العدد : ١٧٥٤٨ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٨ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

هذا ليس زمن البنات

إليكم‭ ‬حكاية‭ ‬نقلا‭ ‬عن‭ ‬صحيفة‭ ‬عراقية‭: ‬فرح‭ ‬الزوج‭ ‬العراقي‭ ‬عندما‭ ‬أبلغته‭ ‬زوجته‭ ‬أن‭ ‬المخاض‭ ‬داهمها،‭ ‬فاستدعى‭ ‬سيارة‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬ونقل‭ ‬زوجته‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬القابلة‭ ‬أي‭ ‬الداية،‭ ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬البلدة‭ ‬الريفية‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬للتعويل‭ ‬على‭ ‬استدعاء‭ ‬القابلة‭ ‬لتصل‭ ‬‮«‬لَمّا‭ ‬تصل‮»‬‭ ‬أي‭ ‬بحسب‭ ‬التساهيل،‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬وسائل‭ ‬نقل‭ ‬عامة،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬يأتيها‭ ‬المخاض،‭ ‬أنها‭ ‬تغامر‭ ‬بأن‭ ‬يقوم‭ ‬الوليد‭ ‬بهبوط‭ ‬اضطراري،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قابلة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعينه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تعقيدات،‭ ‬ونقرأ‭ ‬في‭ ‬الصحيفة،‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬جلس‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬القابلة‭ ‬يشجع‭ ‬زوجته‭ ‬ويطمئنها‭ ‬بأن‭ ‬الأمور‭ ‬‮«‬ستتم‭ ‬بخير‭ ‬بإذن‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬وكيف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬متوتراً‭ ‬يروح‭ ‬ويجيء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تناهى‭ ‬إلى‭ ‬أذنيه‭ ‬أحلى‭ ‬صوت،‭ ‬وهو‭ ‬صوت‭ ‬الطفل‭ ‬وهو‭ ‬يطلق‭ ‬صرخته‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬إنذارا‭ ‬مبكراً‭ ‬لوالديه‭ ‬بأن‭ ‬لياليهم‭ ‬التالية‭ ‬ستكون‭ ‬‮«‬كحلا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬الثانية‭ ‬او‭ ‬الرابعة،‭ ‬وأحس‭ ‬الزوج‭ ‬بالسعادة‭ ‬والراحة‭ ‬لأن‭ ‬المولود‭ ‬وصل‭ ‬حياً،‭ ‬ودخل‭ ‬يبارك‭ ‬لزوجته‭ ‬‮«‬السلامة‮»‬‭ ‬فاستقبلته‭ ‬القابلة‭ ‬هاشة‭ ‬باشة‭: ‬مبروك‭ ‬العروسة‭ ‬وتتربى‭ ‬في‭ ‬عزك‭! ‬هنا‭ ‬سقط‭ ‬فك‭ ‬الرجل‭ ‬النشمي،‭ ‬وتساءل‭ ‬مهمهما‭: ‬جابت‭ ‬بنت؟‭  ‬فقالوا‭ ‬له‭: ‬نعم،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الحلاوة‭ ‬وتشبهك‭!‬

خرج‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬القابلة‭ ‬تاركا‭ ‬زوجته‭ ‬فيه‭ ‬مترنحاً‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭!  ‬يعني‭ ‬طفش‭! ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬وقت‭ ‬بنات؟‭ ‬الأمور‭ ‬مشتعلة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وهناك‭ ‬إيران‭ ‬والحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬وداعش‭ ‬والاكراد‭ ‬والامريكان‭ ‬وتأتي‭ ‬زوجته‭ ‬ببنت؟‭ ‬أي‭ ‬استهتار‭ ‬وانعدام‭ ‬للحس‭ ‬الوطني‭ ‬هذا؟‭  ‬ألا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬امرأة‭ ‬هي‭ ‬الزوجة،‭ ‬فتأتي‭ ‬بأنثى‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬أمتنا؟‭  (‬ونحن‭ ‬أكثر‭ ‬الأمم‭ ‬تعرضاً‭ ‬للمنعطفات‭ ‬والمطبات‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭)‬،‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬ظلت‭ ‬الزوجة‭ ‬المسكينة‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬القابلة‭ ‬3‭ ‬أيام‭ ‬بلياليها،‭ ‬حتى‭ ‬أفتقدها‭ ‬أهلها‭ ‬وبحثوا‭ ‬عنها،‭ ‬فعلموا‭ ‬بأمر‭ ‬توجهها‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬القابلة‭ ‬مع‭ ‬زوجها،‭ ‬وعادوا‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أبيها،‭ ‬ومازال‭ ‬الزوج‭ ‬‮«‬لمغدور‮»‬‭ ‬به،‭ ‬والمجني‭ ‬عليه‭ ‬طافشاً‭ ‬وهائماً‭ ‬على‭ ‬وجهه‭! ‬ولعله‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬شماتة‭ ‬أبله‭ ‬ظاظا‭ ‬فيه‭.‬

وباسم‭ ‬الرجال‭ ‬العرب،‭ ‬فإنني‭ ‬أهيب‭ ‬بالنساء‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬إنجاب‭ ‬البنات‭ ‬حتى‭ ‬تتحرر‭ ‬فلسطين‭ ‬وقبرص‭ ‬وصقلية‭ ‬والأندلس،‭ ‬بصراحة‭ ‬عيب‭ ‬يا‭ ‬نساء‭ ‬ويا‭ ‬حرمات‭ ‬ويا‭ ‬نسوان‭ ‬ويا‭ ‬ولايا‭ (‬جمع‭ ‬ولِيّة‭)‬،‭ ‬أن‭ ‬تكسرن‭ ‬خواطر‭ ‬أزواجكن‭ ‬بإنجاب‭ ‬بنات،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الولادة‭ ‬الأولى،‭ ‬وليس‭ ‬خافياً‭ ‬عليكن‭ ‬أننا‭ ‬نحن‭ ‬معشر‭ ‬الرجال‭ ‬العرب‭ ‬نحملكن‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬الاستخفاف‭ ‬بمشاعرنا‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬نبرمج‭ ‬في‭ ‬المهد‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬السادة‭ ‬والكل‭ ‬في‭ ‬الكل،‭ ‬وأنه‭ ‬ينبغي‭ ‬للواحد‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أبو‭ ‬فلان‭ ‬وليس‭ ‬ابو‭ ‬فلانة‭!  ‬وليس‭ ‬خافياً‭ ‬عليكن‭ ‬أن‭ ‬رجالاً‭ ‬كثيرين‭ ‬لا‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالقسمة‭ ‬والنصيب‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالإنجاب،‭ ‬ولا‭ ‬بخطرفات‭ ‬الأطباء‭ ‬الحاقدين‭ ‬‮«‬المتنسونين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يزعمون‭ ‬أن‭ ‬الزوج‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬جنس‭ ‬الجنين‭!  ‬بالعربي‭ ‬الفصيح‭: ‬نو‭ ‬بنات‭.‬

عندما‭ ‬ولدت‭ ‬ابنتي‭ ‬مروة‭ ‬كتب‭ ‬مقالا‭ ‬يشابه‭ ‬كلامي‭ ‬أعلاه،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنها‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬هزيمة‭ ‬ثلاثة‭ ‬جيوش‭ ‬عربية‭ ‬خلال‭ ‬ستة‭ ‬أيام،‭ ‬وكان‭ ‬عنوان‭ ‬المقال‭ ‬‮«‬نكستان‮»‬،‭ ‬وكنت‭ ‬أقصد‭ ‬أن‭ ‬النكسة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الهزيمة‭ ‬والثانية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أُرزق‭ ‬ببنت‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬ان‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬التحرير‮»‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬وصلت‭ ‬الى‭ ‬الصف‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬حاولت‭ ‬مروة‭ ‬قراءة‭ ‬المقال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬منشورا‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬وبعد‭ ‬قراءة‭ ‬العنوان‭ ‬سألتني‭: ‬بابا‭ ‬‮«‬نكستان‮»‬‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬أم‭ ‬آسيا؟

وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬أنني‭ ‬تعرضت‭ ‬يوم‭ ‬مولد‭ ‬مروة‭ ‬لنكسة‭ ‬كبرى‭ ‬‮«‬قصّرت‭ ‬رقبتي‮»‬،‭ ‬وسبق‭ ‬لي‭ ‬الكتابة‭ ‬عنها،‭ ‬فعندما‭ ‬أوصلت‭ ‬زوجتي‭ ‬الى‭ ‬مستشفى‭ ‬الولادة‭ ‬في‭ ‬أبوظبي‭ ‬قرروا‭ ‬فور‭ ‬‮«‬الكشف‮»‬‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬الولادة‭ ‬وشيكة،‭ ‬فدفعت‭ ‬النقالة‭ ‬مع‭ ‬الممرضة‭ ‬حتى‭ ‬باب‭ ‬غرفة‭ ‬التوليد‭ ‬ثم‭ ‬طبطبت‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬زوجتي‭ ‬وتمنيت‭ ‬لها‭ ‬ولادة‭ ‬يسيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬كبيرة‭ ‬الممرضات‭ ‬جرتني‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬تلك‭ ‬الغرفة،‭ ‬وأجبرتني‭ ‬على‭ ‬الجلوس‭ ‬وأنا‭ ‬أسند‭ ‬رأس‭ ‬زوجتي‭ ‬براحة‭ ‬يدي‭ ‬حتى‭ ‬خروج‭ ‬المولود‭. ‬أصبحت‭ ‬مثل‭ ‬السمسمة‭: ‬تخيل‭ ‬لو‭ ‬سمع‭ ‬أهلي‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬هنا،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬كبرت‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬نظري‭: ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬وتكرر‭ ‬الحمل‭ ‬والانجاب؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا