زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
بصمات صحفية جعفرية (1)
من حقي أن أزعم - طالما الزعم ببلاش - أنني صحفي «مبروك»، بدليل أنني وجدت القبول من المؤسسات الصحفية في منطقة الخليج، وما عملت في جريدة إلا وحلّت فيها البركة!! وقبل طرح الأدلة والبراهين على ذلك لابد من التنويه إلى أنني لم أعمل بالصحافة في بلدي قط، بل لم أفكر في ذلك قط، لأنه ما من صحيفة سودانية كانت ستقبل بي وأنا خريج سجون، (معتقل سياسي)، ولدي ملف «أمني»، أخذاً في الاعتبار ان حكومة جعفر نميري التي طفشتني من السودان كانت قد أممت الصحف وجعلتها ملكا للدولة وناطقة باسم التنظيم «الأوحد» الحاكم، وحتى بعد ان قبلت بي الصحف السودانية كاتبا في السنوات الأخيرة، فإن عدد مقالاتي التي منعت من النشر في الخرطوم خلال سبع سنوات أكثر من عدد مقالاتي التي رفضها الرقباء في أربع دول خليجية طوال 25 سنة، وفي حالات كثيرة فإن رؤساء ومديري تحرير الصحف السودانية وليس الأجهزة الرقابية هي التي كانت تمنع نشر مقالاتي بحجة أنها «ملغومة»، وتحت السواهي دواهي، وتعرضت للإيقاف التام عن الكتابة في صحيفتين سودانيتين لأن مسؤولا ما قال للقائمين على أمر التحرير فيهما ما معناه «جعفر ده خبيث خلّو بالكم منه»، فقرروا إيقافي عن الكتابة بعقلية ابعد عن الشر المتمثل في جعفر. واعترف بأنني ظللت أناكف حكومة عمر البشير منذ يومها الأول، غمزا ولمزا لأن التصريح بمعارضتها لم يكن مقبولا صحفيا، ومن ثم لم أكتب كلمة واحدة قط تأييدا لها، ولكن ذلك لم يمنع أن تكون لدي علاقات شخصية قوية مع كبار المسؤولين والوزراء فيها، والأعجب من كل ذلك أن تلك العلاقات نشأت في معظمها بسبب تلك المشاكسات والمناكفات، بل ولسنوات طويلة ظل المستشار الصحفي للرئيس السوداني السابق عمر البشير يتصل بي هاتفيا بين الحين والآخر معقبا على ما أكتب، وكثيرا ما ختم كلامه بعبارة: لو راجل تعال الخرطوم، ويا ما ذهبت الى الخرطوم ثم غادرتها فتأتيني منه مكالمة: مش عيب عليك تجي السودان وما تزورنا؟ فأرد عليه: جيت السودان عشان اثبت لك أني راجل، وتفاديت مقابلتك حقنا لدمائك. باختصار فالمسؤولون عن الصحف يخافون على أكل عيشهم، فيخرسون بعض الأصوات أحيانا من دون صدور أمر رسمي بـ«الإخراس».
دخلت مجال الصحافة المكتوبة الورقية في منطقة الخليج، وعملت صحفيا في «المطبخ»، أحرر الأخبار وأكتب التحقيقات وأحاور هذا وذاك وأكتب الافتتاحيات، ثم، وبعد سنوات فاض بي الكيل وحلفت بأن زوجاتي من رقم 2 إلى رقم 4 طالقات لو مارست الصحافة المكتوبة كوسيلة لكسب الرزق، لأنها شغلانة تهد الحيل وتسبب العقم والدوالي والتهاب البروستات وحصوة المرارة، وما هو شر من كل ذلك أن تكون مطالبا بالسهر ليلا والنوم نهارا.. وتحولت الى كاتب صحفي من «البيت»، أرسل مقالاتي بالبريد ثم الفاكس ثم الايميل، ثم عدت صحفيا تلفزيونيا، ولكن القنوات التي عملت بها تمنعني من الظهور على شاشاتها خوفا على النساء من الفتنة (ويقول بعض الخبثاء إن المنع، خوفا على الأطفال من الكوابيس).
أعود الى موضوع البركات التي تحل بكل صحيفة أعمل بها: عندما عملت بجريدة الراية القطرية في عام 1979 اجتاحت القوات السوفيتية أفغانستان، ونشأت حركة المجاهدين. هل هذه بركة؟ نعم بركة يا جاهل. فالصحافة تنتعش بالمصائب والكوارث مثل الحروب والتسونامي، وأتعس لحظات العمل الصحفي تلك التي يجلس فيها فريق التحرير بحثا عن مانشيت (عنوان رئيسي)، أما لو كانت هناك كارثة تسفر عن قتلى بالكوم كل يوم، فالمانشيت جاهز كل يوم مع بعض التنويعات في الصياغة. وظلت المعارك بين السوفييت والأفغان وجبة رئيسية على صدر جريدة الراية بل وكنت مكلفا بإعداد صفحة كاملة يوميا عن تلك الحرب مترجمة من الصحافة الأمريكية والبريطانية، وبانتقالي الى مؤسسة الاتحاد للصحافة في ابوظبي ثبت بالبرهان الحاسم انني صحفي «مبروك».
وسأقدم الدليل على ذلك غدا إن شاء الله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك