زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الرولز رويس من السودان إلى لبنان (1)
ما يؤكد أنني سي. دي (CD) أي «سيدي»، اللقب الذي يُضْفي على القادرين توزيع البركات واتيان الخوارق، من دون الحاجة الى تكهنات ماغي فرح التي تقرأ الطوالع والنوازل مع بداية كل عام، وتحظى تخاريفها بشعبية عالية، هو أنني نبهت العديد من الدول التي يلازمها النحس بسبب أسمائها، الى ضرورة البحث عن أسماء بديلة. وانظر يا رعاك الله الى الدول التي تنتهي أسماؤها بالألف الممدودة متبوعة بالنون (ان): أفغانستان والسودان والشيشان وكازخستان وتركمانستان ولبنان وباكستان وغرغيستان وأوزبكستان واليونان. فالقاسم المشترك بينها هو اضطراب الأحوال: خلل اقتصادي وتحارب داخلي وحكومات مخلخلة.
في فصل الصيف، تكثر العروض والحوافز المغرية للمستهلكين: سيارات، ومئات الآلاف كاش، وتستطيع في عموم دول الخليج أن تشتري وقوداً لسيارتك من إحدى المحطات مرة واحدة لتتلقى بعد كذا يوم اتصالاً هاتفياً بأنك فزت بسيارة جديدة، واتسعت معمعة الحوافز، ودخلت فيها المطاعم والمجمعات الاستهلاكية، ولأنني متيم بحب أبي الطيب المتنبي فإنني أعمل بمقولته: إذا غامرت في شرف مروم / فلا تقنع بما دون النجوم. ويفسر هذا سر تعلقي بـ«النجمة» نبيلة عبيد والسيارات الفارهة ولكن من زاوية: إني امرؤ مولع بالحسن اتبعه / لاحظ لي منه إلا لذة النظر. وقوله أيضا: وإذا كانت النفوس كباراً / تعبت في مرادها الأجسام. وإذا خيل إليك عزيزي القارئ أنني ضعيف أمام أي عرض من أعراض الدنيا، فأنت غلطان، ثم غلطان فالشاعر الذي استطاع أن يعبر عن دخيلتي هو محمود سامي البارودي: خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة / علي يدا أغضي لها حين يغضب/ وما أنا ممن تأسر الخمر لُبَّه / ويأسِر سمعيه اليراع المثقب / ولكن أخو همة إذا ما ترجحت / به سورة نحو العلا راح يدأب. والعلا الذي دأبت عليه هذه المرة يستأهل. فما أن أعلن مطعم في الدوحة حيث أقيم تقديم جائزة سيارة رولز رويس، لمن يقتني كوبونات نظير تناول الطعام هناك، حتى قلت لنفسي: هانت يا أبو الجعافر تأكل من حر مالك ثم يأتونك ذات يوم ليقولوا لك مبروك وتلتقط لك الصحف صورة مع الرولز وتتحقق أحلامك. وكم كانت دهشة عيالي عظيمة عندما وجدوا أنفسهم يتناولون ثلاث مرات يومياً وجبات كنت فيما مضى أنهاهم عنها، ولكن وكإعلامي عربي أصيل تمرس في إلباس الباطل ثياب الحق فقد أقنعتهم بأن إكمال الخريطة الجينية لابن آدم أثبت أن الكوليسترول والدهون مفيدة للقلب والشرايين، خاصة إذا تم تناولها بكميات تجارية، ويا حبذا لو كانت «التحلية» بزيوت السيارات. حتى أصدقائي الذين كانوا نزلاء المستشفيات كنت أشتري لهم وجبات سريعة من مطعم الرولز رويس لأحصل على عدد أكبر من الكوبونات. عاتبني كثيرون على هيامي بتلك السيارة، فشطبتهم من قائمة معارفي وأصدقائي: يا جماعة تسنى لي بعد خمس سنوات من دخولي الحياة العملية اقتناء سيارة كان مجرد الجلوس بداخلها ينقض الوضوء، وأتيت إلى الخليج فأصبحت زبوناً مقيماً في أسواق الحراج، حيث تباع السيارات المستعملة، ثم فتحها الله عليّ واستطعت لاحقاً أن أشتري سيارة لم تلوثها مؤخرة آدمي قبلي من وكيلها المعتمد، وقد حدثتكم من قبل عن ذلك الحدث الجلل الذي اهتز له البرق عندما أقامت الجاليات النوبية في أركان الدنيا الأربعة المهرجانات احتفالاً بـ«تبرجز» أحد أخلص أبنائها، ولن أنسى فرحة أمي ولا الغرور الذي ركبها عندما تسلمت صورة فوتوغرافية لي وأنا جالس خلف مقود السيارة الجديدة قبل نزع البلاستيك عن مقاعدها، وبلغ بها الزهو والغرور مبلغاً جعلها ترفض تناول الأكلات الشعبية السودانية والإصرار على شراء الطعام من فنادق الدرجة الأولى، ولولا أنها لا تحسن استخدام الشوكة والسكين، ولولا أنني أفهمتها بدبلوماسية بأنني لا أستطيع تمويل نزعاتها البورجوازية الجديدة وسداد أقساط السيارة في الوقت نفسه، لدخلنا أنا وهي في السجن في انتظار قيام فاعلي الخير بإقالة عثرتنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك