زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
هذا ليس زمن البنات
إليكم حكاية نقلا عن صحيفة عراقية: فرح الزوج العراقي عندما أبلغته زوجته أن المخاض داهمها، فاستدعى سيارة على عجل ونقل زوجته إلى بيت القابلة أي الداية، ففي تلك البلدة الريفية لا سبيل للتعويل على استدعاء القابلة لتصل «لَمّا تصل» أي بحسب التساهيل، لعدم وجود وسائل نقل عامة، ما قد يعني في حالة المرأة التي يأتيها المخاض، أنها تغامر بأن يقوم الوليد بهبوط اضطراري، من دون قابلة مع ما قد يعينه ذلك من تعقيدات، ونقرأ في الصحيفة، كيف أن الرجل جلس في بيت القابلة يشجع زوجته ويطمئنها بأن الأمور «ستتم بخير بإذن الله»، وكيف أنه كان متوتراً يروح ويجيء إلى أن تناهى إلى أذنيه أحلى صوت، وهو صوت الطفل وهو يطلق صرخته الأولى، التي تمثل إنذارا مبكراً لوالديه بأن لياليهم التالية ستكون «كحلا» إلى أن يبلغ الثانية او الرابعة، وأحس الزوج بالسعادة والراحة لأن المولود وصل حياً، ودخل يبارك لزوجته «السلامة» فاستقبلته القابلة هاشة باشة: مبروك العروسة وتتربى في عزك! هنا سقط فك الرجل النشمي، وتساءل مهمهما: جابت بنت؟ فقالوا له: نعم، وهي في منتهى الحلاوة وتشبهك!
خرج الرجل من بيت القابلة تاركا زوجته فيه مترنحاً ولم يعد حتى الآن! يعني طفش! هل هذا وقت بنات؟ الأمور مشتعلة في العراق، وهناك إيران والحشد الشعبي وداعش والاكراد والامريكان وتأتي زوجته ببنت؟ أي استهتار وانعدام للحس الوطني هذا؟ ألا يكفي أن في البيت امرأة هي الزوجة، فتأتي بأنثى أخرى في هذا المنعطف الخطير في تاريخ أمتنا؟ (ونحن أكثر الأمم تعرضاً للمنعطفات والمطبات في التاريخ المعاصر)، على كل حال ظلت الزوجة المسكينة في بيت القابلة 3 أيام بلياليها، حتى أفتقدها أهلها وبحثوا عنها، فعلموا بأمر توجهها إلى بيت القابلة مع زوجها، وعادوا بها إلى بيت أبيها، ومازال الزوج «لمغدور» به، والمجني عليه طافشاً وهائماً على وجهه! ولعله يخاف من شماتة أبله ظاظا فيه.
وباسم الرجال العرب، فإنني أهيب بالنساء التوقف عن إنجاب البنات حتى تتحرر فلسطين وقبرص وصقلية والأندلس، بصراحة عيب يا نساء ويا حرمات ويا نسوان ويا ولايا (جمع ولِيّة)، أن تكسرن خواطر أزواجكن بإنجاب بنات، وخاصة في الولادة الأولى، وليس خافياً عليكن أننا نحن معشر الرجال العرب نحملكن مسؤولية هذا الاستخفاف بمشاعرنا نحن الذين نبرمج في المهد على أننا السادة والكل في الكل، وأنه ينبغي للواحد منا أن يكون أبو فلان وليس ابو فلانة! وليس خافياً عليكن أن رجالاً كثيرين لا يؤمنون بالقسمة والنصيب فيما يتعلق بالإنجاب، ولا بخطرفات الأطباء الحاقدين «المتنسونين» الذين يزعمون أن الزوج هو المسؤول عن جنس الجنين! بالعربي الفصيح: نو بنات.
عندما ولدت ابنتي مروة كتب مقالا يشابه كلامي أعلاه، خاصة وأنها ولدت في الخامس من يونيو وهو اليوم الذي شهد هزيمة ثلاثة جيوش عربية خلال ستة أيام، وكان عنوان المقال «نكستان»، وكنت أقصد أن النكسة الأولى هي تلك الهزيمة والثانية هي أن أُرزق ببنت لن تستطيع ان تسهم في «حروب التحرير»، وبعد ان وصلت الى الصف الثالث في المرحلة الابتدائية حاولت مروة قراءة المقال الذي كان منشورا في كتاب، وبعد قراءة العنوان سألتني: بابا «نكستان» في إفريقيا أم آسيا؟
وحقيقة الأمر هي أنني تعرضت يوم مولد مروة لنكسة كبرى «قصّرت رقبتي»، وسبق لي الكتابة عنها، فعندما أوصلت زوجتي الى مستشفى الولادة في أبوظبي قرروا فور «الكشف» عليها أن الولادة وشيكة، فدفعت النقالة مع الممرضة حتى باب غرفة التوليد ثم طبطبت على رأس زوجتي وتمنيت لها ولادة يسيرة، ولكن كبيرة الممرضات جرتني إلى داخل تلك الغرفة، وأجبرتني على الجلوس وأنا أسند رأس زوجتي براحة يدي حتى خروج المولود. أصبحت مثل السمسمة: تخيل لو سمع أهلي بما يحدث هنا، وفي نفس الوقت كبرت المرأة في نظري: كل هذه المعاناة وتكرر الحمل والانجاب؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك