العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وخدعني صوتها الرقيق

التحقت‭ ‬بشركة‭ ‬الاتصالات‭ ‬القطرية‭ (‬كيوتل‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬لاحقا‭ ‬أوريدو‭) ‬رئيسا‭ ‬لقسم‭ ‬الترجمة،‭ ‬ثم‭ ‬ضموا‭ ‬إلي‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة،‭ ‬ثم‭ ‬صرت‭ ‬منسق‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا،‭ ‬أي‭ ‬همزة‭ ‬الوصل‭ ‬بين‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬ومديري‭ ‬القطاعات‭ ‬والإدارات،‭ ‬ولكن‭ ‬ظلت‭ ‬أمور‭ ‬الترجمة‭ ‬موكلة‭ ‬إلي‭ ‬في‭ ‬معظمها،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬علاقتي‭ ‬بلغة‭ ‬الاتصالات‭ ‬بدأت‭ ‬بتكليفي‭ ‬بتعريب‭ ‬كل‭ ‬وثيقة‭ ‬وورقة‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬الاتصالات‭ ‬الإماراتية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنتين،‭ ‬وطوال‭ ‬16‭ ‬سنة‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الترجمة‭ ‬للأمور‭ ‬السلكية‭ ‬واللاسلكية‭ ‬والحسابات‭ ‬والموازنات،‭ ‬تيقنت‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬‮«‬نظريتي‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬أهل‭ ‬المعرفة‭ ‬أكثر‭ ‬فائدة‭ ‬للمترجم‭ ‬من‭ ‬القواميس،‭ ‬مثلا‭ -‬في‭ ‬المحاسبة‭- ‬لا‭ ‬جدوى‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬‮«‬الحسابات‭ ‬النظامية‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬مجال‭ ‬للفهلوة‭ ‬بسَك‭ ‬ترجمة‭ ‬حرفية‭ ‬لها،‭ ‬بل‭ ‬المجدي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬محاسبا‭ ‬عن‭ ‬ماهيتها‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬سياق‭ ‬تستخدم‭ ‬ولتفيد‭ ‬‮«‬ماذا‮»‬‭. ‬ومثال‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الحسابات‭: ‬‮«‬الاستهلاك‮»‬‭ ‬المتعلق‭ ‬مثلا‭ ‬بالمعدات‭ ‬والأصول‭ ‬الثابتة‭ (‬وما‭ ‬هي‭ ‬أصلا‭ ‬الأصول‭ ‬الثابتة‭)‬،‭ ‬فهناك‭ ‬إغراء‭ ‬ان‭ ‬تترجمها‭ ‬الى‭ ‬الانجليزية‭ ‬‮«‬كونسامشن‭ ‬consumption‭ ‬ولكنك‭ ‬بهذا‭ ‬تجعل‭ ‬نفسك‭ ‬أضحوكة‭. ‬وجهاز‭ ‬النداء‭ ‬هو‭ ‬البيجر‭ ‬او‭ ‬البليب‭ ‬وليس‭ (‬كول‭ ‬call‭).‬

المهم‭ ‬أنني‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التحاقي‭ ‬بكيوتل‭ ‬كنت‭ ‬أنشف‭ ‬ريق‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬بأسئلتي‭ ‬المتكررة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬وتلك،‭ ‬وكان‭ ‬صديقي‭ ‬هاء‭ ‬ميم‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬ضحاياي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬وقتها‭ ‬مديرا‭ ‬لإدارة‭ ‬الترددات‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وبسبب‭ ‬اتصالاتي‭ ‬المتكررة‭ ‬به،‭ (‬اتصلت‭ ‬فيك‭. ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬صحيحة‭ ‬لغوية‭ ‬فأنت‭ ‬تتصل‭ ‬بشخص‭ ‬وليس‭ ‬فيه‭) ‬صرنا‭ ‬أصدقاء‭ ‬يسأل‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬عن‭ ‬حال‭ ‬الآخر‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬نلتقي،‭ ‬وكانت‭ ‬سكرتيرته‭ ‬الآسيوية‭ ‬تتولى‭ ‬استقبال‭ ‬مكالماتي‭ ‬وتحويلها‭ ‬إليه،‭ ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬صارت‭ ‬تميز‭ ‬صوتي‭ ‬وتتبادل‭ ‬معي‭ ‬التحية‭ ‬وعبارات‭ ‬البكش‭ ‬المعتادة‭. ‬كان‭ ‬صوتها‭ ‬ينقض‭ ‬الوضوء‭. ‬صوت‭ ‬فيه‭ ‬رقة‭ ‬ودلال‭ ‬وغنج‭. ‬وكان‭ ‬مكتب‭ ‬‮«‬هاء‮»‬‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬وسط‭ ‬مدينة‭ ‬الدوحة،‭ ‬حيث‭ ‬أعمل‭ ‬ضمن‭ ‬أسرة‭ ‬المكتب‭ ‬الرئيسي،‭ ‬وبإلحاح‭ ‬من‭ ‬هاء‭ ‬قمت‭ ‬بزيارته‭.. ‬مررت‭ ‬بشخص‭ ‬في‭ ‬مدخل‭ ‬مكتبه‭ ‬وحييته‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عابر‭ ‬ودخلت‭ ‬عليه‭ ‬وبعد‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬منه،‭ ‬سألته‭ ‬أين‭ ‬سكرتيرتك؟‭ ‬فقال‭ ‬لي‭: ‬توّك‭ ‬قابلتها‭ ‬قبل‭ ‬لا‭ ‬تدش‭ ‬علي‭!! ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إنني‭ ‬أسأل‭ ‬عن‭ ‬سكرتيرته‭ ‬فلانة‭ ‬ذات‭ ‬الصوت‭ ‬الكهربائي،‭ ‬فنطق‭ ‬باسمها‭ ‬ودخلت‭ ‬علينا‭. ‬كان‭ ‬الذي‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الأنوثة‭ ‬والدلال‭ ‬والغنج‭ ‬كالذي‭ ‬بين‭ ‬شعبولا‭ ‬والرشاقة‭ ‬والأناقة‭. ‬اعتبرت‭ ‬الأمر‭ ‬مزحة‭ ‬من‭ ‬هاء،‭ ‬ولكنها‭ ‬صارت‭ ‬تتحدث‭ ‬معي‭ ‬بنفس‭ ‬نغمة‭ ‬صوتها‭ ‬الذي‭ ‬اعتدت‭ ‬عليه‭: ‬هاو‭ ‬آر‭ ‬يو؟‭ ‬هاو‭ ‬إز‭ ‬ذا‭ ‬فاميلي؟‭ ‬ولو‭ ‬أغمضت‭ ‬عينيك‭ ‬لحسبت‭ ‬أن‭ ‬التي‭ ‬تخاطبك‭ ‬هي‭ ‬سعاد‭ ‬حسني‭ ‬موديل‭ ‬1965،‭ ‬وبمرور‭ ‬الوقت‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬طبقتين‭ ‬صوتيتين‭: ‬واحدة‭ ‬تذيب‭ ‬الصخر‭ ‬وواحدة‭ ‬تسبب‭ ‬القهر‭ ‬والضجر،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تفتعل‭ ‬الرقة‭ ‬والغنج‭ ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬وقلت‭ ‬لهاء‭: ‬أنت‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬وسيم‭ ‬وأنيق‭ ‬فكيف‭ ‬بلغ‭ ‬بك‭ ‬فساد‭ ‬الذوق‭ ‬أن‭ ‬تصطبح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بواحدة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬لها‭ ‬جنسا‭ ‬لولا‭ ‬ملابسها‭ ‬ونبرات‭ ‬صوتها‭ ‬المفبركة‭. ‬كان‭ ‬وزنها‭ ‬نحو‭ ‬32‭ ‬كيلو‭ ‬وترتدي‭ ‬ثيابا‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬عظام‭ ‬نخِرة،‭ ‬وتمنيت‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬مسلمة‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬لي‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬حضها‭ ‬على‭ ‬ارتداء‭ ‬التشادور‭ ‬الأفغاني‭ (‬ثم‭ ‬دارت‭ ‬السنين‭ ‬وثبت‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬الصوت‭ ‬كانت‭ ‬تختبئ‭ ‬عفريتة‭ ‬محترفة،‭ ‬وتم‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬بكل‭ ‬هدوء‭). ‬وأكدت‭ ‬تلك‭ ‬الوقائع‭ ‬أن‭ ‬المظاهر‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬صوتا‭ ‬أو‭ ‬ملبسا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مسلكا‭ ‬خدّاعة‭ ‬وإن‭ ‬رقة‭ ‬الصوت‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬ان‭ ‬الشخص‭ ‬رقيق‭ ‬الإحساس،‭ ‬وأن‭ ‬القيافة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬عنوان‭ ‬الهيافة‭.‬

كانت‭ ‬كيوتل‭ ‬‮«‬صغيرة‮»‬‭ ‬وكنت‭ ‬أكاد‭ ‬أعرف‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬فيها،‭ ‬ولم‭ ‬انقطع‭ ‬عنها‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تركت‭ ‬العمل‭ ‬فيها،‭ ‬ومن‭ ‬عجيب‭ ‬أمر‭ ‬كيوتل‭ ‬أن‭ ‬طاقم‭ ‬موظفيها‭ ‬ضم‭ ‬أشخاصا‭ ‬أسماؤهم‭ ‬كما‭ ‬يلي‭ (‬والله‭ ‬لا‭ ‬أكذب‭): ‬البطة،‭ ‬وحمام،‭ ‬وعصفور،‭ ‬وصقر،‭ ‬وشحرور‭!! ‬شركة‭ ‬اتصالات‭ ‬أم‭ ‬محمية‭ ‬طبيعية؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا