العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الرولز رويس من السودان إلى لبنان (2)

ظللت‭ ‬أحلم‭ ‬بالفوز‭ ‬بالرولز‭ ‬رويس،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طرحها‭ ‬مطعم‭ ‬للوجبات‭ ‬السريعة‭ ‬كجائزة‭ ‬للزبائن،‭ ‬وحلمت‭ ‬باستقدام‭ ‬فلول‭ ‬عائلتي‭ ‬الى‭ ‬الدوحة‭ ‬حيث‭ ‬أقيم،‭ ‬ليلتقطوا‭ ‬صوراً‭ ‬تذكارية‭ ‬مع‭ ‬السيارة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أشتري‭ ‬لهم‭ ‬ملابس‭ ‬لائقة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المغشوشة،‭ ‬التي‭ ‬درجت‭ ‬على‭ ‬إرسالها‭ ‬إليهم‭ ‬مستغلاً‭ ‬ضحالة‭ ‬ثقافتهم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأناقة‭ ‬والأزياء،‭ ‬وكنت‭ ‬سأقدر‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الرولز‭ ‬ستكون‭ ‬بلا‭ ‬أقساط،‭ (‬جملة‭ ‬اعتراضية‭ ‬ضرورية‭: ‬هنري‭ ‬رويس‭ ‬الذي‭ ‬ابتكر‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أرقى‭ ‬وأغلى‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬1906،‭ ‬كان‭ ‬سليل‭ ‬عائلة‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬للفئران‭ ‬في‭ ‬بيتها،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬تأكل‭ ‬واضطر‭ ‬وهو‭ ‬صبي‭ ‬في‭ ‬التاسعة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬الى‭ ‬العمل‭ ‬موزعا‭ ‬للصحف‭ ‬على‭ ‬بيوت‭ ‬الحي،‭ ‬ثم‭ ‬التحق‭ ‬بورشة‭ ‬ميكانيكية‭ ‬وتعلم‭ ‬فيها‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬المحركات،‭ ‬ثم‭ ‬دخل‭ ‬عالم‭ ‬الكهربائيات‭ ‬واسس‭ ‬شركة‭ ‬صغيرة‭ ‬لبيع‭ ‬المصابيح‭ ‬الكهربائية‭ ‬واشترى‭ ‬سيارة‭ ‬مكعكعة،‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬أدائها،‭ ‬وسمع‭ ‬بمهاراته‭ ‬شاب‭ ‬غني‭ ‬اسمه‭ ‬تشارلس‭ ‬رولز‭ ‬وتحالفا‭ ‬سويا‭ ‬فكانت‭ ‬شركة‭ ‬رولز‭ ‬رويس‭).‬

نعود‭ ‬الى‭ ‬موضوع‭ ‬حلمي‭ ‬باقتناء‭ ‬تلك‭ ‬السيارة‭ ‬الفارهة‭: ‬حاول‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭ ‬إجهاض‭ ‬أحلامي‭ ‬بإبلاغي‭ ‬أنه‭ ‬سمع‭ ‬كثيرين‭ ‬من‭ ‬الدعاة‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬التلفزة،‭  ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬الجوائز‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬المحلات‭ ‬التجارية‭ ‬لاجتذاب‭ ‬الزبائن‭ ‬شبهة‭ ‬تحريم،‭ ‬فقررت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬عدم‭ ‬متابعة‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬ذي‭ ‬طبيعة‭ ‬دينية‭ ‬وعظية،‭ ‬وتعللت‭ ‬بأنني‭ ‬سأقوم‭ ‬بتطهير‭ ‬وغسل‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬سأحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬الرولز‭ ‬بطريقة‭ ‬الراقصات‭ ‬الشرقيات‭ ‬اللواتي‭ ‬يقمن‭ ‬موائد‭ ‬للفقراء‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬موائد‭ ‬الرحمن،‭ (‬فات‭ ‬علي‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬الفضيل‭ ‬المنصرم‭ ‬أن‭ ‬أحيي‭ ‬الراقصة‭ ‬فيفي‭ ‬عبده‭ ‬كعادتي‭ ‬السنوية‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬رمضان،‭ ‬لأنها‭ ‬ظلت‭ ‬تسعد‭ ‬الجماهير‭ ‬منذ‭ ‬حفر‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬ولحرصها‭ ‬على‭ ‬التمسك‭ ‬بتعاليم‭ ‬الدين‭ ‬الحنيف‭ ‬حيث‭ ‬سألت‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬رمضان‭ ‬أحد‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭: ‬هل‭ ‬الرقص‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬حرام؟‭ ‬ولحسن‭ ‬حظها‭ ‬فقد‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬فتوى‭ ‬أراحت‭ ‬بالها،‭ ‬ومؤداها‭ ‬أن‭ ‬الرقص‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬رمضان‭ ‬حرام‭!!) ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬كسب‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬السيارة‭ ‬حرام‭ ‬قطعاً،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أعتزم‭ ‬استثمار‭ ‬قيمتها‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬ذي‭ ‬نفع‭ ‬عام‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬أنظمة‭ ‬تشويش‭ ‬لمنع‭ ‬التقاط‭ ‬البرامج‭ ‬التلفزيونية‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬الفتيات‭ ‬اللواتي‭ ‬يرتزقن‭ ‬بأثدائهن،‭ ‬واللائي‭ ‬فيما‭ ‬تقول‭ ‬زوجتي‭. ‬ترقى‭ ‬مشاهدتهن‭ ‬إلى‭ ‬الخيانة‭ ‬الزوجية‭. ‬هل‭ ‬أدركتم‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬هي‭ ‬إرهابية؟‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬طارت‭ ‬مني‭ ‬السيارة‭ ‬فأصبت‭ ‬بالتهاب‭ ‬في‭ ‬الحجاب‭ ‬الحاجز‭. ‬وأكثر‭ ‬ما‭ ‬حز‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬انتزع‭ ‬مني‭ ‬السيارة‭ ‬شخص‭ ‬كنت‭ ‬أكن‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬الحب،‭ ‬فقد‭ ‬جمعني‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬تلفزيون‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬بشاب‭ ‬لبناني‭ ‬شاطر،‭ ‬ولأنني‭ ‬عبيط‭ ‬وعلى‭ ‬نياتي‭ ‬فقد‭ ‬ظللت‭ ‬أزن‭ ‬واطن‭ ‬في‭ ‬أذن‭ ‬صاحبي‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أقنعته‭ ‬بالزواج،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬الغلطة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬أغفرها‭ ‬لنفسي،‭ ‬ثم‭ ‬ارتكبت‭ ‬خطأ‭ ‬آخر‭ ‬فادحا‭ ‬بأن‭ ‬أقنعته‭ ‬بالقدوم‭ ‬الى‭ ‬قطر‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وبعد‭ ‬وصوله‭ ‬الى‭ ‬الدوحة‭ ‬ظللت‭ ‬اطلع‭ ‬وأنزل‭ ‬معه‭ ‬حتى‭ ‬أكمل‭ ‬استعداداته‭ ‬لاستقبال‭ ‬زوجته‭ ‬وأسفرت‭ ‬تلك‭ ‬الزيجة‭ ‬‮«‬المهببة‮»‬‭ ‬عن‭ ‬إنجاب‭ ‬الولد‭ ‬الذي‭ ‬انتزع‭ ‬مني‭ ‬الرولز‭ ‬رويس‭ ‬ضارباً‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬بالصداقة‭ ‬التي‭ ‬تجمعني‭ ‬بوالديه‭ ‬وغير‭ ‬عابئ‭ ‬بمشاعري‭. ‬فعلا‭ ‬صدقت‭ ‬مقولة‭ ‬إن‭ ‬اللبناني‭ ‬تاجر‭ ‬شاطر‭ ‬بالفطرة،‭ ‬فهذا‭ ‬ولد‭ ‬لم‭ ‬يكمل‭ ‬عامه‭ ‬الثاني‭ ‬تشتري‭ ‬أمه‭ ‬وجبة‭ ‬واحدة‭ ‬لأنها‭ ‬كسلانة‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تطبخ‭ ‬وجبة‭ ‬طازجة‭ ‬لوليدها‭ ‬النامي‭ ‬وتعبئ‭ ‬كوبوناً‭ ‬يتيماً‭ ‬باسم‭ ‬ذلك‭ ‬الولد‭ ‬الأمي،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬رخصة‭ ‬قيادة‭ ‬سيارة،‭ ‬فيفوز‭ ‬بسيارة‭ ‬لو‭ ‬قدموها‭ ‬لسمير‭ ‬جعجع‭ ‬لانضم‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬الله‭. ‬وأنا‭ ‬الذي‭ ‬استعنت‭ ‬بجيش‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬لتعبئة‭ ‬عشرات‭ ‬الكوبونات،‭ ‬لم‭ ‬أفز‭ ‬حتى‭ ‬بوجبة‭ ‬مجانية‭. ‬ألا‭ ‬تتفقون‭ ‬معي‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المهاتما‭ ‬غاندي‭ ‬في‭ ‬مكاني‭ ‬لحمل‭ ‬السلاح‭ ‬وأعلن‭ ‬النضال‭ ‬المسلح‭ ‬ضد‭ ‬لبنان؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا