريطانيا» وعند أول نكسة نسوا أمره وقد يلفقون له تهمة تهريب القات ويعيدونه إلى مأرب!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك