زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
ما أجملها من صلعة
سبق لي أن سردت عليكم تفاصيل ما فعله ذلك الرجل السعودي النشمي الشهم النبيل، الذي التقى مصادفة في مستشفى حائل بصديق انقطعت صلته به منذ سنوات، وعلم ان الصديق يعاني من الفشل الكلوي، ولا يجد من بين الأقارب من تتطابق أنسجتُه مع أنسجتِهِ. المهم ذهب صاحبنا الى قسم المسالك البولية، وقال إنه على استعداد للتبرع بكلية لصديقه، واتضح ان تطابق الأنسجة بينهما يكاد يكون 90%، وتم نقل الصديقين الى مستشفى في الرياض حيث تمت عملية نقل الكلية بنجاح.
وهذه حكاية أبطالها بنت من أصول هندية مقيمة مع عائلتها في المملكة المتحدة، وتتألف العائلة من زوج وزوجة وتلك البنت الواحدة، وذات صباح وقبيل توجه البنت، واسمها سيندو الى المدرسة، كان عليها ان تتناول وجبة الإفطار المكونة من البيض والحليب، وكانت سيندو تكره البيض والحليب، مثل نفور أبي الجعافر من الكوسا والقرنبيط وبوتين وترامب، وتوجه الأب نحو سيندو وقال لها: عشان خاطري يا بنتي كلي البيض واشربي بعض الحليب، فيهما بروتينات وفيتامينات مهمة للنمو الصحي، والتفتت البنت نحو والدها قائلة: طيب، لو تناولت الطعام، هل تعدني بتلبية أي شيء أطلبه منك، هنا تدخلت الأم: بس إياكِ تشطحي في الطلبات وانت عارفة البئر وغطاه، وعلينا فواتير مهولة، ولكن الأب وعدها بتلبية كل ما تطلبه، وهنا قالت سيندو إنها تريد وعدا مماثلا من أمها، فقالت الأم: يا حبيبتي انت أغلى شيء عندنا ولكنك تعرفين ظروف والدك المادية فلا تشطحي في طلباتك وتقولي انك تريدين شيئا باهظ الثمن، فابتسمت الفتاة وقالت انها لن تطلب شيئا يرهق العائلة ماديا، وهكذا تعهدت الأم بدورها بتلبية طلب سيندو التي التهمت البيض وشربت كوب الحليب. ثم قالت: طلبي بسيط، فقال لها الأب: انت تأمر يا جميل، فابتسمت البنت وقالت: أريد قص شعري كليا، على الزيرو من لغاليغو. كومبليتلي. حتى تظهر فروة رأسي! فصرخت الأم: نعم، نعم يا دلعدي؟ مجنونة أنت؟ خلاص صرت مثل البنات المسترجلات اللواتي يتخلصن من شعر رؤوسهن ويثقبن شفاههن والسنتهن لوضع حلقات فيها؟.. شوفي يا بنت.. أنت هندية وستظلين هندية والشعر تاج رأسك وعليك ان تنسي موضوع «الصلعة بالحلاقة»، وإياك تحسبي نفسك خواجية. فقالت سيندو لوالديها: وعدتموني بتلبية طلبي وتعهدت لكم بألا أطلب شيئا باهظ التكلفة وها أنتم تتنصلون من وعدكم خلال دقائق. ثم: وااا وااا أهئ إهئ.. هنا أحس الأب بالحرج وانتحى بزوجته جانبا وقال لها إن البنت لن تصدق كلمة منا لو رجعنا عن وعدنا لها، وإذا كان قص الشعر رغبتها فلنحققها لها رغم عدم رضانا عن ذلك.
وهكذا اصطحب الأب سيندو الى الحلاق الذي خلصها من شعرها الجميل خلال دقائق نظير مبلغ بسيط، بينما الأب يحس بالألم كلما تهاوت خصلات شعرها الطويل الجميل أرضا. وفي اليوم التالي أوصلها الى المدرسة وتوقف عند البوابة قليلا متوجسا من أن بنته ستتعرض لضحكات الاستهجان من زميلاتها، وفجأة وقفت سيارة أخرى قرب البوابة وخرجت منها فتاة رأسها أجرد أي ذات «صلعة» ونزلت من السيارة أم تلك الفتاة وتوجهت نحو والد سيندو وقالت له: بنتك هذه رائعة، فقد امتنعت بنتي عن الحضور الى المدرسة طوال شهر بعد أن فقدت شعر رأسها نتيجة للعلاج الكيمائي الذي تتلقاه لأنها مصابة بسرطان الدم، وخشيت ان تصبح عرضة للتهكم والتريقة من زميلاتها في المدرسة، وزارتها سيندو في البيت مؤخرا وقالت لها: لا تشيلي هم التهكم والاستهجان وتعالي الى المدرسة مع بداية الأسبوع التالي وسأقدم لك مفاجأة سارة!! وها هي ابنتك قد تجردت وتخلصت من شعرها تضامنا مع بنتي الصلعاء بسبب السرطان فما أنبلكم من عائلة!! هنا اندفع الأب الهندي نحو بنته الصلعاء واحتضنها قائلا: ليتك كنت أمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك