العدد : ١٧٥٥٣ - الثلاثاء ١٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٣ - الثلاثاء ١٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

نحن وكوريا سيم سيم

حسبت‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬أن‭ ‬أوجه‭ ‬الشبه‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬السودان‭ ‬وشعوب‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى،‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬التطابق‭ ‬الموسيقي،‭ ‬فالموسيقى‭ ‬الكورية‭ ‬واليابانية‭ ‬مثلاً‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الوجدان‭ ‬السوداني‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬العربية،‭ ‬لتشابه‭ ‬السلالم،‭ ‬وكان‭ ‬رئيس‭ ‬شعبة‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬طوكيو‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬سودانيا‭ ‬اسمه‭ ‬حمزة‭ ‬علاء‭ ‬الدين،‭ ‬وللمغني‭ ‬السوداني‭ ‬الراحل‭ ‬أحمد‭ ‬المصطفى‭ ‬اغنية‭ ‬مشهورة‭ ‬جداً‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬الوسيم‮»‬‭ ‬عمرها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬سنة،‭ ‬واكتشفت‭ ‬مصادفة‭ ‬أن‭ ‬لحنها‭ ‬مأخوذ‭ ‬عن‭ ‬أغنية‭ ‬شعبية‭ ‬كورية‭ ‬جنوبية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬عندما‭ ‬استضافت‭ ‬تلك‭ ‬الـ«كوريا‮»‬‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬كاس‭ ‬العالم‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬وأحرص‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬حفلات‭ ‬افتتاح‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬البطولات‭ ‬والمنافسات‭ ‬الأولمبية‭ ‬الدولية،‭ ‬وفوجئت‭ ‬بأن‭ ‬موسيقى‭ ‬استهلال‭ ‬حفل‭ ‬الافتتاح‭ ‬كانت‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬الوسيم‮»‬،‭ ‬وشعرت‭ ‬بالفخر‭ ‬وشمرت‭ ‬ساعدي‭ ‬لكتابة‭ ‬مقال‭ ‬عن‭ ‬سرقة‭ ‬الكوريين‭ ‬للموسيقى‭ ‬السودانية،‭ ‬ثم‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬استشارة‭ ‬السيد‭ ‬غوغل،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يبلغني‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬الموسيقى‭ ‬لأغنية‭ ‬شعبية‭ ‬ذائعة‭ ‬الصيت‭ ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬الأربعينيات،‭ ‬ولم‭ ‬أحزن‭ ‬بل‭ ‬كبُر‭ ‬مطربنا‭ ‬أحمد‭ ‬المصطفى‭ ‬في‭ ‬نظري،‭ ‬لأنه‭ ‬أثبت‭ ‬أنه‭ ‬متابع‭ ‬جيد‭ ‬لموسيقى‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولم‭ ‬يسرق‭ ‬ذلك‭ ‬اللحن،‭ ‬بل‭ ‬اقتبسه‭ ‬وسَوْدَنه‭.‬

وللموسيقار‭ ‬السوداني‭ ‬الراحل‭ ‬سيد‭ ‬خليفة‭ ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬بأغنيتي‭ ‬‮«‬المامبو‭ ‬السوداني‮»‬،‭ ‬و«إزيكم‭ ‬كيف‭ ‬إنكم‮»‬‭ ‬أغنية‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬خاصمتني‮»‬‭ ‬نسج‭ ‬كلماتها‭ ‬على‭ ‬موسيقى‭ ‬أغنية‭ ‬يابانية،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬بصمات‭ ‬على‭ ‬الدارسين‭ ‬بمعهد‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬أستاذ‭ ‬من‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية،‭ ‬وكانت‭ ‬فرقة‭ ‬الأكروبات‭ ‬السودانية‭ ‬تؤدي‭ ‬فقراتها‭ ‬على‭ ‬الموسيقى‭ ‬الصينية،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬خلع‭ ‬الزعيم‭ ‬الليبي‭ ‬الراحل‭ ‬قسرا،‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وانحاز‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا،‭ ‬خلعها‭ ‬مطربونا‭ ‬وانحازوا‭ ‬الى‭ ‬آسيا،‭ ‬لأننا‭ ‬خبزنا‭ ‬إفريقيا‭ ‬وعجنَّاها،‭ ‬وعارفين‭ ‬البير‭ ‬وغطاه،‭ ‬وفوق‭ ‬هذا‭ ‬فنحن‭ ‬مؤمنون،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نلدغ‭ ‬من‭ ‬جحر‭ ‬العالم‭ ‬الراكد‭ ‬مرتين‭! (‬مصابنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬عظيم‭ ‬فنحن‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭ ‬ومنظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تغيير‭ ‬اسمها‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬ملك‭ ‬ملوك‭ ‬إفريقيا‭ -‬القذافي‭- ‬الى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإفريقي‭).‬

‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬أوجه‭ ‬التشابه‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬بعض‭ ‬شعوب‭ ‬آسيا‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬العادات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فمثلاً‭ ‬عندما‭ ‬قررت‭ ‬الزواج،‭ ‬اعطيت‭ ‬خطيبتي‭ ‬قائمة‭ ‬بمصادر‭ ‬دخلي،‭ ‬وكلفتها‭ ‬بوضع‭ ‬ميزانية‭ ‬الزواج‭ ‬وخطة‭ ‬للادخار،‭ ‬لأنها‭ ‬لو‭ ‬تركت‭ ‬الأمر‭ ‬لي‭ ‬لبقيت‭ ‬هي‭ ‬وأنا‭ ‬معها‭ ‬‮«‬عانساً‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬اجتمع‭ ‬لدينا‭ ‬مبلغ‭ ‬‮«‬معقول‮»‬‭ ‬قلت‭ ‬لها‭: ‬هيا‭ ‬بنا‭ ‬نكمل‭ ‬مراسيم‭ ‬الزواج،‭ ‬فنظرت‭ ‬إليّ‭ ‬بازدراء‭ ‬وصاحت‭: ‬أنا‭ ‬بنت‭ ‬فلان‭ ‬وعلان‭ ‬أتزوج‭ ‬بهذا‭ ‬المبلغ‭ ‬الهزيل؟‭ ‬قلت‭ ‬لها‭: ‬يا‭ ‬بنت‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬مجرد‭ ‬خميرة‭ ‬وسيتضاعف‭ ‬بمجرد‭ ‬إعلاني‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الزواج،‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تفهم‭ ‬ما‭ ‬أعنيه‭ ‬وقالت‭: ‬ما‭ ‬في‭ ‬زواج‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتضاعف‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ،‭ ‬فقلت‭ ‬لها‭: ‬إذن‭ ‬بلاش‭ ‬زواج‭!  ‬وهنا‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬وديع‭ ‬وقالت‭: ‬ما‭ ‬رأيك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نتزوج‭ ‬غداً‭! ‬ما‭ ‬قصدت‭ ‬إبلاغها‭ ‬إياه‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬ظللت‭ ‬أسهم‭ ‬مادياً‭ ‬في‭ ‬زيجات‭ ‬كثيرة،‭ ‬وأن‭ ‬أهلي‭ ‬وأصدقائي‭ ‬لن‭ ‬يتخلوا‭ ‬عني‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المنعطف‭ ‬الخطير،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬سوداني‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬بلد‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬واصطف‭ ‬أهله‭ ‬وأصدقاؤه‭ ‬يوم‭ ‬زواجه‭ ‬لدفع‭ ‬مبالغ‭ ‬نقدية‭ ‬تعينه‭ ‬على‭ ‬المشوار‭ ‬المهبب،‭ ‬ويحدث‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬حيث‭ ‬يدفع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يأتي‭ ‬لعزاء‭ ‬المكلومين‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬لإعانتهم‭ ‬على‭ ‬نفقات‭ ‬العزاء‭.  ‬وبالفعل‭ ‬فقد‭ ‬اجتمع‭ ‬لدي‭ ‬يوم‭ ‬حفل‭ ‬الزواج‭ ‬مبلغ‭ ‬ضخم‭ ‬‮«‬بمقاييسي‮»‬‭ ‬فقررت‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭ ‬لزيجة‭ ‬أخرى‭ ‬ولكن‭ ‬زوجتي‭ ‬اكتشفت‭ ‬أمره‭ ‬وبحبحت‭ ‬به‭ ‬فطار‭ ‬مشروع‭ ‬الزوجة‭ ‬الثانية‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لأنها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تبحبح‭!‬

في‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬اليوم‭ ‬جدل‭ ‬ساخن‭ ‬يطرح‭ ‬خلاله‭ ‬أن‭ ‬تقديم‭ ‬العون‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬والمآتم‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬العصر،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬ذوي‭ ‬النزعات‭ ‬الاستعراضية‭ ‬باتوا‭ ‬يستغلون‭ ‬تلك‭ ‬المناسبات‭ ‬لإبراز‭ ‬عضلاتهم‭ ‬المادية،‭ ‬ويبدو‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬أيضاً‭ ‬سنتوقف‭ (‬بل‭ ‬توقف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬المدن‭) ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التكافل‭ ‬الجميل‭ ‬ففي‭ ‬ليلة‭ ‬الحنة‭ ‬يقدم‭ ‬المقربون‭ ‬من‭ ‬العريس‭ ‬هباتهم‭ ‬ويعلن‭ ‬عنها‭ ‬عبر‭ ‬مايكروفون‭: ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬خمسمائة‭ ‬جنيه‭... ‬عنتر‭ ‬شهبندر‭ ‬خمسمائة‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭... ‬وفجأة‭: ‬قارون‭ ‬هارون‭ ‬سيارة‭ ‬لاندكروزر‭!  ‬وبداهة‭ ‬فإن‭ ‬جعفر‭ ‬وعنتر‭ ‬ومن‭ ‬على‭ ‬شاكلتهم‭ ‬بدأوا‭ ‬يتحرجون‭ ‬في‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬أفراح‭ ‬أقاربهم‭ ‬وأصدقائه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬‮«‬يَتَهزَّأوا‮»‬‭ ‬وهكذا‭ ‬يفسد‭ ‬الهوامير‭ ‬والتماسيح‭ ‬عادات‭ ‬اجتماعية‭ ‬جميلة،‭ ‬و‭...  ‬يقبرونها‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا