العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الرولز رويس من السودان إلى لبنان (1)

ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أنني‭ ‬سي‭. ‬دي‭ (‬CD‭) ‬أي‭ ‬‮«‬سيدي‮»‬،‭ ‬اللقب‭ ‬الذي‭ ‬يُضْفي‭ ‬على‭ ‬القادرين‭ ‬توزيع‭ ‬البركات‭ ‬واتيان‭ ‬الخوارق،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬الى‭ ‬تكهنات‭ ‬ماغي‭ ‬فرح‭ ‬التي‭ ‬تقرأ‭ ‬الطوالع‭ ‬والنوازل‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬وتحظى‭ ‬تخاريفها‭ ‬بشعبية‭ ‬عالية،‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬نبهت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬يلازمها‭ ‬النحس‭ ‬بسبب‭ ‬أسمائها،‭ ‬الى‭ ‬ضرورة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسماء‭ ‬بديلة‭. ‬وانظر‭ ‬يا‭ ‬رعاك‭ ‬الله‭ ‬الى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬أسماؤها‭ ‬بالألف‭ ‬الممدودة‭ ‬متبوعة‭ ‬بالنون‭ (‬ان‭): ‬أفغانستان‭ ‬والسودان‭ ‬والشيشان‭ ‬وكازخستان‭ ‬وتركمانستان‭ ‬ولبنان‭ ‬وباكستان‭ ‬وغرغيستان‭ ‬وأوزبكستان‭ ‬واليونان‭. ‬فالقاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينها‭ ‬هو‭ ‬اضطراب‭ ‬الأحوال‭: ‬خلل‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتحارب‭ ‬داخلي‭ ‬وحكومات‭ ‬مخلخلة‭.‬

في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬تكثر‭ ‬العروض‭ ‬والحوافز‭ ‬المغرية‭ ‬للمستهلكين‭: ‬سيارات،‭ ‬ومئات‭ ‬الآلاف‭ ‬كاش،‭ ‬وتستطيع‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬وقوداً‭ ‬لسيارتك‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬المحطات‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬لتتلقى‭ ‬بعد‭ ‬كذا‭ ‬يوم‭ ‬اتصالاً‭ ‬هاتفياً‭ ‬بأنك‭ ‬فزت‭ ‬بسيارة‭ ‬جديدة،‭ ‬واتسعت‭ ‬معمعة‭ ‬الحوافز،‭ ‬ودخلت‭ ‬فيها‭ ‬المطاعم‭ ‬والمجمعات‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬ولأنني‭ ‬متيم‭ ‬بحب‭ ‬أبي‭ ‬الطيب‭ ‬المتنبي‭ ‬فإنني‭ ‬أعمل‭ ‬بمقولته‭: ‬إذا‭ ‬غامرت‭ ‬في‭ ‬شرف‭ ‬مروم‭ / ‬فلا‭ ‬تقنع‭ ‬بما‭ ‬دون‭ ‬النجوم‭. ‬ويفسر‭ ‬هذا‭ ‬سر‭ ‬تعلقي‭ ‬بـ«النجمة‮»‬‭ ‬نبيلة‭ ‬عبيد‭ ‬والسيارات‭ ‬الفارهة‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬زاوية‭: ‬إني‭ ‬امرؤ‭ ‬مولع‭ ‬بالحسن‭ ‬اتبعه‭ / ‬لاحظ‭ ‬لي‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬لذة‭ ‬النظر‭.‬‭ ‬وقوله‭ ‬أيضا‭: ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬النفوس‭ ‬كباراً‭ / ‬تعبت‭ ‬في‭ ‬مرادها‭ ‬الأجسام‭. ‬وإذا‭ ‬خيل‭ ‬إليك‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬أنني‭ ‬ضعيف‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬عرض‭ ‬من‭ ‬أعراض‭ ‬الدنيا،‭ ‬فأنت‭ ‬غلطان،‭ ‬ثم‭ ‬غلطان‭ ‬فالشاعر‭ ‬الذي‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬دخيلتي‭ ‬هو‭ ‬محمود‭ ‬سامي‭ ‬البارودي‭: ‬خلقت‭ ‬عيوفا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬لابن‭ ‬حرة‭ / ‬علي‭ ‬يدا‭ ‬أغضي‭ ‬لها‭ ‬حين‭ ‬يغضب‭/  ‬وما‭ ‬أنا‭ ‬ممن‭ ‬تأسر‭ ‬الخمر‭ ‬لُبَّه ‭/ ‬ويأسِر‭ ‬سمعيه‭ ‬اليراع‭ ‬المثقب‭ / ‬ولكن‭ ‬أخو‭ ‬همة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ترجحت‭ / ‬ به‭ ‬سورة‭ ‬نحو‭ ‬العلا‭ ‬راح‭ ‬يدأب‭.  ‬والعلا‭ ‬الذي‭ ‬دأبت‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬يستأهل‭. ‬فما‭ ‬أن‭ ‬أعلن‭ ‬مطعم‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭ ‬حيث‭ ‬أقيم‭ ‬تقديم‭ ‬جائزة‭ ‬سيارة‭ ‬رولز‭ ‬رويس،‭ ‬لمن‭ ‬يقتني‭ ‬كوبونات‭ ‬نظير‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭ ‬هناك،‭ ‬حتى‭ ‬قلت‭ ‬لنفسي‭: ‬هانت‭ ‬يا‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭ ‬تأكل‭ ‬من‭ ‬حر‭ ‬مالك‭ ‬ثم‭ ‬يأتونك‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬ليقولوا‭ ‬لك‭ ‬مبروك‭ ‬وتلتقط‭ ‬لك‭ ‬الصحف‭ ‬صورة‭ ‬مع‭ ‬الرولز‭ ‬وتتحقق‭ ‬أحلامك‭. ‬وكم‭ ‬كانت‭ ‬دهشة‭ ‬عيالي‭ ‬عظيمة‭ ‬عندما‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬يتناولون‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬يومياً‭ ‬وجبات‭ ‬كنت‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬أنهاهم‭ ‬عنها،‭ ‬ولكن‭ ‬وكإعلامي‭ ‬عربي‭ ‬أصيل‭ ‬تمرس‭ ‬في‭ ‬إلباس‭ ‬الباطل‭ ‬ثياب‭ ‬الحق‭ ‬فقد‭ ‬أقنعتهم‭ ‬بأن‭ ‬إكمال‭ ‬الخريطة‭ ‬الجينية‭ ‬لابن‭ ‬آدم‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬الكوليسترول‭ ‬والدهون‭ ‬مفيدة‭ ‬للقلب‭ ‬والشرايين،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬تناولها‭ ‬بكميات‭ ‬تجارية،‭ ‬ويا‭ ‬حبذا‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬التحلية‮»‬‭ ‬بزيوت‭ ‬السيارات‭. ‬حتى‭ ‬أصدقائي‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬نزلاء‭ ‬المستشفيات‭ ‬كنت‭ ‬أشتري‭ ‬لهم‭ ‬وجبات‭ ‬سريعة‭ ‬من‭ ‬مطعم‭ ‬الرولز‭ ‬رويس‭ ‬لأحصل‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الكوبونات‭. ‬عاتبني‭ ‬كثيرون‭ ‬على‭ ‬هيامي‭ ‬بتلك‭ ‬السيارة،‭ ‬فشطبتهم‭ ‬من‭ ‬قائمة‭ ‬معارفي‭ ‬وأصدقائي‭: ‬يا‭ ‬جماعة‭ ‬تسنى‭ ‬لي‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬دخولي‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬اقتناء‭ ‬سيارة‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬الجلوس‭ ‬بداخلها‭ ‬ينقض‭ ‬الوضوء،‭ ‬وأتيت‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬فأصبحت‭ ‬زبوناً‭ ‬مقيماً‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الحراج،‭ ‬حيث‭ ‬تباع‭ ‬السيارات‭ ‬المستعملة،‭ ‬ثم‭ ‬فتحها‭ ‬الله‭ ‬عليّ‭ ‬واستطعت‭ ‬لاحقاً‭ ‬أن‭ ‬أشتري‭ ‬سيارة‭ ‬لم‭ ‬تلوثها‭ ‬مؤخرة‭ ‬آدمي‭ ‬قبلي‭ ‬من‭ ‬وكيلها‭ ‬المعتمد،‭ ‬وقد‭ ‬حدثتكم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬الجلل‭ ‬الذي‭ ‬اهتز‭ ‬له‭ ‬البرق‭ ‬عندما‭ ‬أقامت‭ ‬الجاليات‭ ‬النوبية‭ ‬في‭ ‬أركان‭ ‬الدنيا‭ ‬الأربعة‭ ‬المهرجانات‭ ‬احتفالاً‭ ‬بـ«تبرجز‮»‬‭ ‬أحد‭ ‬أخلص‭ ‬أبنائها،‭ ‬ولن‭ ‬أنسى‭ ‬فرحة‭ ‬أمي‭ ‬ولا‭ ‬الغرور‭ ‬الذي‭ ‬ركبها‭ ‬عندما‭ ‬تسلمت‭ ‬صورة‭ ‬فوتوغرافية‭ ‬لي‭ ‬وأنا‭ ‬جالس‭ ‬خلف‭ ‬مقود‭ ‬السيارة‭ ‬الجديدة‭ ‬قبل‭ ‬نزع‭ ‬البلاستيك‭ ‬عن‭ ‬مقاعدها،‭ ‬وبلغ‭ ‬بها‭ ‬الزهو‭ ‬والغرور‭ ‬مبلغاً‭ ‬جعلها‭ ‬ترفض‭ ‬تناول‭ ‬الأكلات‭ ‬الشعبية‭ ‬السودانية‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الطعام‭ ‬من‭ ‬فنادق‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬ولولا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تحسن‭ ‬استخدام‭ ‬الشوكة‭ ‬والسكين،‭ ‬ولولا‭ ‬أنني‭ ‬أفهمتها‭ ‬بدبلوماسية‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬تمويل‭ ‬نزعاتها‭ ‬البورجوازية‭ ‬الجديدة‭ ‬وسداد‭ ‬أقساط‭ ‬السيارة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لدخلنا‭ ‬أنا‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬قيام‭ ‬فاعلي‭ ‬الخير‭ ‬بإقالة‭ ‬عثرتنا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا