العدد : ١٧٥٥٩ - الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٩ - الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

التفوق الأكاديمي لا يكفي

تعاني‭ ‬مملكة‭ ‬النحل‭ ‬من‭ ‬التسلط‭ ‬الأنثوي،‭ ‬لأن‭ ‬أنثى‭ ‬نحلة‭ ‬تستولي‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬وتجلس‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخلية‭ ‬‮«‬تنبل‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬بلا‭ ‬شغل‭ ‬أو‭ ‬مشغلة،‭ ‬تأكل‭ ‬وتشرب‭ ‬وتمارس‭ ‬التناسل‭ ‬بـ«المجان‮»‬،‭ ‬وتصبح‭ ‬الملكة‭ ‬وست‭ ‬الكل،‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬كد‭ ‬وجهد‭ ‬ملايين‭ ‬النحلات‭ ‬اللواتي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طيران‭ ‬متواصل‭ ‬طيلة‭ ‬النهار،‭ ‬جيئة‭ ‬وذهابا‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الزهور‭ ‬والورود‭ ‬والخلية،‭ ‬وينجم‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬إنتاج‭ ‬العسل‭ ‬الشهي،‭ ‬ثم‭ ‬يصبح‭ ‬العسل‭ ‬المقترن‭ ‬بتلك‭ ‬الملكة‭ ‬هو‭ ‬الأغلى‭ ‬سعرا‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬النمل‭ ‬فالكل‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تخزين‭ ‬الطعام،‭ ‬ولكن‭ ‬بنظام‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬نملة‭ ‬مهمة‭ ‬محددة،‭ ‬وغير‭ ‬مسموح‭ ‬لها‭ ‬بالاجتهاد‭ ‬واكتساب‭ ‬خبرات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬أو‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭. ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬التخصص‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬محدد‭ ‬يجعل‭ ‬مخ‭ ‬المتخصص‭ ‬ذا‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬إذا‭ ‬حاد‭ ‬وخرج‭ ‬عنه‭ ‬ضل‭ ‬الطريق‭.‬

اللورد‭ ‬البروفسر‭ ‬روبرت‭ ‬ونستون،‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬علماء‭ ‬وأطباء‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬مختبر‭ ‬للأبحاث‭ ‬الطبية،‭ ‬وكان‭ ‬يقدِّم‭ ‬أنجح‭ ‬برنامجين‭ ‬علميين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬التلفزيون‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬هما‭ ‬child‭ ‬of‭ ‬our‭ ‬time‭ ‬‮»‬طفل‭ ‬زمننا‭ ‬المعاصر‮«‬،‭ ‬وthe‭ ‬human‭ ‬body‭ ‬الجسم‭ ‬البشري،‭ ‬وخلال‭ ‬محاضرة‭ ‬قدمها‭ ‬في‭ ‬أكاديمية‭ ‬كلابتن‭ ‬للبنات‭ ‬فجّر‭ ‬ونستون‭ ‬قنبلة‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬دويُّها‭ ‬يتردد‭ ‬عبر‭ ‬أعمدة‭ ‬صحف‭ ‬بريطانيا‭. ‬قال‭ ‬ونستون‭: ‬‮«‬في‭ ‬مختبر‭ ‬الأبحاث‭ ‬الذي‭ ‬أديره‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لخريجي‭ ‬الجامعات‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬مرتبة‭ ‬الشرف‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‮»‬‭. ‬بالذمة‭ ‬دا‭ ‬كلام‭ ‬يا‭ ‬عم‭ ‬ونستون؟‭ ‬معقولة؟‭ ‬ترفض‭ ‬الخريجين‭ ‬العباقرة‭ ‬وتوظف‭ ‬خريجين‭ ‬بدرجات‭ ‬أقل؟‭ ‬كان‭ ‬رد‭ ‬بروفسر‭ ‬ونستون‭: ‬بلا‭ ‬عباقرة‭ ‬بلا‭ ‬بطيخ‭. ‬الذين‭ ‬يتخرجون‭ ‬بمراتب‭ ‬الشرف‭ ‬العليا‭ ‬قد‭ ‬يعرفون‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬مجالات‭ ‬تخصصهم،‭ ‬ولكن‭ ‬معظمهم‭ ‬دراويش‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحياة،‭ ‬والمهووسون‭ ‬بالتفوق‭ ‬لا‭ ‬يخصصون‭ ‬وقتا‭ ‬للعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فإنهم‭ ‬ينشأون‭ ‬انعزاليين‭ ‬ولا‭ ‬يستطيعون‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬بروح‭ ‬الفريق‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬عندما‭ ‬يدخلون‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭.‬

ما‭ ‬أن‭ ‬ذاعت‭ ‬أقوال‭ ‬ونستون‭ ‬هذه‭ ‬حتى‭ ‬استعادت‭ ‬الصحف‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬جوليان‭ ‬تان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كمبردج،‭ ‬وتفوق‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬نال‭ ‬الدكتوراه،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭: ‬‮«‬كم‭ ‬أنا‭ ‬حزين‭ ‬رغم‭ ‬تلقي‭ ‬تعليمي‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬على‭ ‬العمر‭ ‬الذي‭ ‬ضاع‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والمذاكرة‭ ‬ودهاليز‭ ‬المكتبات،‭ ‬ففشلت‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬صداقات،‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عما‭ ‬يسمى‭ ‬بالحياة‭ ‬الجامعية‮»‬‭. ‬الكلمتان‭ ‬الأخيرتان‭ ‬مهمتان‭ ‬جدا‭: ‬الحياة‭ ‬الجامعية،‭ ‬فالجامعة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬محاضرات‭ ‬وامتحانات‭ ‬ومقالات‭ ‬ودراسات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جمعيات‭ ‬ثقافية‭ ‬ورياضية‭ ‬وترفيهية‭ ‬وندوات‭ ‬وجدل‭ ‬و«عفرتة‭ ‬مقننة‮»‬،‭ ‬وإذا‭ ‬تلقى‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬تعليما‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فيها‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي،‭ ‬تجده‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬شاركوه‭ ‬تلك‭ ‬الأنشطة،‭ ‬ولو‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬كليات‭ ‬غير‭ ‬كليته،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬محافظته‭ ‬على‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬زملاء‭ ‬الكلية‭ ‬‮«‬الرخمين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬حياتهم‭ ‬الجامعية‭: ‬من‭ ‬المحاضرة‭ ‬إلى‭ ‬المكتبة‭ ‬إلى‭ ‬السرير

من‭ ‬تجربتي‭ ‬الخاصة‭ ‬كحامل‭ ‬لبكالوريوس‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬الخرطوم‭ ‬العريقة‭ (‬أو‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستحق‭ ‬تلك‭ ‬الصفة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬النقاش‭ ‬والندوات‭ ‬العامة‭ ‬والمناظرات‭ ‬بين‭ ‬الطلاب‭ ‬كانت‭ ‬أعلى‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬البكالوريوس،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تخصصت‭ ‬فيها،‭ ‬أدخلتني‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬ومخالطة‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬وخارجها‭ ‬دهاليز‭ ‬كانت‭ ‬غريبة‭ ‬علي‭.‬

لا‭ ‬أعني‭ ‬بكلامي‭ ‬أعلاه‭ ‬أنني‭ ‬أشجع‭ ‬الطلاب‭ ‬الجامعيين‭ ‬على‭ ‬تفادي‭ ‬التفوق‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬بل‭ ‬معناه‭ ‬أنني‭ ‬أريد‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتفوقوا‭ ‬أكاديميا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬وثقافيا،‭ ‬فالجامعة‭ ‬هي‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬ينال‭ ‬فيها‭ ‬الطالب‭/ ‬الطالبة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬وليس‭ ‬فيها‭ ‬عقاب‭ ‬بدني‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬شتائم‭ ‬يوجهها‭ ‬المدرسون‭ ‬للدارسين‭ (‬هكذا‭ ‬كان‭ ‬حال‭ ‬الجامعات‭ ‬على‭ ‬أيامنا‭ ‬ولكنني‭ ‬أسمع‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬أساتذة‭ ‬يخاطبون‭ ‬طلابهم‭ ‬بمفردات‭ ‬من‭ ‬نوع‭: ‬ثور‭.. ‬غبي‭.. ‬حيوان‭. ‬والحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬الرشيد‭ ‬هو‭ ‬حسن‭ ‬إنفاق‭ ‬الوقت‭ ‬فيما‭ ‬يفيد،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الجامعة‭ ‬تستحق‭ ‬اسمها‭ ‬فينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفيد‭ ‬خارج‭ ‬قاعات‭ ‬المحاضرات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭ ‬التي‭ ‬يجنيها‭ ‬الطالب‭ ‬من‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المحاضرات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا