العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن الطعام وعم كرفاس

يأخذ‭ ‬علينا‭ ‬بعض‭ ‬المستغربين‭ (‬أي‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬بيننا‭ ‬بعقليات‭ ‬غربية‭)‬،‭ ‬ان‭ ‬احتفالاتنا‭ ‬كلها‭ ‬تكون‭ ‬بالطعام‭. (‬نقطة‭ ‬نظام‭: ‬فرغم‭ ‬أنني‭ ‬نلت‭ ‬تعليما‭ ‬غربي‭ ‬المحتوى‭ ‬من‭ ‬الألف‭ ‬الى‭ ‬الهاء‭ - ‬وكان‭ ‬الاستثناء‭ ‬مادتي‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والتربية‭ ‬الإسلامية‭ - ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬اعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬مستشرقا،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أنني‭ ‬نوبي‭ ‬أعجمي،‭ ‬هام‭ ‬بحب‭ ‬العرب‭ ‬ولغتهم،‭ ‬ويسعى‭ ‬الى‭ ‬تجويدها‭ ‬وبهذا‭ ‬يكون‭ ‬ابو‭ ‬الجعافر‭ ‬اول‭ ‬مستشرق‭ ‬أسمر،‭ ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬بالاعتراف‭ ‬والتقدير‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب،‭ ‬لأن‭ ‬المستشرق‭ ‬والخبير‭ ‬لازما‭ ‬وحتما‭ ‬يكون‭ ‬أبيض‭!!!). ‬طيب‭ ‬ما‭ ‬البأس‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬نحتفل‭ ‬بالإدام‭ ‬والطعام؟‭ ‬ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬أهل‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الكريسماس‭ ‬سوى‭ ‬الإعداد‭ ‬لطبخ‭ ‬ثم‭ ‬أكل‭ ‬الديوك‭ ‬الرومية‭ ‬المثلجة‭ ‬التي‭ ‬طعمها‭ ‬مثل‭ ‬الخس،‭ ‬أي‭ ‬بلا‭ ‬طعم‭ ‬او‭ ‬نكهة؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬ال‭ ‬Boxing‭ ‬Day‭  ‬الذي‭ ‬يلي‭ ‬ليلة‭ ‬الكريسماس؟‭ ‬أليس‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬تعليب‭ ‬الأطعمة‭ ‬البائتة‭ ‬لتوزيعها‭ ‬على‭ ‬المحتاجين؟‭ ‬ثم‭ ‬أليس‭ ‬الكريسماس‭ ‬نفسه‭ ‬طقس‭ ‬أوروبي‭ ‬وثني‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬أصلا‭ ‬احتفالا‭ ‬بالحصاد‭ ‬وليلة‭ ‬للشبع‭ ‬تحسبا‭ ‬لليالي‭ ‬الشتاء‭ ‬الطويلة‭ ‬عندما‭ ‬يجف‭ ‬الزرع‭ ‬والضرع‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تغطي‭ ‬الثلوج‭ ‬الأرض؟

أقول‭ ‬ملء‭ ‬فمي‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يعجبني‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬هو‭ ‬موائده‭ ‬الممتدة‭ ‬زمنيا‭ ‬حيث‭ ‬تبقى‭ ‬العائلة‭ ‬حول‭ ‬المائدة‭ ‬وقتا‭ ‬طويلا‭ ‬تتناول‭ ‬طيب‭ ‬الرزق،‭ ‬ففي‭ ‬رمضان‭ ‬وحده‭ ‬تكون‭ ‬موائدنا‭ ‬متوازنة‭ ‬المحتوى‭ ‬الغذائي‭ ‬فهناك‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬والخبز‭ ‬والأرز‭ ‬واللحم‭ ‬والبليلة‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭ ‬او‭ ‬البقول‭ ‬المسلوقة‭ ‬مضافا‭ ‬اليها‭ ‬الملح‭ ‬وبعض‭ ‬البهار،‭ ‬ويسمي‭ ‬اهل‭ ‬الخليج‭ ‬بليلة‭ ‬الحمص‭ ‬‮«‬النخي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬من‭ ‬فصيلة‭ ‬البلاليط‭ ‬وهي‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬يطلقونها‭ ‬على‭ ‬الشعيرية‭ ‬بالبيض‭!! ‬كيف‭ ‬يطلقون‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬يدخل‭ ‬جوف‭ ‬الإنسان‭ ‬كلمة‭ ‬تنتهي‭ ‬بـ«خِي‮»‬؟‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬يسمون‭ ‬الحمص‭ ‬كَبْكَبي،‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬أكثر‭ ‬قبحا‭ ‬من‭ ‬النخي،‭ ‬وأصل‭ ‬الكلمة‭ ‬نوبي‭ ‬يعني‭ ‬التهافت‭ ‬والتكالب‭ ‬على‭ ‬الشي،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الحمص‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬أجدادي‭ ‬النوبيين‭ ‬القدماء،‭ ‬طعاما‭ ‬تهفو‭ ‬إليه‭ ‬النفوس‭! ‬وتتكالب‭ ‬عليه‭ ‬الأيدي‭!! ‬وتذكروا‭ ‬أن‭ ‬أجدادي‭ ‬أولئك‭ ‬كانوا‭ ‬يعتبرون‭ ‬النحاس‭ ‬أعلى‭ ‬شأنا‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬فيتخذونه‭ ‬زينة،‭ ‬ويصنعون‭ ‬الأواني‭ ‬المنزلية‭ ‬من‭ ‬الذهب،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جر‭ ‬علينا‭ ‬الويلات‭ ‬والغزوات‭.‬

وطالما‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النوبة‭ ‬والطعام،‭ ‬فلابد‭ ‬ان‭ ‬أحدثكم‭ ‬عن‭ ‬مطعم‭ ‬كرفاس‭ ‬بمدينة‭ ‬سنكات‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬السودان،‭ ‬وهي‭ ‬حكاية‭ ‬أتمنى‭ ‬ان‭ ‬تجعلك‭ ‬مثلي‭ ‬من‭ ‬المعجبين‭ ‬بشخصية‭ ‬العم‭ ‬كرفاس،‭ ‬وكان‭ ‬يملك‭ ‬مطعما‭ ‬في‭ ‬سواكن‭ ‬ويبيع‭ ‬الأكل‭ ‬بمزاجه،‭ ‬يعني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬زبائنه‭ ‬السؤال‭ ‬عما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬او‭ ‬معروض،‭ ‬لان‭ ‬كرفاس‭ ‬كان‭ ‬يحدد‭ ‬بنفسه‭ ‬ما‭ ‬يأكله‭ ‬كل‭ ‬زبون،‭ ‬فإذا‭ ‬كنت‭ ‬مبهدلا‭ ‬فليس‭ ‬لك‭ ‬سوى‭ ‬الفول‭ ‬والفاصوليا‭ ‬وما‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مولدات‭ ‬الغازات‭ ‬ومبيدات‭ ‬لأوزون،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬ذا‭ ‬أناقة‭ ‬وقيافة‭ ‬وكشخة‭ ‬فلك‭ ‬الكبد‭ ‬واللحوم‭ ‬الطرية،‭ ‬وإذا‭ ‬خصك‭ ‬كرفاس‭ ‬بطعام‭ ‬طيب‭ ‬ثم‭ ‬اكتشف‭ ‬انك‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬أكلت‭ ‬فإن‭ ‬المسألة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬‮«‬تفرِق‮»‬‭ ‬معه،‭ ‬فطالما‭ ‬أنت‭ ‬نظيف‭ ‬المظهر‭ ‬والملبس‭ ‬حلال‭ ‬عليك‭ ‬ما‭ ‬أكلته‭ ‬بدون‭ ‬مقابل،‭ ‬وبنفس‭ ‬القدر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يهمه‭ ‬ان‭ ‬يغضب‭ ‬زبون‭ ‬لأنه‭ ‬فرض‭ ‬عليه‭ ‬لونا‭ ‬معينا‭ ‬من‭ ‬الطعام،‭ ‬ويأمره‭ ‬بالانصراف‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يدفع‭ ‬ما‭ ‬عليه‭!! ‬وكانت‭ ‬غايته‭ ‬اكتساب‭ ‬زبائن‭ ‬يتسمون‭ ‬بـ«الرقي‮»‬،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬المألوف‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المطعم‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬كرفاس‭ ‬لزبون‭ ‬متسخ‭ ‬الملابس‭: ‬شطبنا‭.. ‬وتعني‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬المطاعم‭ ‬أن‭ ‬الطعام‭ ‬نفد‭.. ‬مفيش‭.. ‬بح،‭ ‬ولو‭ ‬رق‭ ‬قلبه‭ ‬لمثل‭ ‬ذلك‭ ‬الزبون‭ ‬كان‭ ‬يأتيه‭ ‬بعدس‭ ‬فقط،‭ ‬ويقال‭ ‬إن‭ ‬كرفاس‭ ‬ظل‭ ‬يعامل‭ ‬شابا‭ ‬معينا‭ ‬معاملة‭ ‬طعامية‭ ‬خاصة،‭ ‬ويقدم‭ ‬له‭ ‬أطايب‭ ‬الطعام،‭ ‬ولا‭ ‬يسأله‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يدفع‭ ‬قيمته،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬حسن‭ ‬الملبس‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬رآه‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬مرتديا‭ ‬الزي‭ ‬العمالي‭ ‬فصاح‭: ‬يا‭ ‬خسارة‭ ‬يا‭ ‬كبدة‭. ‬ويا‭ ‬خسارة‭ ‬يا‭ ‬لحم‭ ‬ويا‭ ‬كلاوي‭. ‬ومنذ‭ ‬يومها‭ ‬أصبح‭ ‬صاحبنا‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الفول‭ ‬والفاصوليا‭! ‬وبالمناسبة‭ ‬فإن‭ ‬علماء‭ ‬الإدارة‭ ‬يقولون‭ ‬ان‭ ‬الموظف‭ ‬المهندم‭ ‬وحسن‭ ‬المظهر‭ ‬ينال‭ ‬ترقية‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬زميله‭ ‬الكفء‭ ‬المبهدل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا