زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
جعفر أسمر ويفتخر
زرت بريطانيا عديد المرات، وعشت فيها بضع سنوات متصلة بفارق زمني طويل نسبيا بين فترتين، وكنت قاب قوسين من الحصول على جواز سفر بريطاني، فقد كان مطلوبا مني البقاء فيها سنة إضافية لأحصل على حق الإقامة الدائمة فيها، ما يعطيني كل حقوق المواطنة وبعدها يأتي جواز السفر و«الجنسية»، وكشخص ينتمي الى دولة فقيرة كان جواز السفر المحروس بأسود الامبراطورية سيكفل لي قدرا كبيرا من الاحترام والهيبة في الدول العربية، وكانت اكثر من صحيفة عربية قد عرضت علي أنa أدير مكتبها في لندن بعد تركي العمل قسرا في بي بي سي، ولكن الإقامة المفتوحة في بلد مثل بريطانيا لم تكن واردة في عقلي ودماغي، فأنا مبرمج كإنسان شرقي يريد ان يزور وأن يُزار. استمتع بتلقي وإلقاء التحية من وعلى الجيران، وأعشق هيصة العيد وأجواء رمضان. ولن أنسى أبدا يوم دخل علينا عيد الفطر في لندن وملأت زوجتي صالة الاستقبال بالكعك والحلوى ثم جلست تبكي. مرت 24 ساعة من دون ان يدخل بيتنا أحد مهنئا.
عشت في بيت ما في شمال لندن 18 شهرا من دون ان اعرف اسم أي من الجيران، بل إن أحدهم شكا من أن عادم/ شكمان سيارتي يصدر دخانا كثيفا كلما أدرت محركها.. قلت له ان السيارة اجتازت الفحص الفني وأنها «مرخصة»، فرد بقوله: إن ذلك لا يعني ان الدخان الذي يصدر من عادمها قليل، ولا يسبب تلوثا للبيئة، فقلت له: يا مستر أنتم لوثتم كوكب الارض بأكمله، وحان الآن موعد الثأر وسأحاول قدر المستطاع تلويث بيئتكم بادئا ببيتك. وبعدها لم أر «خلقته». طبعا لا يخلو بيت في مدينة عربية من جار مزعج او جلف، ولكننا قد نصبر على مثل هذا الجار او نكلمه بالحسنى كي يراعي حقوق الجوار. قبل ايام قليلة اعتقلت الشرطة المصرية رجلا قتل زوجته، وكانت جريرتها أنها ألقت بالقمامة داخل بيت الجيران ثم دخلت معهم في «فاصل ردح وشتائم»، وغضب الزوج لفعلتها تلك وقال لها إنها «عملة» غير لائقة، وأنه يجدر بها الاعتذار للجيران وليس كيل السباب لهم، فركبت رأسها فهوى على رأسها بآلة حادة فماتت. بالتأكيد أقدم الزوج على جريمة نكراء، ولكنه وبالتأكيد أيضا كان يريد من زوجته ان تحفظ حقوق الجوار وفي مثله يقال: جاء يكحلها.. عماها.
لم أخجل قط طوال حياتي من سمرة بشرتي، ولكن كان يحز في نفسي أن بعض البريطانيين كانوا ينظرون إلى وكأنني مصاب بمرض جلدي. والبريطانيون مهذبون جدا ولا يبوح معظمهم بأفكاره العنصرية الاستعلائية، ولكنها تلمسها في إيماءات غير مباشرة.. قد يفضل عجوز مكعكع الوقوف على قدميه في قطار إذا كان الكرسي الوحيد الخالي هو المجاور لشخص من الصنف الجعفري. في ساعة غير متأخرة من ليل في عام 1996، استوقفتني دورية شرطة وبتهذيب متكلف أبلغوني أنهم يريدون تفتيش سيارتي، فسألتهم عن سبب اشتباههم بي فقالوا: إن هناك معلومات بأن الجيش الجمهوري الإيرلندي بصدد القيام بعمليات في لندن، فقلت لهم: طبعا واضح من بشرتي وشكلي أنني إيرلندي متطرف. همهم كبيرهم بكلام غير مفهوم، وبدلا من ان انزل من السيارة وافتح صندوقها الخلفي اخرجت بطاقة بي بي سي الصحفية من جيبي وقدمتها لهم، فانهالت عليّ الاعتذارات، فقلت لهم: أنتم تعتذرون لبي بي سي وليس لشخصي، وكنتم تعلمون انني لست ايرلنديا متطرفا او معتدلا بل شخصا اسود وبالتالي رجحتم أن تجدوا عندي مخدرات او سلاحا غير مرخص.. كرروا الاعتذار ونفوا بشدة «اتهاماتي» لهم تلك، ولكنني واصلت الردح: ثوار ايرلندا بيض.. وهتلر أبيض والمافيا التي تسيطر على تجارة المخدرات في العالم بيضاء... وغاندي الأسمر هزمكم مسلحا بعصا لم يضطر الى أن يستخدمها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك