زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
نحن وكوريا سيم سيم
حسبت لحين من الدهر أن أوجه الشبه بين أهل السودان وشعوب الشرق الأقصى، تقتصر على التطابق الموسيقي، فالموسيقى الكورية واليابانية مثلاً أقرب إلى الوجدان السوداني من الموسيقى العربية، لتشابه السلالم، وكان رئيس شعبة الموسيقى في جامعة طوكيو لسنوات طويلة سودانيا اسمه حمزة علاء الدين، وللمغني السوداني الراحل أحمد المصطفى اغنية مشهورة جداً اسمها «الوسيم» عمرها أكثر من 70 سنة، واكتشفت مصادفة أن لحنها مأخوذ عن أغنية شعبية كورية جنوبية، وكان ذلك في عام 2002 عندما استضافت تلك الـ«كوريا» جانبا من بطولة كاس العالم لكرة القدم، وأحرص عادة على متابعة حفلات افتتاح مثل تلك البطولات والمنافسات الأولمبية الدولية، وفوجئت بأن موسيقى استهلال حفل الافتتاح كانت أغنية «الوسيم»، وشعرت بالفخر وشمرت ساعدي لكتابة مقال عن سرقة الكوريين للموسيقى السودانية، ثم قررت أن أفعل ذلك بعد استشارة السيد غوغل، فإذا به يبلغني بأن تلك الموسيقى لأغنية شعبية ذائعة الصيت في كوريا منذ منتصف الأربعينيات، ولم أحزن بل كبُر مطربنا أحمد المصطفى في نظري، لأنه أثبت أنه متابع جيد لموسيقى الشعوب الأخرى، ولم يسرق ذلك اللحن، بل اقتبسه وسَوْدَنه.
وللموسيقار السوداني الراحل سيد خليفة الذي اشتهر عند العرب بأغنيتي «المامبو السوداني»، و«إزيكم كيف إنكم» أغنية اسمها «خاصمتني» نسج كلماتها على موسيقى أغنية يابانية، وأكثر من ترك بصمات على الدارسين بمعهد الموسيقى في السودان أستاذ من كوريا الشمالية، وكانت فرقة الأكروبات السودانية تؤدي فقراتها على الموسيقى الصينية، وبعد أن خلع الزعيم الليبي الراحل قسرا، معمر القذافي الأمة العربية وانحاز إلى إفريقيا، خلعها مطربونا وانحازوا الى آسيا، لأننا خبزنا إفريقيا وعجنَّاها، وعارفين البير وغطاه، وفوق هذا فنحن مؤمنون، ولا ينبغي أن نلدغ من جحر العالم الراكد مرتين! (مصابنا في السودان عظيم فنحن أعضاء في الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية التي تم تغيير اسمها بناء على رغبة ملك ملوك إفريقيا -القذافي- الى الاتحاد الإفريقي).
ثم اكتشفت أن أوجه التشابه بيننا وبين بعض شعوب آسيا تمتد إلى العادات الاجتماعية، فمثلاً عندما قررت الزواج، اعطيت خطيبتي قائمة بمصادر دخلي، وكلفتها بوضع ميزانية الزواج وخطة للادخار، لأنها لو تركت الأمر لي لبقيت هي وأنا معها «عانساً» إلى يومنا هذا، وبعد أن اجتمع لدينا مبلغ «معقول» قلت لها: هيا بنا نكمل مراسيم الزواج، فنظرت إليّ بازدراء وصاحت: أنا بنت فلان وعلان أتزوج بهذا المبلغ الهزيل؟ قلت لها: يا بنت الناس هذا المبلغ مجرد خميرة وسيتضاعف بمجرد إعلاني الرغبة في الزواج، ولكنها لم تفهم ما أعنيه وقالت: ما في زواج ما لم يتضاعف هذا المبلغ، فقلت لها: إذن بلاش زواج! وهنا تحولت إلى كائن وديع وقالت: ما رأيك في أن نتزوج غداً! ما قصدت إبلاغها إياه هو أنني ظللت أسهم مادياً في زيجات كثيرة، وأن أهلي وأصدقائي لن يتخلوا عني وأنا في ذلك المنعطف الخطير، وما من سوداني «ابن بلد»، إلا واصطف أهله وأصدقاؤه يوم زواجه لدفع مبالغ نقدية تعينه على المشوار المهبب، ويحدث الشيء نفسه في المآتم حيث يدفع كل من يأتي لعزاء المكلومين ما تيسر لإعانتهم على نفقات العزاء. وبالفعل فقد اجتمع لدي يوم حفل الزواج مبلغ ضخم «بمقاييسي» فقررت الاحتفاظ به لزيجة أخرى ولكن زوجتي اكتشفت أمره وبحبحت به فطار مشروع الزوجة الثانية حتى الآن، لأنها ما زالت تبحبح!
في كوريا الجنوبية اليوم جدل ساخن يطرح خلاله أن تقديم العون في الزواج والمآتم لا يتناسب مع روح العصر، وخاصة أن بعض ذوي النزعات الاستعراضية باتوا يستغلون تلك المناسبات لإبراز عضلاتهم المادية، ويبدو أننا في السودان أيضاً سنتوقف (بل توقف كثير من أهل المدن) عن ذلك التكافل الجميل ففي ليلة الحنة يقدم المقربون من العريس هباتهم ويعلن عنها عبر مايكروفون: جعفر عباس خمسمائة جنيه... عنتر شهبندر خمسمائة ألف جنيه... وفجأة: قارون هارون سيارة لاندكروزر! وبداهة فإن جعفر وعنتر ومن على شاكلتهم بدأوا يتحرجون في المساهمة في أفراح أقاربهم وأصدقائه كي لا «يَتَهزَّأوا» وهكذا يفسد الهوامير والتماسيح عادات اجتماعية جميلة، و... يقبرونها!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك