العدد : ١٧٥٤٣ - السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٣ - السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عجائب وغرائب العامية السودانية

أتحدث‭ ‬العامية‭ ‬السودانية‭ ‬بطلاقة‭. ‬استغفر‭ ‬الله،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬عامية‭ ‬بل‭ ‬عاميات‭ ‬سودانية،‭ ‬أي‭ ‬ان‭ ‬اللغة‭ ‬الدارجة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬إقليم‭ ‬الى‭ ‬آخر،‭ ‬فوعاء‭ ‬الماء‭ ‬الفخاري‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬‮«‬زير‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬آخر‭ ‬‮«‬جَرْ‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬ثالث‭ ‬‮«‬تيبار‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬انتبه‭ ‬عرب‭ ‬كثيرون‭ ‬الى‭ ‬أمور‭ ‬غريبة‭ ‬في‭ ‬العامية‭ ‬السودانية،‭ ‬منها‭ ‬ان‭ ‬الخشم‭ ‬عند‭ ‬السودانيين‭ ‬هو‭ ‬الفم،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬أدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬خشم‭ ‬البيت‭ ‬هو‭ ‬الباب‭ ‬الخارجي‭ ‬للبيت،‭ ‬بينما‭ ‬بطن‭ ‬البيت‭ ‬هو‭ ‬القسم‭ ‬الداخلي،‭ ‬ورأس‭ ‬البيت‭ ‬هو‭ ‬السقف،‭ ‬وقعر‭ ‬البيت‭ ‬هو‭ ‬ظل‭ ‬الجدار‭ ‬الخارجي‭ ‬للبيت،‭ ‬ومقبض‭ ‬السّلة‭/ ‬القفة‭ ‬يسمى‭ ‬أضان،‭ ‬فنحن‭ ‬نقلب‭ ‬الذال‭ ‬الى‭ ‬ضاد،‭ ‬وتصبح‭ ‬‮«‬ذَنّب‮»‬‭ ‬ضنب،‭ ‬أي‭ ‬ذيل،‭ ‬وضبان‭ ‬أصلها‭ ‬‮«‬ذبان‮»‬‭ ‬أي‭ ‬ذباب،‭ ‬بينما‭ ‬بعض‭ ‬أهل‭ ‬الخليج‭ ‬والعراق‭ ‬يقلبون‭ ‬الضاد‭ ‬ظاء‭ ‬والعكس‭. ‬وفي‭ ‬السودان‭ ‬نسمي‭ ‬الظل‭ ‬‮«‬ضُل‮»‬‭. ‬قال‭ ‬السيوطي‭: ‬يُروى‭ ‬أن‭ ‬رجلا‭ ‬قال‭ ‬لعمرَ‭ ‬بنِ‭ ‬الخطاب‭: ‬‮«‬ما‭ ‬تقول‭ ‬في‭ ‬رجل‭ ‬ظحَّى‭ ‬بضبي‭ [‬يريد‭: ‬ضحّى‭ ‬بظبي؟‭] ‬فعجب‭ ‬عمرُ‭ ‬ومَن‭ ‬حضره‭ ‬من‭ ‬قوله،‭ ‬فقال‭: ‬يا‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين،‭ ‬إنها‭ ‬لِغةٌ‭ ‬–‭ ‬وكَسَرَ‭ ‬اللام‭ ‬–‭ ‬فكان‭ ‬عجبُهم‭ ‬من‭ ‬كسرِهِ‭ ‬لام‭ ‬لُغةٍ‭ ‬أشدَّ‭ ‬من‭ ‬قلبِ‭ ‬الضاد‭ ‬ظاءً‭ ‬والظاء‭ ‬ضادًا‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬القلب‭ ‬كان‭ ‬شائعا‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬الأقدمين‭ ‬ما‭ ‬حدا‭ ‬بالحريري‭ ‬أن‭ ‬ينظم‭ ‬شعرا‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭:‬

أيها‭ ‬السائلي‭ ‬عن‭ ‬الضاد‭ ‬والظاءِ‭ ‬لكيلا‭ ‬تُضلَّه‭ ‬الألفاظَ

هي‭: ‬ظمياءُ‭ ‬والمظالمُ‭ ‬والإظلامُ‭ ‬والظُّلمُ‭ ‬والظُّبَى‭ ‬واللِّحاظَ‭.‬

والشناظي‭ ‬والدلظُ‭ ‬والظَّأبُ‭ ‬والظّبْ‭ ‬ظابُ‭ ‬والعُنْظوانُ‭ ‬والجِنعاظُ

هي‭ ‬هذي‭ ‬سوى‭ ‬النوادرِ‭ ‬فاحفظْها‭ ‬لِتقْفو‭ ‬آثارَكَ‭ ‬الحُفّاظُ

واقضِ‭ ‬فيما‭ ‬صرفتَ‭ ‬منها‭ ‬كما‭ ‬تقضيه‭ ‬في‭ ‬أصله،‭ ‬كقيْظٍ‭ ‬وقاظوا‭ (‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬قال‭ ‬الممثل‭ ‬المصري‭ ‬الراحل‭ ‬سعيد‭ ‬صالح‭: ‬دا‭ ‬إنجليزي‭ ‬يا‭ ‬مرسي؟‭). ‬ودعك‭ ‬من‭ ‬إننا‭ ‬نقول‭ ‬جِداد‭ ‬بكسر‭ ‬الجيم،‭ ‬ونقصد‭ ‬بها‭ ‬دجاج،‭ ‬ومعظمنا‭ ‬يقول‭ ‬شمش‭ ‬وهو‭ ‬يعني‭ ‬شمس،‭ ‬وفي‭ ‬كلامنا‭ ‬اليومي‭ ‬نسقط‭ ‬النون‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬بنت،‭ ‬ونجعلها‭ ‬بِت،‭ ‬وتقول‭: ‬فلانة‭ ‬بت‭ ‬جعفر

ومن‭ ‬الأمور‭ ‬السيريالية‭ ‬في‭ ‬العامية‭ ‬السودانية،‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬كلام‭ ‬ساكت‮»‬،‭ ‬وتعني‭ ‬كلام‭ ‬لا‭ ‬يسنده‭ ‬منطق‭ ‬او‭ ‬حقائق،‭ ‬وإذا‭ ‬قلت‭ ‬لشخص‭ ‬انت‭ ‬‮«‬تتكلم‭ ‬ساكت‮»‬‭ ‬فالمعنيّ‭ ‬هو‭ ‬انه‭ ‬غير‭ ‬جاد‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬وتبلغ‭ ‬السيريالية‭ ‬مداها‭ ‬وأقصاها‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬اسكت‭ ‬ساكت‮»‬،‭ ‬والمقصود‭ ‬بها‭ ‬‮«‬اسكت‭/ ‬أصمت‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬لـ«ساكت‮»‬‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬الإعراب‭. ‬وقّم‭ ‬بمعنى‭ ‬‮«‬انهض‮»‬‭ ‬عندنا‭ ‬‮«‬قُوم‮»‬‭ ‬بضم‭ ‬القاف،‭ ‬وتسمع‭ ‬الأب‭ ‬يقول‭ ‬لولده‭ ‬الصغير‭ ‬‮«‬قوم‭ ‬ارقد‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الولد‭ ‬ان‭ ‬يسأل‭ ‬أبوه‭ (‬بالمصري‭): ‬ودي‭ ‬تيجي‭ ‬إزاي‭ ‬يا‭ ‬بابا؟‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬أقوم‭ ‬والقيام‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬الساقين،‭ ‬وإما‭ ‬ان‭ ‬ارقد‭ ‬متمددا‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬او‭ ‬أريكة‭. ‬وقياسا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬تسمع‭ ‬شخصا‭ ‬يقول‭: ‬كنت‭ ‬أكلمه‭ ‬قام‭ ‬نام‭. ‬و«قام‮»‬‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تضيف‭ ‬شيئا‭ ‬الى‭ ‬المعنى‭ ‬المراد،‭ ‬بل‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬تدريبات‭ ‬الطوابير‭ ‬العسكرية‭ ‬الأساسية‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬قيام‭ ‬راقدا‮»‬،‭ ‬وتعني‭ ‬ان‭ ‬الجندي‭/ ‬الضابط‭ ‬المخاطَب‭ ‬عليه‭ ‬ان‭ ‬ينبطح‭ ‬أرضا‭.‬

وعندنا‭ ‬‮«‬داير‭ ‬شنو‮»‬،‭ ‬وأصلها‭ ‬‮«‬رايد‭ ‬شنو‮»‬‭ ‬أي‭ ‬ماذا‭ ‬تريد؟‭ ‬ويذهب‭ ‬وفد‭ ‬نسائي‭ ‬الى‭ ‬بيت‭ ‬أهل‭ ‬بنت‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬خطبتها‭ ‬لشاب‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬الوفد،‭ ‬ويقولون‭: ‬دايرين‭ ‬بنتكم‭ ‬زوجة‭ ‬لولدنا‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الريد‭ ‬عندنا‭ ‬هو‭ ‬الحب،‭ ‬وقول‭ ‬الحبيب‭ ‬للمحبوبة‭: ‬بريدِك،‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬‮«‬أحبك‮»‬‭. ‬ووصف‭ ‬البنت‭ ‬السودانية‭ ‬بالسماحة‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬أنها‭ ‬فائقة‭ ‬الجمال،‭ ‬وإذا‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬أمرا،‭ ‬وقال‭ ‬لك‭: ‬سمح‭. ‬فمعناها‭ ‬ان‭ ‬طلبك‭ ‬مقبول‭ ‬ومستجاب‭. ‬وإذا‭ ‬قلت‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬البنت‭ ‬ذات‭ ‬ضمير‭ ‬رفيع،‭ ‬فليس‭ ‬المقصود‭ ‬أنها‭ ‬ذات‭ ‬خلق‭ ‬أو‭ ‬فعل‭ ‬جميل‭ ‬ونبيل،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬خصرها‭ ‬رفيع‭ ‬ونحيل،‭ ‬يعني‭ ‬الضمير‭ ‬في‭ ‬العامية‭ ‬السودانية‭ ‬هو‭ ‬الخصر،‭ ‬وجاء‭ ‬الاشتقاق‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬الثلاثي‭ ‬‮«‬ضمر‮»‬،‭ ‬أي‭  ‬هزُلَ،‭ ‬وقَلَّ‭ ‬لحمُه،‭ ‬وانكمش‭.‬

خلال‭ ‬سنواتي‭ ‬الثلاث‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬كنت‭ ‬مقتنعا‭ ‬بأن‭ ‬مدرس‭ ‬العلوم‭ ‬الدينية‭ ‬‮«‬كافر‮»‬،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يسمي‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬‮«‬كعبة‮»‬،‭ ‬وكعب‭ ‬وصيغة‭ ‬المؤنث‭ ‬منها‭ ‬عند‭ ‬أهل‭ ‬السودان‭ ‬تعني‭ ‬‮«‬سيئ‮»‬،‭ ‬ونقول‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الذم‭: ‬فلان‭ ‬زول‭ ‬كعب‭ ‬وفلانة‭ ‬كعبة،‭ ‬ثم‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭ ‬قيض‭ ‬الله‭ ‬لنا‭ ‬مدرسا‭ ‬حدثنا‭ ‬ان‭ ‬كعبة‭ ‬من‭ ‬التربيع‭ ‬والتكعيب‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬الهندسي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا