العدد : ١٧٥٤٦ - الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٦ - الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لماذا هُنّ غير شكل

كعادتي‭ ‬لسنوات‭ ‬طوال‭ ‬تعمدت‭ ‬تجاهل‭ ‬يوم‭ ‬المرأة‭ ‬العالمي،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يخصني،‭ ‬ثم‭ ‬تجاهلت‭ ‬عيد‭ ‬الأم‭ (‬21‭ ‬مارس‭)‬،‭ ‬احتجاجا‭ ‬على‭ ‬كون‭ ‬ذلك‭ ‬العيد،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجودا‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬ولأن‭ ‬زوجتي‭ ‬ليست‭ ‬‮«‬أمي‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭- ‬وبكل‭ ‬بجاحة‭- ‬تطالبني‭ ‬بهدية‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬فأقول‭ ‬لها‭ (‬بالمصري‭): ‬ليه؟‭ ‬كنتِ‭ ‬خلفتيني‭ ‬ونسيتك؟

هناك‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمرأة‭ ‬تحيرني‭: ‬فلماذا‭ ‬تسير‭ ‬حياتي‭ ‬بصورة‭ ‬طبيعية‭ ‬لسنة‭ ‬كاملة،‭ ‬لا‭ ‬أدخل‭ ‬خلالها‭ ‬أي‭ ‬متجر‭ ‬سوى‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يبيع‭ ‬الأغذية‭ ‬والسلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬لماذا‭ ‬تجد‭ ‬زوجتي‭ ‬وزوجتك‭ ‬وزوجات‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬نعرف‭ ‬أسبابا‭ ‬وجيهة‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬على‭ ‬الأقل؟‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭ ‬قليلة‭ ‬كان‭ ‬ولدي‭ ‬لؤي‭ ‬يدرس‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويسألني‭ ‬كلما‭ ‬قرر‭ ‬زيارتنا‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬الهدية‭ ‬التي‭ ‬أريد‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يحضرها‭ ‬لي،‭ ‬واكتشف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أحدد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬نفسي‮»‬‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬معين‭! ‬ماذا‭ ‬أريد؟‭ ‬جاكيت؟‭ ‬عندي‭ ‬عدة‭ ‬جاكيتات‭ ‬بعضها‭ ‬عمره‭ ‬عشرون‭ ‬سنة‭ ‬وجميعها‭ ‬بحالة‭ ‬جيدة‭ ‬وتفي‭ ‬بالغرض‭ ‬خلال‭ ‬المناسبات‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬قدرا‭ ‬معقولا‭ ‬من‭ ‬التأنق‭! ‬والله‭ ‬العظيم‭ ‬عندي‭ ‬جاكيت‭ ‬اشتريته‭ ‬من‭ ‬سي‭ ‬آند‭ ‬إيه‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1977،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬بكامل‭ ‬عافيته‭ ‬ولياقته،‭ ‬وألبسه‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭!! ‬بينما‭ ‬ذلك‭ ‬المحل‭ ‬اختفى‭ ‬من‭ ‬الوجود‭! ‬ساعة؟‭ ‬عندي‭ ‬نحو‭ ‬عشر‭ ‬ساعات‭ ‬جديدة،‭ ‬وكلها‭ ‬تقريبا‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬لأنها‭ ‬ظلت‭ ‬مخزونة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أهداني‭ ‬إياها‭ ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬لن‭ ‬يعمل‭ ‬أبدا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬زودته‭ ‬ببطاريات‭ ‬جديدة‭ ‬لأنها‭ ‬أصيبت‭ ‬بتصلب‭ ‬الشرايين‭ ‬وتيبس‭ ‬المفاصل‭ ‬وتكلس‭ ‬العضلات‭! ‬أقراص‭ ‬مدمجة‭ ‬موسيقية‭ ‬فيديو‭ ‬أو‭ ‬صوتية؟‭ ‬لا‭ ‬تنفع،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬صخرة‭ ‬لا‭ ‬تحركني‭ ‬هذي‭ ‬المُدام‭ ‬ولا‭ ‬تلك‭ ‬الأغاريد‭!! ‬ثم‭ ‬إنني‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الكاسيت،‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬أغاني‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬لا‭ ‬تستهويني،‭ ‬وعموما‭ ‬فإن‭ ‬الإنترنت‭ ‬صار‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬ولغيري‭ ‬جهاز‭ ‬التسجيل‭ ‬للموسيقى‭ ‬والأغاني،‭ ‬وقد‭ ‬‮«‬انطسيت‮»‬‭ ‬في‭ ‬عقلي‭ ‬مؤخرا‭ ‬وصرت‭ ‬أمارس‭ ‬رياضة‭ ‬المشي‭ ‬على‭ ‬جهاز‭ ‬السير‭ ‬الكهربائي،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬مملة،‭ ‬وذهبت‭ ‬إلى‭ ‬متجر‭ ‬ضخم‭ ‬للإلكترونيات‭ ‬وسألت‭ ‬عن‭ ‬جهاز‭ ‬الكاسيت‭ ‬الصغير‭ ‬المسمى‭ ‬‮«‬ووكمان‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬البائع‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬بذلك‭ ‬الجهاز‭ ‬واستعان‭ ‬برئيسه‭ ‬المباشر‭ ‬وكان‭ ‬لسوء‭ ‬حظي‭ ‬مصريا،‭ ‬فما‭ ‬أن‭ ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬الووكمان‭ ‬حتى‭ ‬ضحك‭ ‬وقال‭: ‬ياه‭ ‬أنت‭ ‬لسه‭ ‬فاكر‭.. ‬مفيش‭ ‬ووكمانات‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬لأنهم‭ ‬بطلوا‭ ‬يصنعوها‭.. ‬اشتر‭ ‬آيبود‭ ‬أو‭ ‬إم‭ ‬بي‭ ‬ثري‭!! ‬قلت‭ ‬له‭: ‬مش‭ ‬الـ«آيبود‮»‬‭ ‬اللي‭ ‬بتؤول‭ ‬عليه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الموبايل؟‭ ‬ضحك‭ ‬وقال‭: ‬لا‭ ‬أنت‭ ‬قصدك‭ ‬الـ«آيفون‮»‬،‭ ‬وأحسست‭ ‬أنني‭ ‬س«أتهزأ‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬لو‭ ‬ظللت‭ ‬في‭ ‬المتجر‭ ‬فانسحبت‭ ‬تكتيكيا‭. ‬ثم‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬المحل‭ ‬لاحقا‭ ‬وطلبت‭ ‬‮«‬آيبو‮»‬،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬ذلك‭ ‬المصري‭: ‬آيبود؟‭ ‬تعيش‭ ‬أنت‭. ‬قلت‭ ‬له‭: ‬يعني‭ ‬مات‭ ‬هو‭ ‬راخر؟

المهم‭ ‬إنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أحس‭ ‬بأن‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬ينقصني،‭ ‬ولكن‭ ‬الولد‭ ‬الخواجة‭ ‬كان‭ ‬يلح‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أطلب‭ ‬شيئا‭ ‬محددا‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬علي‭ ‬‮«‬ذوقه‮»‬،‭ ‬وتحت‭ ‬إلحاحه‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬لتكن‭ ‬هديتي‭ ‬مائتي‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬لأنني‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬كي‭ ‬أتقاعد‭ ‬و«أخلص‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أتحرر‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬العمل‭ ‬الرسمي،‭ ‬فرد‭ ‬الزول‭ ‬الخواجة‭: ‬حاضر‭ ‬يا‭ ‬بابا‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬هديتك‭ ‬تكون‭ ‬جاهزة،‭ ‬ثم‭ ‬أتاني‭ ‬بقارورة‭ ‬عطر‭! ‬وعندما‭ ‬قدمها‭ ‬لي‭ ‬قال‭ ‬معتذرا‭: ‬معليش‭ ‬بابا‭ ‬ما‭ ‬عرفت‭ ‬عطرك‭ ‬المفضل،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭: ‬ولا‭ ‬يهمك‭ ‬فأنا‭ ‬أيضا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬عطري‭ ‬المفضل‭.‬

طيب‭: ‬لماذا‭ ‬نحن‭ ‬الرجال‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬قانعون‭ ‬بما‭ ‬عندنا‭ ‬من‭ ‬ملابس‭ ‬وكماليات،‭ ‬بينما‭ ‬النساء‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء؟‭ ‬لماذا‭ ‬عندك‭ ‬ستة‭ ‬أزواج‭ ‬من‭ ‬الأحذية‭ ‬وعند‭ ‬زوجتك‭ ‬ستين‭ ‬زوجا‭ ‬منها‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬تريد‭ ‬اقتناء‭ ‬المزيد‭ ‬منها؟‭ ‬لماذا‭ ‬نظارتي‭ ‬تساوي‭ ‬مائة‭ ‬دولار‭ ‬ونظارة‭ ‬بنتي‭ ‬بقيمة‭ ‬600‭ ‬دولار،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬كلتا‭ ‬النظارتين‭ ‬تؤديان‭ ‬نفس‭ ‬المهمة؟‭ ‬هل‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬الإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬تخاطب‭ ‬المرأة؟‭ ‬هل‭ ‬لأن‭ ‬المرأة‭ ‬أكثر‭ ‬إحساسا‭ ‬بالجمال‭ (‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬علمية‭ ‬ثابتة‭)‬؟‭ ‬هل‭ ‬لأننا‭ ‬معشر‭ ‬الرجال‭ ‬لدينا‭ ‬وسائل‭ ‬تنفيس‭ ‬خاصة‭ ‬بنا‭ ‬تلهينا‭ ‬عن‭ ‬ارتياد‭ ‬الأسواق؟‭ ‬أم‭ ‬هل‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الباطن‭ ‬للمرأة‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الغريزي‭ ‬بأنه‭ ‬إذا‭ ‬اجتمع‭ ‬لدى‭ ‬الرجل‭ (‬العربي‭) ‬مال‭ ‬كثير،‭ ‬فإنه‭ ‬لن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬مقتنيات‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬زوجة‭ ‬جديدة؟‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬‮«‬بعزقة‮»‬‭ ‬النقود‭ ‬أولا‭ ‬بأول؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا