زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وخدعني صوتها الرقيق
التحقت بشركة الاتصالات القطرية (كيوتل التي صارت لاحقا أوريدو) رئيسا لقسم الترجمة، ثم ضموا إلي العلاقات العامة، ثم صرت منسق الإدارة العليا، أي همزة الوصل بين المدير العام ومديري القطاعات والإدارات، ولكن ظلت أمور الترجمة موكلة إلي في معظمها، وخاصة أن علاقتي بلغة الاتصالات بدأت بتكليفي بتعريب كل وثيقة وورقة في شركة الاتصالات الإماراتية على مدى سنتين، وطوال 16 سنة قضيتها في مجال الترجمة للأمور السلكية واللاسلكية والحسابات والموازنات، تيقنت من صحة «نظريتي» بأن أهل المعرفة أكثر فائدة للمترجم من القواميس، مثلا -في المحاسبة- لا جدوى من البحث في قاموس عن معنى «الحسابات النظامية»، ولا مجال للفهلوة بسَك ترجمة حرفية لها، بل المجدي هو أن تسأل محاسبا عن ماهيتها وفي أي سياق تستخدم ولتفيد «ماذا». ومثال آخر من عالم الحسابات: «الاستهلاك» المتعلق مثلا بالمعدات والأصول الثابتة (وما هي أصلا الأصول الثابتة)، فهناك إغراء ان تترجمها الى الانجليزية «كونسامشن consumption ولكنك بهذا تجعل نفسك أضحوكة. وجهاز النداء هو البيجر او البليب وليس (كول call).
المهم أنني وخاصة في الأشهر الأولى من التحاقي بكيوتل كنت أنشف ريق المختصين في كل مجال بأسئلتي المتكررة عن هذه وتلك، وكان صديقي هاء ميم من أكبر ضحاياي، فقد كان وقتها مديرا لإدارة الترددات والعلاقات الدولية، وبسبب اتصالاتي المتكررة به، (اتصلت فيك. الشائعة في عدد من الدول العربية ليست صحيحة لغوية فأنت تتصل بشخص وليس فيه) صرنا أصدقاء يسأل كل منا عن حال الآخر بين الحين والآخر دون ان نلتقي، وكانت سكرتيرته الآسيوية تتولى استقبال مكالماتي وتحويلها إليه، وشيئا فشيئا صارت تميز صوتي وتتبادل معي التحية وعبارات البكش المعتادة. كان صوتها ينقض الوضوء. صوت فيه رقة ودلال وغنج. وكان مكتب «هاء» بعيدا عن وسط مدينة الدوحة، حيث أعمل ضمن أسرة المكتب الرئيسي، وبإلحاح من هاء قمت بزيارته.. مررت بشخص في مدخل مكتبه وحييته على نحو عابر ودخلت عليه وبعد السلام الذي منه، سألته أين سكرتيرتك؟ فقال لي: توّك قابلتها قبل لا تدش علي!! قلت له إنني أسأل عن سكرتيرته فلانة ذات الصوت الكهربائي، فنطق باسمها ودخلت علينا. كان الذي بينها وبين الأنوثة والدلال والغنج كالذي بين شعبولا والرشاقة والأناقة. اعتبرت الأمر مزحة من هاء، ولكنها صارت تتحدث معي بنفس نغمة صوتها الذي اعتدت عليه: هاو آر يو؟ هاو إز ذا فاميلي؟ ولو أغمضت عينيك لحسبت أن التي تخاطبك هي سعاد حسني موديل 1965، وبمرور الوقت أدركت أن لها طبقتين صوتيتين: واحدة تذيب الصخر وواحدة تسبب القهر والضجر، بمعنى أنها كانت تفتعل الرقة والغنج في الكلام، وقلت لهاء: أنت ما شاء الله عليك وسيم وأنيق فكيف بلغ بك فساد الذوق أن تصطبح كل يوم بواحدة لا تعرف لها جنسا لولا ملابسها ونبرات صوتها المفبركة. كان وزنها نحو 32 كيلو وترتدي ثيابا تكشف عن عظام نخِرة، وتمنيت لو كانت مسلمة حتى يكون لي الحق في حضها على ارتداء التشادور الأفغاني (ثم دارت السنين وثبت أن وراء ذلك الصوت كانت تختبئ عفريتة محترفة، وتم التخلص منها بكل هدوء). وأكدت تلك الوقائع أن المظاهر سواء كانت صوتا أو ملبسا أو حتى مسلكا خدّاعة وإن رقة الصوت لا تعني ان الشخص رقيق الإحساس، وأن القيافة قد تكون عنوان الهيافة.
كانت كيوتل «صغيرة» وكنت أكاد أعرف جميع العاملين فيها، ولم انقطع عنها منذ أن تركت العمل فيها، ومن عجيب أمر كيوتل أن طاقم موظفيها ضم أشخاصا أسماؤهم كما يلي (والله لا أكذب): البطة، وحمام، وعصفور، وصقر، وشحرور!! شركة اتصالات أم محمية طبيعية؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك