العدد : ١٧٦٦٨ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٨ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

جعفر أسمر ويفتخر

زرت‭ ‬بريطانيا‭ ‬عديد‭ ‬المرات،‭ ‬وعشت‭ ‬فيها‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬متصلة‭ ‬بفارق‭ ‬زمني‭ ‬طويل‭ ‬نسبيا‭ ‬بين‭ ‬فترتين،‭ ‬وكنت‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬جواز‭ ‬سفر‭ ‬بريطاني،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬مطلوبا‭ ‬مني‭ ‬البقاء‭ ‬فيها‭ ‬سنة‭ ‬إضافية‭ ‬لأحصل‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬الإقامة‭ ‬الدائمة‭ ‬فيها،‭ ‬ما‭ ‬يعطيني‭ ‬كل‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنة‭ ‬وبعدها‭ ‬يأتي‭ ‬جواز‭ ‬السفر‭ ‬و«الجنسية‮»‬،‭ ‬وكشخص‭ ‬ينتمي‭ ‬الى‭ ‬دولة‭ ‬فقيرة‭ ‬كان‭ ‬جواز‭ ‬السفر‭ ‬المحروس‭ ‬بأسود‭ ‬الامبراطورية‭ ‬سيكفل‭ ‬لي‭ ‬قدرا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬والهيبة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وكانت‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬عربية‭ ‬قد‭ ‬عرضت‭ ‬علي‭ ‬أنa‭ ‬أدير‭ ‬مكتبها‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬بعد‭ ‬تركي‭ ‬العمل‭ ‬قسرا‭ ‬في‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬ولكن‭ ‬الإقامة‭ ‬المفتوحة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬مثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬واردة‭ ‬في‭ ‬عقلي‭ ‬ودماغي،‭ ‬فأنا‭ ‬مبرمج‭ ‬كإنسان‭ ‬شرقي‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يزور‭ ‬وأن‭ ‬يُزار‭. ‬استمتع‭ ‬بتلقي‭ ‬وإلقاء‭ ‬التحية‭ ‬من‭ ‬وعلى‭ ‬الجيران،‭ ‬وأعشق‭ ‬هيصة‭ ‬العيد‭ ‬وأجواء‭ ‬رمضان‭. ‬ولن‭ ‬أنسى‭ ‬أبدا‭ ‬يوم‭ ‬دخل‭ ‬علينا‭ ‬عيد‭ ‬الفطر‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬وملأت‭ ‬زوجتي‭ ‬صالة‭ ‬الاستقبال‭ ‬بالكعك‭ ‬والحلوى‭ ‬ثم‭ ‬جلست‭ ‬تبكي‭. ‬مرت‭ ‬24‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يدخل‭ ‬بيتنا‭ ‬أحد‭ ‬مهنئا‭.‬

عشت‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬لندن‭ ‬18‭ ‬شهرا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬اعرف‭ ‬اسم‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الجيران،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أحدهم‭ ‬شكا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬عادم‭/ ‬شكمان‭ ‬سيارتي‭ ‬يصدر‭ ‬دخانا‭ ‬كثيفا‭ ‬كلما‭ ‬أدرت‭ ‬محركها‭.. ‬قلت‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬السيارة‭ ‬اجتازت‭ ‬الفحص‭ ‬الفني‭ ‬وأنها‭ ‬‮«‬مرخصة‮»‬،‭ ‬فرد‭ ‬بقوله‭: ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬الدخان‭ ‬الذي‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬عادمها‭ ‬قليل،‭ ‬ولا‭ ‬يسبب‭ ‬تلوثا‭ ‬للبيئة،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭: ‬يا‭ ‬مستر‭ ‬أنتم‭ ‬لوثتم‭ ‬كوكب‭ ‬الارض‭ ‬بأكمله،‭ ‬وحان‭ ‬الآن‭ ‬موعد‭ ‬الثأر‭ ‬وسأحاول‭ ‬قدر‭ ‬المستطاع‭ ‬تلويث‭ ‬بيئتكم‭ ‬بادئا‭ ‬ببيتك‭. ‬وبعدها‭ ‬لم‭ ‬أر‭ ‬‮«‬خلقته‮»‬‭. ‬طبعا‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬جار‭ ‬مزعج‭ ‬او‭ ‬جلف،‭ ‬ولكننا‭ ‬قد‭ ‬نصبر‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الجار‭ ‬او‭ ‬نكلمه‭ ‬بالحسنى‭ ‬كي‭ ‬يراعي‭ ‬حقوق‭ ‬الجوار‭. ‬قبل‭ ‬ايام‭ ‬قليلة‭ ‬اعتقلت‭ ‬الشرطة‭ ‬المصرية‭ ‬رجلا‭ ‬قتل‭ ‬زوجته،‭ ‬وكانت‭ ‬جريرتها‭ ‬أنها‭ ‬ألقت‭ ‬بالقمامة‭ ‬داخل‭ ‬بيت‭ ‬الجيران‭ ‬ثم‭ ‬دخلت‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬فاصل‭ ‬ردح‭ ‬وشتائم‮»‬،‭ ‬وغضب‭ ‬الزوج‭ ‬لفعلتها‭ ‬تلك‭ ‬وقال‭ ‬لها‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬عملة‮»‬‭ ‬غير‭ ‬لائقة،‭ ‬وأنه‭ ‬يجدر‭ ‬بها‭ ‬الاعتذار‭ ‬للجيران‭ ‬وليس‭ ‬كيل‭ ‬السباب‭ ‬لهم،‭ ‬فركبت‭ ‬رأسها‭ ‬فهوى‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬بآلة‭ ‬حادة‭ ‬فماتت‭. ‬بالتأكيد‭ ‬أقدم‭ ‬الزوج‭ ‬على‭ ‬جريمة‭ ‬نكراء،‭ ‬ولكنه‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬أيضا‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬ان‭ ‬تحفظ‭ ‬حقوق‭ ‬الجوار‭ ‬وفي‭ ‬مثله‭ ‬يقال‭: ‬جاء‭ ‬يكحلها‭.. ‬عماها‭.‬

لم‭ ‬أخجل‭ ‬قط‭ ‬طوال‭ ‬حياتي‭ ‬من‭ ‬سمرة‭ ‬بشرتي،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬يحز‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬البريطانيين‭ ‬كانوا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬وكأنني‭ ‬مصاب‭ ‬بمرض‭ ‬جلدي‭. ‬والبريطانيون‭ ‬مهذبون‭ ‬جدا‭ ‬ولا‭ ‬يبوح‭ ‬معظمهم‭ ‬بأفكاره‭ ‬العنصرية‭ ‬الاستعلائية،‭ ‬ولكنها‭ ‬تلمسها‭ ‬في‭ ‬إيماءات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭.. ‬قد‭ ‬يفضل‭ ‬عجوز‭ ‬مكعكع‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬قدميه‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الكرسي‭ ‬الوحيد‭ ‬الخالي‭ ‬هو‭ ‬المجاور‭ ‬لشخص‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬الجعفري‭. ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬غير‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬ليل‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬استوقفتني‭ ‬دورية‭ ‬شرطة‭ ‬وبتهذيب‭ ‬متكلف‭ ‬أبلغوني‭ ‬أنهم‭ ‬يريدون‭ ‬تفتيش‭ ‬سيارتي،‭ ‬فسألتهم‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬اشتباههم‭ ‬بي‭ ‬فقالوا‭: ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬معلومات‭ ‬بأن‭ ‬الجيش‭ ‬الجمهوري‭ ‬الإيرلندي‭ ‬بصدد‭ ‬القيام‭ ‬بعمليات‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬فقلت‭ ‬لهم‭: ‬طبعا‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬بشرتي‭ ‬وشكلي‭ ‬أنني‭ ‬إيرلندي‭ ‬متطرف‭. ‬همهم‭ ‬كبيرهم‭ ‬بكلام‭ ‬غير‭ ‬مفهوم،‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬انزل‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬وافتح‭ ‬صندوقها‭ ‬الخلفي‭ ‬اخرجت‭ ‬بطاقة‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬الصحفية‭ ‬من‭ ‬جيبي‭ ‬وقدمتها‭ ‬لهم،‭ ‬فانهالت‭ ‬عليّ‭ ‬الاعتذارات،‭ ‬فقلت‭ ‬لهم‭: ‬أنتم‭ ‬تعتذرون‭ ‬لبي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬وليس‭ ‬لشخصي،‭ ‬وكنتم‭ ‬تعلمون‭ ‬انني‭ ‬لست‭ ‬ايرلنديا‭ ‬متطرفا‭ ‬او‭ ‬معتدلا‭ ‬بل‭ ‬شخصا‭ ‬اسود‭ ‬وبالتالي‭ ‬رجحتم‭ ‬أن‭ ‬تجدوا‭ ‬عندي‭ ‬مخدرات‭ ‬او‭ ‬سلاحا‭ ‬غير‭ ‬مرخص‭.. ‬كرروا‭ ‬الاعتذار‭ ‬ونفوا‭ ‬بشدة‭ ‬‮«‬اتهاماتي‮»‬‭ ‬لهم‭ ‬تلك،‭ ‬ولكنني‭ ‬واصلت‭ ‬الردح‭: ‬ثوار‭ ‬ايرلندا‭ ‬بيض‭.. ‬وهتلر‭ ‬أبيض‭ ‬والمافيا‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬تجارة‭ ‬المخدرات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بيضاء‭... ‬وغاندي‭ ‬الأسمر‭ ‬هزمكم‭ ‬مسلحا‭ ‬بعصا‭ ‬لم‭ ‬يضطر‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يستخدمها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا