العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وجعلوا العنف مادة ترفيهية

ادخل‭ ‬يوتيوب‭ ‬وابحث‭ ‬عن‭ ‬Battle‭ ‬bots‭ ‬وستشاهد‭ ‬معارك‭ ‬ضارية‭ ‬يتطاير‭ ‬فيها‭ ‬الشرر‭ ‬وتسمع‭ ‬صليل‭ ‬الحديد‭ ‬عندما‭ ‬يلاقي‭ ‬الحديد،‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقتال‭ ‬بين‭ ‬الروبوتات،‭ ‬ولا‭ ‬خسائر‭ ‬في‭ ‬الأرواح،‭ ‬ثم‭ ‬ابحث‭ ‬عن‭ ‬باور‭ ‬سلاب‭ ‬power‭ ‬slap‭ ‬وهي‭ ‬مباريات‭ ‬في‭ ‬الصفع‭ ‬على‭ ‬الوجوه،‭ ‬يديرها‭ ‬نفس‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يدير‭ ‬منافسات‭ ‬يو‭ ‬إف‭ ‬سي،‭ ‬التي‭ ‬يجوز‭ ‬فيها‭ ‬الضرب‭ ‬باليد‭ ‬والرجل‭ ‬والخنق‭ ‬والصرع‭ ‬أرضا،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬ابن‭ ‬شرعي‭ ‬للملاكمة‭: ‬فحلان‭ ‬بشريان‭ ‬يتباريان‭ ‬في‭ ‬كيل‭ ‬الضربات‭ ‬لبعضهما‭ ‬البعض‭ ‬فتصيح‭ ‬الجماهير‭ ‬منتشية،‭ ‬وقد‭ ‬يسقط‭ ‬أحد‭ ‬الفحلين‭ ‬قتيلاً‭ ‬أو‭ ‬مصاباً‭ ‬بارتجاج‭ ‬في‭ ‬المخ‭ ‬فتزداد‭ ‬هالات‭ ‬المجد‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬صرعه‭ ‬اتساعاَ‭.‬

لماذا‭ ‬يعتدي‭ ‬شخص‭ ‬على‭ ‬الأخر‭ ‬عمداَ،‭ ‬ومع‭ ‬سبق‭ ‬الإصرار‭ ‬فيعتبرونه‭ ‬بطلاً؟‭ ‬بينما‭ ‬القانون‭ ‬الإنجليزي‭ ‬–مثلاً‭- ‬ينص‭ ‬على‭ ‬عقاب‭ ‬الأم‭ ‬أو‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬يضرب‭ ‬طفله‭ ‬ليؤدبه،‭ ‬بل‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقبل‭ ‬أيام‭ ‬نشر‭ ‬بعض‭ ‬الأطباء‭ ‬النفسيين‭ ‬تقريراً‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يتعرضون‭ ‬إلى‭ ‬الضرب‭ ‬يصبحون‭ ‬عدوانيين‭ ‬وذوي‭ ‬نزعات‭ ‬إجرامية،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬فيما‭ ‬قالوه‭ ‬مثال‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬الصدق‭ ‬والحقيقة‭ ‬لكان‭ ‬صاحب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬نزيل‭ ‬سجون‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومحشوراً‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ضيقة،‭ ‬لأن‭ ‬الضرب‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬أيامنا‭ ‬شيئاً‭ ‬ضرورياً‭ ‬مثل‭ ‬الوجبات‭ ‬الغذائية،‭ ‬أستغفر‭ ‬الله‭ ‬الوجبات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬منتظمة،‭ ‬ولكن‭ ‬الضرب‭ ‬كان‭ ‬مقنناً‭ ‬ومنتظماً،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬فوق‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬أن‭ ‬يضرب‭ ‬من‭ ‬يصغرونه‭ ‬إذا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنهم‭ ‬أساءوا‭ ‬الأدب،‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬فإن‭ ‬قريتنا‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬‮«‬الشرطة‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬‮«‬الحكومة‮»‬‭. ‬لا‭ ‬سرقات‭ ‬ولا‭ ‬عنف‭ ‬ولا‭ ‬أمراض‭ ‬نفسية‭. ‬وردّي‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التقرير‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬البشرية‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬المناخوليا‭ ‬والبارانويا‭ ‬والاسكتزوفرانيا‭ (‬شيزوفرانيا‭ ‬بالتعريب‭ ‬العشوائي‭) ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬الطب‭ ‬النفسي،‭ ‬فقبل‭ ‬ظهورهم‭ ‬وظهور‭ ‬نظرياتهم‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬خالياً‭ ‬من‭ ‬المختلين‭ ‬عقلياً‭ ‬بفضل‭ ‬جمهور‭ ‬‮«‬الأولياء‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يتولون‭ ‬تقييدهم‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬ينقلوا‭ ‬شياطينهم‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأصحاء‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬البخور‭ ‬و«الشخابيط‮»‬‭ ‬كفيلة‭ ‬بردع‭ ‬الشياطين‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬لكيدهم‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬يعرف‭ ‬الناس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬شيخ‭ ‬‮«‬مبروك‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يهادن‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬مع‭ ‬الجن،‭ ‬ويشبع‭ ‬الشخص‭ ‬المسكون‭ ‬بالجن‭ ‬ضربا‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الردع‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتوصل‭ ‬إليه‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭.‬

في‭ ‬صدر‭ ‬الشباب‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تأكد‭ ‬لي‭ ‬تماماً‭ ‬أنني‭ ‬لن‭ ‬أنجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الذاتية‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أداء‭ ‬أي‭ ‬عمل،‭ ‬كتبت‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬كلاي‭ ‬أرجوه‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬منازلتي‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬الملاكمة‭ ‬بضع‭ ‬دقائق،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬يمهلني‭ ‬حتى‭ ‬الجولة‭ ‬الثانية‭ ‬مثلاً‭ ‬ثم‭ ‬يضربني‭ ‬برفق‭ ‬لأدخل‭ ‬في‭ ‬غيبوبة‭ ‬أصحو‭ ‬منها‭ ‬وتحت‭ ‬وسادتي‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬التي‭ ‬كم‭ ‬أذلت‭ ‬الرجال‭. ‬وختمت‭ ‬رسالتي‭: ‬أخوك‭ ‬في‭ ‬الله،‭ ‬فلان‭ ‬بن‭ ‬فلان،‭ ‬ويبدوا‭ ‬أنني‭ ‬تأخرت‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬تلك‭ ‬الرسالة،‭ ‬فبعد‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬إرسالها‭ ‬شاهدت‭ ‬كلاي‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬وهو‭ ‬يهذي،‭ ‬نعم‭ ‬يهذي‭. ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬بالثرثرة‭ ‬كان‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬الإتيان‭ ‬بجملة‭ ‬مفيدة‭ ‬لأن‭ ‬الملاكمة‭ ‬أعطته‭ ‬الملايين‭ ‬وحرمته‭ ‬من‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬تخلخل‭ ‬دماغه‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬تلقي‭ ‬الضربات‭. ‬والملاكمة‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬مؤامرة‭ ‬إمبريالية‭!! ‬كيف؟؟‭ ‬هل‭ ‬رأيتم‭ ‬ملاكماً‭ ‬أبيض‭ ‬‮«‬عليه‭ ‬القيمة»؟‭ ‬لا‭ ‬وكلا‭. ‬الإمبريالية‭ ‬فصلت‭ ‬الملاكمة‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬السود‭ ‬واختارت‭ ‬لأبنائها‭ ‬وبناتها‭ ‬التنس‭ ‬والفروسية‭ ‬والألعاب‭ ‬غير‭ ‬القاتلة،‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬المؤامرة‭ ‬هو‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬السود‭ ‬الذين‭ ‬اختاروا‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يستهدف‭ ‬السود‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤامرة‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط،‭ ‬وهو‭ ‬أنني‭ ‬شديد‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬السود‭ ‬بحكم‭ ‬انتمائي‭ ‬إلى‭ ‬البلد‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يوحي‭ ‬اسمه‭ ‬بأنه‭ ‬وطن‭ ‬للسود،‭ (‬السودان‭). ‬وقد‭ ‬كفى‭ ‬الله‭ ‬السودان‭ ‬شرور‭ ‬الملاكمة‭ ‬بانضمامه‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تُكالم‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬تلاكم‭. ‬يعني‭ ‬جامعة‭ ‬تختص‭ ‬بشؤون‭ ‬الكلام‭ ‬من‭ ‬فصاحة‭ ‬وبلاغة‭ ‬وجعجعة،‭ ‬جامعة‭ ‬وديعة‭ ‬ومسالمة‭. ‬جامعة‭ ‬خير‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تهش‭ ‬ولا‭ ‬تنش‭ ‬ولو‭ ‬فعلت‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬لتعرضت‭ ‬إلى‭ ‬اللكمات‭ ‬وتعرضنا‭ ‬إلى‭ ‬البهدلة‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬تفانين‭ ‬الإمبريالية‭ ‬استدراج‭ ‬اليمني‭ ‬نسيم‭ ‬حميد‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬الملاكمة‭. ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬يحقق‭ ‬انتصارات‭ ‬كان‭ ‬بطلا‭ ‬‮«‬بريطانيا‮»‬‭ ‬وعند‭ ‬أول‭ ‬نكسة‭ ‬نسوا‭ ‬أمره‭ ‬وقد‭ ‬يلفقون‭ ‬له‭ ‬تهمة‭ ‬تهريب‭ ‬القات‭ ‬ويعيدونه‭ ‬إلى‭ ‬مأرب‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا