زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عجائب وغرائب العامية السودانية
أتحدث العامية السودانية بطلاقة. استغفر الله، فليس هناك عامية بل عاميات سودانية، أي ان اللغة الدارجة في السودان تختلف من إقليم الى آخر، فوعاء الماء الفخاري اسمه في إقليم «زير» وفي آخر «جَرْ» وفي ثالث «تيبار»، وقد انتبه عرب كثيرون الى أمور غريبة في العامية السودانية، منها ان الخشم عند السودانيين هو الفم، وما هو أدهى من ذلك ان خشم البيت هو الباب الخارجي للبيت، بينما بطن البيت هو القسم الداخلي، ورأس البيت هو السقف، وقعر البيت هو ظل الجدار الخارجي للبيت، ومقبض السّلة/ القفة يسمى أضان، فنحن نقلب الذال الى ضاد، وتصبح «ذَنّب» ضنب، أي ذيل، وضبان أصلها «ذبان» أي ذباب، بينما بعض أهل الخليج والعراق يقلبون الضاد ظاء والعكس. وفي السودان نسمي الظل «ضُل». قال السيوطي: يُروى أن رجلا قال لعمرَ بنِ الخطاب: «ما تقول في رجل ظحَّى بضبي [يريد: ضحّى بظبي؟] فعجب عمرُ ومَن حضره من قوله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنها لِغةٌ – وكَسَرَ اللام – فكان عجبُهم من كسرِهِ لام لُغةٍ أشدَّ من قلبِ الضاد ظاءً والظاء ضادًا.
ويبدو أن ذلك النوع من القلب كان شائعا بين العرب الأقدمين ما حدا بالحريري أن ينظم شعرا جاء فيه:
أيها السائلي عن الضاد والظاءِ لكيلا تُضلَّه الألفاظَ
هي: ظمياءُ والمظالمُ والإظلامُ والظُّلمُ والظُّبَى واللِّحاظَ.
والشناظي والدلظُ والظَّأبُ والظّبْ ظابُ والعُنْظوانُ والجِنعاظُ
هي هذي سوى النوادرِ فاحفظْها لِتقْفو آثارَكَ الحُفّاظُ
واقضِ فيما صرفتَ منها كما تقضيه في أصله، كقيْظٍ وقاظوا (وفي مثل هذا قال الممثل المصري الراحل سعيد صالح: دا إنجليزي يا مرسي؟). ودعك من إننا نقول جِداد بكسر الجيم، ونقصد بها دجاج، ومعظمنا يقول شمش وهو يعني شمس، وفي كلامنا اليومي نسقط النون من كلمة بنت، ونجعلها بِت، وتقول: فلانة بت جعفر
ومن الأمور السيريالية في العامية السودانية، عبارة «كلام ساكت»، وتعني كلام لا يسنده منطق او حقائق، وإذا قلت لشخص انت «تتكلم ساكت» فالمعنيّ هو انه غير جاد في الأمر، وتبلغ السيريالية مداها وأقصاها في عبارة «اسكت ساكت»، والمقصود بها «اسكت/ أصمت»، ولا مكان لـ«ساكت» هنا من الإعراب. وقّم بمعنى «انهض» عندنا «قُوم» بضم القاف، وتسمع الأب يقول لولده الصغير «قوم ارقد»، وليس من حق الولد ان يسأل أبوه (بالمصري): ودي تيجي إزاي يا بابا؟ فإما أن أقوم والقيام يكون على الساقين، وإما ان ارقد متمددا على سرير او أريكة. وقياسا على هذا قد تسمع شخصا يقول: كنت أكلمه قام نام. و«قام» هنا لا تضيف شيئا الى المعنى المراد، بل عندنا في تدريبات الطوابير العسكرية الأساسية عبارة «قيام راقدا»، وتعني ان الجندي/ الضابط المخاطَب عليه ان ينبطح أرضا.
وعندنا «داير شنو»، وأصلها «رايد شنو» أي ماذا تريد؟ ويذهب وفد نسائي الى بيت أهل بنت يرغبون في خطبتها لشاب من أسرة الوفد، ويقولون: دايرين بنتكم زوجة لولدنا. بل إن الريد عندنا هو الحب، وقول الحبيب للمحبوبة: بريدِك، أقوى من قوله «أحبك». ووصف البنت السودانية بالسماحة المقصود به أنها فائقة الجمال، وإذا طلبت من شخص أمرا، وقال لك: سمح. فمعناها ان طلبك مقبول ومستجاب. وإذا قلت إن تلك البنت ذات ضمير رفيع، فليس المقصود أنها ذات خلق أو فعل جميل ونبيل، بل يعني ان خصرها رفيع ونحيل، يعني الضمير في العامية السودانية هو الخصر، وجاء الاشتقاق من الفعل الثلاثي «ضمر»، أي هزُلَ، وقَلَّ لحمُه، وانكمش.
خلال سنواتي الثلاث الأولى في المرحلة الابتدائية كنت مقتنعا بأن مدرس العلوم الدينية «كافر»، لأنه كان يسمي بيت الله في مكة «كعبة»، وكعب وصيغة المؤنث منها عند أهل السودان تعني «سيئ»، ونقول من باب الذم: فلان زول كعب وفلانة كعبة، ثم ونحن في الصف الرابع قيض الله لنا مدرسا حدثنا ان كعبة من التربيع والتكعيب في الشكل الهندسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك