العدد : ١٧٦١٧ - الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٧ - الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ما أجملها من صلعة

سبق‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬سردت‭ ‬عليكم‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬السعودي‭ ‬النشمي‭ ‬الشهم‭ ‬النبيل،‭ ‬الذي‭ ‬التقى‭ ‬مصادفة‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬حائل‭ ‬بصديق‭ ‬انقطعت‭ ‬صلته‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وعلم‭ ‬ان‭ ‬الصديق‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الفشل‭ ‬الكلوي،‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأقارب‭ ‬من‭ ‬تتطابق‭ ‬أنسجتُه‭ ‬مع‭ ‬أنسجتِهِ‭. ‬المهم‭ ‬ذهب‭ ‬صاحبنا‭ ‬الى‭ ‬قسم‭ ‬المسالك‭ ‬البولية،‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للتبرع‭ ‬بكلية‭ ‬لصديقه،‭ ‬واتضح‭ ‬ان‭ ‬تطابق‭ ‬الأنسجة‭ ‬بينهما‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬90‭%‬،‭ ‬وتم‭ ‬نقل‭ ‬الصديقين‭ ‬الى‭ ‬مستشفى‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬حيث‭ ‬تمت‭ ‬عملية‭ ‬نقل‭ ‬الكلية‭ ‬بنجاح‭.‬

وهذه‭ ‬حكاية‭ ‬أبطالها‭ ‬بنت‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬هندية‭ ‬مقيمة‭ ‬مع‭ ‬عائلتها‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتتألف‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬زوج‭ ‬وزوجة‭ ‬وتلك‭ ‬البنت‭ ‬الواحدة،‭ ‬وذات‭ ‬صباح‭ ‬وقبيل‭ ‬توجه‭ ‬البنت،‭ ‬واسمها‭ ‬سيندو‭ ‬الى‭ ‬المدرسة،‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬ان‭ ‬تتناول‭ ‬وجبة‭ ‬الإفطار‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬البيض‭ ‬والحليب،‭ ‬وكانت‭ ‬سيندو‭ ‬تكره‭ ‬البيض‭ ‬والحليب،‭ ‬مثل‭ ‬نفور‭ ‬أبي‭ ‬الجعافر‭ ‬من‭ ‬الكوسا‭ ‬والقرنبيط‭ ‬وبوتين‭ ‬وترامب،‭ ‬وتوجه‭ ‬الأب‭ ‬نحو‭ ‬سيندو‭ ‬وقال‭ ‬لها‭: ‬عشان‭ ‬خاطري‭ ‬يا‭ ‬بنتي‭ ‬كلي‭ ‬البيض‭ ‬واشربي‭ ‬بعض‭ ‬الحليب،‭ ‬فيهما‭ ‬بروتينات‭ ‬وفيتامينات‭ ‬مهمة‭ ‬للنمو‭ ‬الصحي،‭ ‬والتفتت‭ ‬البنت‭ ‬نحو‭ ‬والدها‭ ‬قائلة‭: ‬طيب،‭ ‬لو‭ ‬تناولت‭ ‬الطعام،‭ ‬هل‭ ‬تعدني‭ ‬بتلبية‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬أطلبه‭ ‬منك،‭ ‬هنا‭ ‬تدخلت‭ ‬الأم‭: ‬بس‭ ‬إياكِ‭ ‬تشطحي‭ ‬في‭ ‬الطلبات‭ ‬وانت‭ ‬عارفة‭ ‬البئر‭ ‬وغطاه،‭ ‬وعلينا‭ ‬فواتير‭ ‬مهولة،‭ ‬ولكن‭ ‬الأب‭ ‬وعدها‭ ‬بتلبية‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تطلبه،‭ ‬وهنا‭ ‬قالت‭ ‬سيندو‭ ‬إنها‭ ‬تريد‭ ‬وعدا‭ ‬مماثلا‭ ‬من‭ ‬أمها،‭ ‬فقالت‭ ‬الأم‭: ‬يا‭ ‬حبيبتي‭ ‬انت‭ ‬أغلى‭ ‬شيء‭ ‬عندنا‭ ‬ولكنك‭ ‬تعرفين‭ ‬ظروف‭ ‬والدك‭ ‬المادية‭ ‬فلا‭ ‬تشطحي‭ ‬في‭ ‬طلباتك‭ ‬وتقولي‭ ‬انك‭ ‬تريدين‭ ‬شيئا‭ ‬باهظ‭ ‬الثمن،‭ ‬فابتسمت‭ ‬الفتاة‭ ‬وقالت‭ ‬انها‭ ‬لن‭ ‬تطلب‭ ‬شيئا‭ ‬يرهق‭ ‬العائلة‭ ‬ماديا،‭ ‬وهكذا‭ ‬تعهدت‭ ‬الأم‭ ‬بدورها‭ ‬بتلبية‭ ‬طلب‭ ‬سيندو‭ ‬التي‭ ‬التهمت‭ ‬البيض‭ ‬وشربت‭ ‬كوب‭ ‬الحليب‭. ‬ثم‭ ‬قالت‭: ‬طلبي‭ ‬بسيط،‭ ‬فقال‭ ‬لها‭ ‬الأب‭: ‬انت‭ ‬تأمر‭ ‬يا‭ ‬جميل،‭ ‬فابتسمت‭ ‬البنت‭ ‬وقالت‭: ‬أريد‭ ‬قص‭ ‬شعري‭ ‬كليا،‭ ‬على‭ ‬الزيرو‭ ‬من‭ ‬لغاليغو‭. ‬كومبليتلي‭. ‬حتى‭ ‬تظهر‭ ‬فروة‭ ‬رأسي‭! ‬فصرخت‭ ‬الأم‭: ‬نعم،‭ ‬نعم‭ ‬يا‭ ‬دلعدي؟‭ ‬مجنونة‭ ‬أنت؟‭ ‬خلاص‭ ‬صرت‭ ‬مثل‭ ‬البنات‭ ‬المسترجلات‭ ‬اللواتي‭ ‬يتخلصن‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬رؤوسهن‭ ‬ويثقبن‭ ‬شفاههن‭ ‬والسنتهن‭ ‬لوضع‭ ‬حلقات‭ ‬فيها؟‭.. ‬شوفي‭ ‬يا‭ ‬بنت‭.. ‬أنت‭ ‬هندية‭ ‬وستظلين‭ ‬هندية‭ ‬والشعر‭ ‬تاج‭ ‬رأسك‭ ‬وعليك‭ ‬ان‭ ‬تنسي‭ ‬موضوع‭ ‬‮«‬الصلعة‭ ‬بالحلاقة‮»‬،‭ ‬وإياك‭ ‬تحسبي‭ ‬نفسك‭ ‬خواجية‭. ‬فقالت‭ ‬سيندو‭ ‬لوالديها‭: ‬وعدتموني‭ ‬بتلبية‭ ‬طلبي‭ ‬وتعهدت‭ ‬لكم‭ ‬بألا‭ ‬أطلب‭ ‬شيئا‭ ‬باهظ‭ ‬التكلفة‭ ‬وها‭ ‬أنتم‭ ‬تتنصلون‭ ‬من‭ ‬وعدكم‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭. ‬ثم‭: ‬وااا‭ ‬وااا‭ ‬أهئ‭ ‬إهئ‭.. ‬هنا‭ ‬أحس‭ ‬الأب‭ ‬بالحرج‭ ‬وانتحى‭ ‬بزوجته‭ ‬جانبا‭ ‬وقال‭ ‬لها‭ ‬إن‭ ‬البنت‭ ‬لن‭ ‬تصدق‭ ‬كلمة‭ ‬منا‭ ‬لو‭ ‬رجعنا‭ ‬عن‭ ‬وعدنا‭ ‬لها،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬قص‭ ‬الشعر‭ ‬رغبتها‭ ‬فلنحققها‭ ‬لها‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬رضانا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭.‬

وهكذا‭ ‬اصطحب‭ ‬الأب‭ ‬سيندو‭ ‬الى‭ ‬الحلاق‭ ‬الذي‭ ‬خلصها‭ ‬من‭ ‬شعرها‭ ‬الجميل‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭ ‬نظير‭ ‬مبلغ‭ ‬بسيط،‭ ‬بينما‭ ‬الأب‭ ‬يحس‭ ‬بالألم‭ ‬كلما‭ ‬تهاوت‭ ‬خصلات‭ ‬شعرها‭ ‬الطويل‭ ‬الجميل‭ ‬أرضا‭. ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬أوصلها‭ ‬الى‭ ‬المدرسة‭ ‬وتوقف‭ ‬عند‭ ‬البوابة‭ ‬قليلا‭ ‬متوجسا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬بنته‭ ‬ستتعرض‭ ‬لضحكات‭ ‬الاستهجان‭ ‬من‭ ‬زميلاتها،‭ ‬وفجأة‭ ‬وقفت‭ ‬سيارة‭ ‬أخرى‭ ‬قرب‭ ‬البوابة‭ ‬وخرجت‭ ‬منها‭ ‬فتاة‭ ‬رأسها‭ ‬أجرد‭ ‬أي‭  ‬ذات‭ ‬‮«‬صلعة‮»‬‭ ‬ونزلت‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬أم‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬وتوجهت‭ ‬نحو‭ ‬والد‭ ‬سيندو‭ ‬وقالت‭ ‬له‭: ‬بنتك‭ ‬هذه‭ ‬رائعة،‭ ‬فقد‭ ‬امتنعت‭ ‬بنتي‭ ‬عن‭ ‬الحضور‭ ‬الى‭ ‬المدرسة‭ ‬طوال‭ ‬شهر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬شعر‭ ‬رأسها‭ ‬نتيجة‭ ‬للعلاج‭ ‬الكيمائي‭ ‬الذي‭ ‬تتلقاه‭ ‬لأنها‭ ‬مصابة‭ ‬بسرطان‭ ‬الدم،‭ ‬وخشيت‭ ‬ان‭ ‬تصبح‭ ‬عرضة‭ ‬للتهكم‭ ‬والتريقة‭ ‬من‭ ‬زميلاتها‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬وزارتها‭ ‬سيندو‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬مؤخرا‭ ‬وقالت‭ ‬لها‭: ‬لا‭ ‬تشيلي‭ ‬هم‭ ‬التهكم‭ ‬والاستهجان‭ ‬وتعالي‭ ‬الى‭ ‬المدرسة‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬الأسبوع‭ ‬التالي‭ ‬وسأقدم‭ ‬لك‭ ‬مفاجأة‭ ‬سارة‭!! ‬وها‭ ‬هي‭ ‬ابنتك‭ ‬قد‭ ‬تجردت‭ ‬وتخلصت‭ ‬من‭ ‬شعرها‭ ‬تضامنا‭ ‬مع‭ ‬بنتي‭ ‬الصلعاء‭ ‬بسبب‭ ‬السرطان‭ ‬فما‭ ‬أنبلكم‭ ‬من‭ ‬عائلة‭!! ‬هنا‭ ‬اندفع‭ ‬الأب‭ ‬الهندي‭ ‬نحو‭ ‬بنته‭ ‬الصلعاء‭ ‬واحتضنها‭ ‬قائلا‭: ‬ليتك‭ ‬كنت‭ ‬أمي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا