زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
لماذا هُنّ غير شكل
كعادتي لسنوات طوال تعمدت تجاهل يوم المرأة العالمي، لأنه لا يخصني، ثم تجاهلت عيد الأم (21 مارس)، احتجاجا على كون ذلك العيد، لم يكن موجودا عندما كانت أمي على قيد الحياة، ولأن زوجتي ليست «أمي»، رغم أنها- وبكل بجاحة- تطالبني بهدية في مثل ذلك اليوم، فأقول لها (بالمصري): ليه؟ كنتِ خلفتيني ونسيتك؟
هناك أشياء كثيرة تتعلق بالمرأة تحيرني: فلماذا تسير حياتي بصورة طبيعية لسنة كاملة، لا أدخل خلالها أي متجر سوى ذلك الذي يبيع الأغذية والسلع الاستهلاكية التي لا غنى عنها في الحياة اليومية، وبالمقابل لماذا تجد زوجتي وزوجتك وزوجات جميع من نعرف أسبابا وجيهة للذهاب إلى السوق مرة واحدة في الشهر على الأقل؟ قبل أعوام قليلة كان ولدي لؤي يدرس في الولايات المتحدة، ويسألني كلما قرر زيارتنا عن نوع الهدية التي أريد منه أن يحضرها لي، واكتشف في كل مرة أنني لا أستطيع أن أحدد أن «نفسي» في شيء معين! ماذا أريد؟ جاكيت؟ عندي عدة جاكيتات بعضها عمره عشرون سنة وجميعها بحالة جيدة وتفي بالغرض خلال المناسبات التي تتطلب قدرا معقولا من التأنق! والله العظيم عندي جاكيت اشتريته من سي آند إيه في لندن في عام 1977، وما زال بكامل عافيته ولياقته، وألبسه في المناسبات!! بينما ذلك المحل اختفى من الوجود! ساعة؟ عندي نحو عشر ساعات جديدة، وكلها تقريبا لا تعمل لأنها ظلت مخزونة منذ أن أهداني إياها هذا الطرف أو ذاك، وأعتقد أن بعضها لن يعمل أبدا حتى لو زودته ببطاريات جديدة لأنها أصيبت بتصلب الشرايين وتيبس المفاصل وتكلس العضلات! أقراص مدمجة موسيقية فيديو أو صوتية؟ لا تنفع، بعد أن أصبحت صخرة لا تحركني هذي المُدام ولا تلك الأغاريد!! ثم إنني ما زلت في عصر الكاسيت، لأن معظم أغاني جيل الشباب لا تستهويني، وعموما فإن الإنترنت صار بالنسبة إلي ولغيري جهاز التسجيل للموسيقى والأغاني، وقد «انطسيت» في عقلي مؤخرا وصرت أمارس رياضة المشي على جهاز السير الكهربائي، وهي مسألة مملة، وذهبت إلى متجر ضخم للإلكترونيات وسألت عن جهاز الكاسيت الصغير المسمى «ووكمان»، ولكن البائع قال إنه لم يسمع بذلك الجهاز واستعان برئيسه المباشر وكان لسوء حظي مصريا، فما أن سألته عن الووكمان حتى ضحك وقال: ياه أنت لسه فاكر.. مفيش ووكمانات في السوق لأنهم بطلوا يصنعوها.. اشتر آيبود أو إم بي ثري!! قلت له: مش الـ«آيبود» اللي بتؤول عليه نوع من الموبايل؟ ضحك وقال: لا أنت قصدك الـ«آيفون»، وأحسست أنني س«أتهزأ» أكثر لو ظللت في المتجر فانسحبت تكتيكيا. ثم عدت إلى ذلك المحل لاحقا وطلبت «آيبو»، فقال لي ذلك المصري: آيبود؟ تعيش أنت. قلت له: يعني مات هو راخر؟
المهم إنني لم أكن أحس بأن شيئا ما ينقصني، ولكن الولد الخواجة كان يلح في أن أطلب شيئا محددا ولا يريد أن يفرض علي «ذوقه»، وتحت إلحاحه قلت له: لتكن هديتي مائتي ألف دولار، لأنني بحاجة إلى هذا المبلغ كي أتقاعد و«أخلص» أي أتحرر من قيود العمل الرسمي، فرد الزول الخواجة: حاضر يا بابا إن شاء الله بعد عشرين سنة هديتك تكون جاهزة، ثم أتاني بقارورة عطر! وعندما قدمها لي قال معتذرا: معليش بابا ما عرفت عطرك المفضل، فقلت له: ولا يهمك فأنا أيضا لا أعرف عطري المفضل.
طيب: لماذا نحن الرجال بصفة عامة قانعون بما عندنا من ملابس وكماليات، بينما النساء بحاجة الى الجديد في كل شيء؟ لماذا عندك ستة أزواج من الأحذية وعند زوجتك ستين زوجا منها ومع هذا تريد اقتناء المزيد منها؟ لماذا نظارتي تساوي مائة دولار ونظارة بنتي بقيمة 600 دولار، مع أن كلتا النظارتين تؤديان نفس المهمة؟ هل لأن معظم الإعلانات التجارية تخاطب المرأة؟ هل لأن المرأة أكثر إحساسا بالجمال (وهذه حقيقة علمية ثابتة)؟ هل لأننا معشر الرجال لدينا وسائل تنفيس خاصة بنا تلهينا عن ارتياد الأسواق؟ أم هل في العقل الباطن للمرأة ذلك الإحساس الغريزي بأنه إذا اجتمع لدى الرجل (العربي) مال كثير، فإنه لن يفكر في مقتنيات جديدة، بل في زوجة جديدة؟ ومن ثم لابد من «بعزقة» النقود أولا بأول؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك