العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لا تغدر بنفسك باسم الحب

وإسرائيل‭ ‬تستكمل‭ ‬الآن،‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬العصابات‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تهجير‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬لتوسيع‭ ‬دولتهم‭ ‬بنت‭ ‬السفاح،‭ ‬بتدمير‭ ‬وتهجير‭ ‬اللبنانيين‭ ‬قسرا،‭ ‬لخلق‭ ‬أمر‭ ‬واقع،‭ ‬يجعل‭ ‬الشطر‭ ‬الجنوبي‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الكيان‮»‬،‭ ‬كحال‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية،‭ ‬تذكرت‭ ‬حكاية‭ ‬الشاب‭ ‬السعودي‭ ‬الذي‭ ‬اجتاز‭ ‬حدود‭ ‬لبنان‭ ‬الجنوبية،‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭ ‬قليلة‭ ‬متوجها‭ ‬صوب‭ ‬المواقع‭ ‬العسكرية‭ ‬الاسرائيلية،‭ ‬وعندما‭ ‬استوقفته‭ ‬دورية‭ ‬للجيش‭ ‬اللبناني‭ ‬عند‭ ‬السلك‭ ‬الشائك،‭ ‬الذي‭ ‬تقع‭ ‬بعده‭ ‬المواقع‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬كان‭ ‬صاحبنا‭ ‬مصرا‭ ‬على‭ ‬اجتياز‭ ‬الحاجز‭! ‬ليش‭ ‬يا‭ ‬ولد‭ ‬الناس؟‭ ‬ليش‭ ‬عم‭ ‬بتعمل‭ ‬بروحك‭ ‬هيك؟‭ ‬بدك‭ ‬تموت؟‭ ‬قال‭ ‬لهم‭: ‬نعم‭ ‬بدي‭ ‬أموت‭. ‬وبالتحديد‭ ‬بدي‭ ‬أموت‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أفارق‭ ‬الدنيا‭ ‬بطريقة‭ ‬مشرفة‭.. ‬اتركوني‭ ‬حتى‭ ‬يطلق‭ ‬الاسرائيليون‭ ‬النار‭ ‬علي‭ ‬وأموت‭!... ‬بس‭ ‬هيك‭ ‬مو‭ ‬طريقة‭ ‬مشرفة‭.. ‬يللي‭ ‬بدو‭ ‬يموت‭ ‬بيد‭ ‬العدو‭ ‬بيحاول‭ ‬يموِّت‭ ‬العدو‭ ‬قبل‭ ‬لا‭ ‬يموت‭ ‬هو‭.‬

كان‭ ‬واضحا‭ ‬ان‭ ‬الشاب‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يموت‭ ‬و«بس‮»‬،‭ ‬وربما‭ ‬لو‭ ‬وجد‭ ‬سلاحا‭ ‬لصوبه‭ ‬نحو‭ ‬الاسرائيليين‭ ‬ليقتل‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يقتل،‭ ‬وينال‭ ‬بغيته‭ ‬بأن‭ ‬يموت‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬المهم،‭ ‬منعه‭ ‬عناصر‭ ‬الجيش‭ ‬اللبناني‭ ‬من‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الانتحار‭ ‬الغبي،‭ ‬وأبعدوه‭ ‬عن‭ ‬السلك‭ ‬الشائك،‭ ‬ثم‭ ‬سألوه‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الموت،‭ ‬فقال‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يحب‭ ‬فتاة‭ ‬أردنية‭ ‬خلال‭ ‬دراسته‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أردنية،‭ ‬ويعد‭ ‬العدة‭ ‬للاقتران‭ ‬بها‭ ‬ولكنها‭ ‬غيّرت‭ ‬رأيها،‭ ‬ورفضت‭ ‬الزواج‭ ‬به،‭ ‬ولهذا‭ ‬قرر‭ ‬الموت‭ ‬بطريقة‭ ‬‮«‬مشرفة‮»‬،‭ ‬والأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬الشاب‭ ‬السعودي‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬بأزمة‭ ‬نفسية‭ ‬أفقدته‭ ‬توازنه‭ ‬العقلي‭ ‬فاختار‭ ‬الموت،‭ ‬وابن‭ ‬آدم‭ ‬لا‭ ‬يختار‭ ‬الموت‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬او‭ ‬العقيدة‭ ‬او‭ ‬الوطن‭ ‬او‭ ‬العرض،‭ ‬او‭ ‬نتيجة‭ ‬لاضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬او‭ ‬عقلي‭.‬

وما‭ ‬استوقفني‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬ذكرتني‭ ‬بحكايات‭ ‬لا‭ ‬تحصى‭ ‬عن‭ ‬أشخاص‭ ‬ينتحرون‭ ‬بسبب‭ ‬تنكُّر‭ ‬الحبيب‭ ‬لهم‭. ‬أفهم‭ ‬ان‭ ‬الشخص‭ ‬يحس‭ ‬بوطأة‭ ‬الغدر‭ ‬والخيانة‭ ‬عندما‭ ‬يحس‭ ‬بأن‭ ‬الحبيب‭ ‬–‭ ‬أيا‭ ‬كان‭ ‬جنسه‭ ‬–‭ ‬هجره،‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬المسألة‭ ‬تستأهل‭ ‬قتل‭ ‬النفس؟‭ ‬شخص‭ ‬كنت‭ ‬تحبه‭ ‬وكان‭ ‬يبادلك‭ ‬الحب‭ ‬وقرر‭ ‬فجأة‭ ‬إنهاء‭ ‬العلاقة‭ ‬معك،‭ ‬لماذا‭ ‬تعاقب‭ ‬نفسك‭ ‬وأهلك‭ ‬بالانتحار‭ ‬او‭ ‬بمحاولة‭ ‬الانتحار؟‭ ‬هجرتني‭ ‬الحبيبة‭ ‬لأن‭ ‬عينها‭ ‬زاغت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬تعتبره‭ ‬أفضل‭ ‬مني‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المال‭ ‬والجمال‭ ‬والخصال‭!! ‬بالطقاق‭. ‬أكيد‭ ‬هناك‭ ‬بدل‭ ‬الواحدة‭ ‬عشرة‭ ‬ترى‭ ‬فيَّ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تره‭ ‬تلك‭ ‬الحبيبة‭ ‬السابقة‭. ‬نعم،‭ ‬هجر‭ ‬الحبيب‭ ‬مؤلم‭ ‬وجارح،‭ ‬ولكن‭ ‬واجبك‭ ‬نحو‭ ‬نفسك‭ ‬هو‭ ‬ألا‭ ‬تجعل‭ ‬الحبيب‭ ‬الغادر‭ ‬يشمت‭ ‬بك‭ ‬ويحسب‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تساوي‭ ‬شيئا‭ ‬بدونه،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬قدمين‭ ‬راسختين‭ ‬ثم‭ ‬تقول‭ ‬لنفسك‭: ‬وأنا‭ ‬أيضا‭ ‬ألف‭ ‬من‭ ‬تتمناني‭.‬

كثيرون‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬متعطشون‭ ‬للحب‭ ‬الصادق‭ ‬ومستعدون‭ ‬للترحيب‭ ‬بالحبيب‭ ‬الصادق‭. ‬وقد‭ ‬يعتبرني‭ ‬البعض‭ ‬جلفا‭ ‬او‭ ‬بلا‭ ‬قلب،‭ ‬لأنني‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬سألحق‭ ‬بنفسي‭ ‬ولو‭ ‬قدرا‭ ‬ضئيلا‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬المعنوي‭ (‬والأذى‭ ‬الجسدي‭ ‬ليس‭ ‬واردا‭ ‬في‭ ‬قاموسي‭ ‬لا‭ ‬تجاه‭ ‬نفسي‭ ‬ولا‭ ‬تجاه‭ ‬الآخرين‭) ‬لو‭ ‬تخلت‭ ‬عني‭ ‬من‭ ‬كنت‭ ‬أحبها،‭ ‬كنت‭ ‬ببساطة‭ ‬سأقول‭: ‬ربنا‭ ‬يسهل‭ ‬عليها‭ ‬وعلينا‭. ‬وربما‭ ‬حاولت‭ ‬كتابة‭ ‬قصيدة‭ ‬ألعن‭ ‬فيها‭ ‬خاشها‭: ‬لقد‭ ‬خيّرتك‭ ‬فاخترتِ‭/ ‬قلت‭ ‬إنك‭ ‬مني‭ ‬قرفتي‭/ ‬فكان‭ ‬نصيبك‭ ‬كوم‭ ‬من‭ ‬زفتِ‭.. ‬وخسارة‭ ‬فيها‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الشعر‭ ‬البليغ‭ ‬البديع‭! ‬المهم‭ ‬هناك‭ ‬أناس‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬يحتاجون‭ ‬الى‭ ‬الحب،‭ ‬وقادرون‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬الحب،‭ ‬فلا‭ ‬تحزن‭ ‬لهجر‭ ‬الحبيب‭! ‬ألا‭ ‬يغدر‭ ‬بك‭ ‬جسمك‭ ‬أحيانا‭ ‬فتتوقف‭ ‬الكلى‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬او‭ ‬يصاب‭ ‬الكبد‭ ‬بالعطب،‭ ‬أو‭ ‬يعزف‭ ‬قلبك‭ ‬بشكل‭ ‬نشاز؟‭ ‬إذن‭ ‬ما‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتنكر‭ ‬لك‭ ‬شخص‭ ‬آخر؟‭ ‬الحبيب‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬وداعا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خطأ‭ ‬ارتكبته‭ ‬أقول‭ ‬له‭: ‬في‭ ‬ستين‭ ‬داهية‭ ‬ولن‭ ‬أشرب‭ ‬حتى‭ ‬سيجارة‭ ‬لأنسى‭ ‬هجرانه‭ ‬لي‭!! ‬والبنت‭ ‬التي‭ ‬تستأهل‭ ‬ان‭ ‬اموت‭ ‬بسبب‭ ‬هجرها‭ ‬لي‭ ‬لم‭ ‬تولد‭ ‬بعد‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا