زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
كوب لبن لـ40 ألف دولار
الدكتور هوارد آتوود كيلي علم في رأسه نار في الولايات المتحدة، فهو أول من أسس قسما لأمراض النساء والولادة في مستشفى أمريكي، وكان أحد أربعة أسسوا جامعة جونز هوبكينز المرموقة، وهي أول جامعة أمريكية تهتم بالبحوث الطبية.
كانت أسرة هوارد كيلي فقيرة بائسة الحال، تقيم في بلدة كامدن في ولاية نيوجيرزي، ولكن هوارد كان مغرما بالدراسة، ولتوفير نفقاتها عمل وهو طفل في بيع السلع من ملبوسات وحلوى من باب الى آخر، وفي ذات يوم، وبعد التجوال لنحو سبع ساعات في الشوارع لم يفلح في بيع شيء ذي قيمة، ولم يجد في جيبه أكثر من عشرة سنتات وهو مبلغ لا يكفي حتى لشراء شفطة أوكسجين في بلدته الصناعية ذات الهواء الملوث. وعلى صغر سنه فقد كان هوارد يعرف ان استجداء الطعام «عيب»، ولكن أمعاءه تقلصت وتكرمشت وتشربكت وتشبّكت حتى كاد يصرخ. وتوجه الى أقرب بيت ورن جرس الباب، فخرجت اليه فتاة تكبره سنا بعض الشيء، وفتح فمه ليقول لها إنه جائع، ولكن الحياء جعله يزعم أنه فقط يحس بالعطش. ويريد جرعة ماء، ولكن وبنظرة فاحصة الى وجهه أدركت الفتاة أنه جوعان فدخلت ثم خرجت حاملة له كوبا من اللبن، شفطه الصغير في ثوان ثم وبكل براءة سألها: بكم أنا مدين لك؟ فقالت له: لا تدين لي بشيء فقد تعلمت من والدي ألا أتقاضى أي مقابل عن فعل خير. هنا لم يحس هوارد فقط بامتلاء البطن بل أيضا بامتلاء القلب بالعرفان والشكر، لأن هناك في بلد يتصارع فيه الجميع مثل الغيلان لجمع المال، من لديه الاستعداد لصنع المعروف حتى في أشخاص لا يعرفهم.
ولأن من جدَّ وجد، فقد نجح هوارد كيلي في دراسته وصار طبيبا، ثم لمع اسمه وصار شريكا في عيادة طبية مرموقة، الى جانب عمله محاضرا في الجامعات. وذات يوم كان يمر على المرضى الداخليين، عندما توقف عند امرأة كان ملفها يقول بأن حالتها الصحية حرجة للغاية، وقلّب هوارد الملف ولفت انتباهه انها من نفس البلدة الصغيرة (كامدن) التي ينتمي اليها، وتبادل معها الحديث حول البلدة ومواقع البيوت وأماكن اللعب التي كان الصغار يرتادونها. صار هوارد يولي المريضة اهتماما خاصا واستقدم زملاء له أطول منه باعا في مجال مرضها ليشخصوا حالتها توطئة لتقديم العلاج لها.. وفور أن بدأت السيدة تحس بتحسن حالتها الصحية طلبت من الطبيب ان يسمح لها بمغادرة المستشفى على ان تعود اليه يوميا لمتابعة العلاج تفاديا لتراكم «الفواتير» عليها! غير ان الدكتور هوارد كيلي أبلغها ان حالتها تستوجب المتابعة الدقيقة ساعة بساعة. وبعد نحو شهر شفيت السيدة تماما، وأسعدها كثيرا ان الجماعة في قسم الحسابات أبلغوها بأنهم سيسمحون لها بسداد فاتورة العلاج بالتقسيط المريح، وبينما هي تنتظر تسليمها الجدول الزمني للسداد أتاها موظف وقدم لها فاتورة طويلة وعريضة: 500 دولار هنا، و2000 دولار هناك، و12 ألف دولار مقابل كذا وكذا. وأحست بان الأرض تميد تحتها. واستجمعت شجاعتها لتلقي نظرة على إجمالي المبلغ المطلوب في آخر الفاتورة، لتكتشف انها مطالبة بنحو 40 ألف دولار، ولكن لفت انتباهها ختم بارز يفيد بأن المبلغ مدفوع بالكامل.. وإلى جانبه وبخط اليد «تم سداد قيمة الفاتورة بكوب من اللبن.. التوقيع د. هوارد كيلي».
هناك بيت من الشعر أعلقه على الدوام قلادة في عنقي، وأهديها إليكم لتتزينوا بها: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه / لا يذهب العرف بين الله والناس.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك