العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

بصمات صحفية جعفرية (1)

من‭ ‬حقي‭ ‬أن‭ ‬أزعم‭ - ‬طالما‭ ‬الزعم‭ ‬ببلاش‭ - ‬أنني‭ ‬صحفي‭ ‬‮«‬مبروك‮»‬،‭ ‬بدليل‭ ‬أنني‭ ‬وجدت‭ ‬القبول‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحفية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬وما‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬إلا‭ ‬وحلّت‭ ‬فيها‭ ‬البركة‭!! ‬وقبل‭ ‬طرح‭ ‬الأدلة‭ ‬والبراهين‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التنويه‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أعمل‭ ‬بالصحافة‭ ‬في‭ ‬بلدي‭ ‬قط،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قط،‭ ‬لأنه‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬سودانية‭ ‬كانت‭ ‬ستقبل‭ ‬بي‭ ‬وأنا‭ ‬خريج‭ ‬سجون،‭ (‬معتقل‭ ‬سياسي‭)‬،‭ ‬ولدي‭ ‬ملف‭ ‬‮«‬أمني‮»‬،‭ ‬أخذاً‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬ان‭ ‬حكومة‭ ‬جعفر‭ ‬نميري‭ ‬التي‭ ‬طفشتني‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أممت‭ ‬الصحف‭ ‬وجعلتها‭ ‬ملكا‭ ‬للدولة‭ ‬وناطقة‭ ‬باسم‭ ‬التنظيم‭ ‬‮«‬الأوحد‮»‬‭ ‬الحاكم،‭ ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬قبلت‭ ‬بي‭ ‬الصحف‭ ‬السودانية‭ ‬كاتبا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فإن‭ ‬عدد‭ ‬مقالاتي‭ ‬التي‭ ‬منعت‭ ‬من‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬خلال‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬مقالاتي‭ ‬التي‭ ‬رفضها‭ ‬الرقباء‭ ‬في‭ ‬أربع‭ ‬دول‭ ‬خليجية‭ ‬طوال‭ ‬25‭ ‬سنة،‭ ‬وفي‭ ‬حالات‭ ‬كثيرة‭ ‬فإن‭ ‬رؤساء‭ ‬ومديري‭ ‬تحرير‭ ‬الصحف‭ ‬السودانية‭ ‬وليس‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقابية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمنع‭ ‬نشر‭ ‬مقالاتي‭ ‬بحجة‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬ملغومة‮»‬،‭ ‬وتحت‭ ‬السواهي‭ ‬دواهي،‭ ‬وتعرضت‭ ‬للإيقاف‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬صحيفتين‭ ‬سودانيتين‭ ‬لأن‭ ‬مسؤولا‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬للقائمين‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬التحرير‭ ‬فيهما‭ ‬ما‭ ‬معناه‭ ‬‮«‬جعفر‭ ‬ده‭ ‬خبيث‭ ‬خلّو‭ ‬بالكم‭ ‬منه‮»‬،‭ ‬فقرروا‭ ‬إيقافي‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬بعقلية‭ ‬ابعد‭ ‬عن‭ ‬الشر‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬جعفر‭. ‬واعترف‭ ‬بأنني‭ ‬ظللت‭ ‬أناكف‭ ‬حكومة‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬منذ‭ ‬يومها‭ ‬الأول،‭ ‬غمزا‭ ‬ولمزا‭ ‬لأن‭ ‬التصريح‭ ‬بمعارضتها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مقبولا‭ ‬صحفيا،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬أكتب‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬قط‭ ‬تأييدا‭ ‬لها،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لدي‭ ‬علاقات‭ ‬شخصية‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬والوزراء‭ ‬فيها،‭ ‬والأعجب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬بسبب‭ ‬تلك‭ ‬المشاكسات‭ ‬والمناكفات،‭ ‬بل‭ ‬ولسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬ظل‭ ‬المستشار‭ ‬الصحفي‭ ‬للرئيس‭ ‬السوداني‭ ‬السابق‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬يتصل‭ ‬بي‭ ‬هاتفيا‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬معقبا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أكتب،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬ختم‭ ‬كلامه‭ ‬بعبارة‭: ‬لو‭ ‬راجل‭ ‬تعال‭ ‬الخرطوم،‭ ‬ويا‭ ‬ما‭ ‬ذهبت‭ ‬الى‭ ‬الخرطوم‭ ‬ثم‭ ‬غادرتها‭ ‬فتأتيني‭ ‬منه‭ ‬مكالمة‭: ‬مش‭ ‬عيب‭ ‬عليك‭ ‬تجي‭ ‬السودان‭ ‬وما‭ ‬تزورنا؟‭ ‬فأرد‭ ‬عليه‭: ‬جيت‭ ‬السودان‭ ‬عشان‭ ‬اثبت‭ ‬لك‭ ‬أني‭ ‬راجل،‭ ‬وتفاديت‭ ‬مقابلتك‭ ‬حقنا‭ ‬لدمائك‭. ‬باختصار‭ ‬فالمسؤولون‭ ‬عن‭ ‬الصحف‭ ‬يخافون‭ ‬على‭ ‬أكل‭ ‬عيشهم،‭ ‬فيخرسون‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬صدور‭ ‬أمر‭ ‬رسمي‭ ‬بـ‮«‬الإخراس‮»‬‭.‬

دخلت‭ ‬مجال‭ ‬الصحافة‭ ‬المكتوبة‭ ‬الورقية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬وعملت‭ ‬صحفيا‭ ‬في‭ ‬‮«‬المطبخ‮»‬،‭ ‬أحرر‭ ‬الأخبار‭ ‬وأكتب‭ ‬التحقيقات‭ ‬وأحاور‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬وأكتب‭ ‬الافتتاحيات،‭ ‬ثم،‭ ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬فاض‭ ‬بي‭ ‬الكيل‭ ‬وحلفت‭ ‬بأن‭ ‬زوجاتي‭ ‬من‭ ‬رقم‭ ‬2‭ ‬إلى‭ ‬رقم‭ ‬4‭ ‬طالقات‭ ‬لو‭ ‬مارست‭ ‬الصحافة‭ ‬المكتوبة‭ ‬كوسيلة‭ ‬لكسب‭ ‬الرزق،‭ ‬لأنها‭ ‬شغلانة‭ ‬تهد‭ ‬الحيل‭ ‬وتسبب‭ ‬العقم‭ ‬والدوالي‭ ‬والتهاب‭ ‬البروستات‭ ‬وحصوة‭ ‬المرارة،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬شر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مطالبا‭ ‬بالسهر‭ ‬ليلا‭ ‬والنوم‭ ‬نهارا‭.. ‬وتحولت‭ ‬الى‭ ‬كاتب‭ ‬صحفي‭ ‬من‭ ‬‮«‬البيت‮»‬،‭ ‬أرسل‭ ‬مقالاتي‭ ‬بالبريد‭ ‬ثم‭ ‬الفاكس‭ ‬ثم‭ ‬الايميل،‭ ‬ثم‭ ‬عدت‭ ‬صحفيا‭ ‬تلفزيونيا،‭ ‬ولكن‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬بها‭ ‬تمنعني‭ ‬من‭ ‬الظهور‭ ‬على‭ ‬شاشاتها‭ ‬خوفا‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬الفتنة‭ (‬ويقول‭ ‬بعض‭ ‬الخبثاء‭ ‬إن‭ ‬المنع،‭ ‬خوفا‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬الكوابيس‭).‬

أعود‭ ‬الى‭ ‬موضوع‭ ‬البركات‭ ‬التي‭ ‬تحل‭ ‬بكل‭ ‬صحيفة‭ ‬أعمل‭ ‬بها‭: ‬عندما‭ ‬عملت‭ ‬بجريدة‭ ‬الراية‭ ‬القطرية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬اجتاحت‭ ‬القوات‭ ‬السوفيتية‭ ‬أفغانستان،‭ ‬ونشأت‭ ‬حركة‭ ‬المجاهدين‭. ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬بركة؟‭ ‬نعم‭ ‬بركة‭ ‬يا‭ ‬جاهل‭. ‬فالصحافة‭ ‬تنتعش‭ ‬بالمصائب‭ ‬والكوارث‭ ‬مثل‭ ‬الحروب‭ ‬والتسونامي،‭ ‬وأتعس‭ ‬لحظات‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يجلس‭ ‬فيها‭ ‬فريق‭ ‬التحرير‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬مانشيت‭ (‬عنوان‭ ‬رئيسي‭)‬،‭ ‬أما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬كارثة‭ ‬تسفر‭ ‬عن‭ ‬قتلى‭ ‬بالكوم‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬فالمانشيت‭ ‬جاهز‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬التنويعات‭ ‬في‭ ‬الصياغة‭. ‬وظلت‭ ‬المعارك‭ ‬بين‭ ‬السوفييت‭ ‬والأفغان‭ ‬وجبة‭ ‬رئيسية‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬جريدة‭ ‬الراية‭ ‬بل‭ ‬وكنت‭ ‬مكلفا‭ ‬بإعداد‭ ‬صفحة‭ ‬كاملة‭ ‬يوميا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬مترجمة‭ ‬من‭ ‬الصحافة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية،‭ ‬وبانتقالي‭ ‬الى‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاتحاد‭ ‬للصحافة‭ ‬في‭ ‬ابوظبي‭ ‬ثبت‭ ‬بالبرهان‭ ‬الحاسم‭ ‬انني‭ ‬صحفي‭ ‬‮«‬مبروك‮»‬‭.‬

وسأقدم‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬غدا‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا