العدد : ١٧٥٦٩ - الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٩ - الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

بصمات صحفية جعفرية (2)

وعدتكم‭ ‬بالأمس‭ ‬بتقديم‭ ‬دليل‭ ‬إضافي‭ ‬يؤكد‭ ‬أنني‭ ‬صحفي‭ ‬مبروك،‭ ‬فقد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬أبوظبي‭ ‬ذات‭ ‬عصر،‭ ‬ونمت‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬استضافوني‭ ‬فيه،‭ ‬وفي‭ ‬صبيحة‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التوجه‭ ‬الى‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاتحاد‭ ‬للصحافة‭ ‬والنشر،‭ ‬لينالوا‭ ‬شرف‭ ‬التعرُّف‭ ‬بي،‭ ‬وأخذ‭ ‬علم‭ ‬بوصولي،‭ ‬كي‭ ‬أبدأ‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬إمارات‭ ‬نيوز‭ ‬الإنجليزية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدرها‭ ‬المؤسسة‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬شقيقتها‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬الاتحاد‮»‬،‭ ‬ومجلتي‭ ‬زهرة‭ ‬الخليج‭ ‬النسائية‭ ‬وماجد‭ ‬للأطفال،‭ ‬وأوقفت‭ ‬سيارة‭ ‬تاكسي‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬توصيلي‭ ‬الى‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬سمع‭ ‬باسم‭ ‬المؤسسة‭ ‬الصحفية‭ ‬حتى‭ ‬بدأ‭ ‬الكلام‭ ‬يتدفق‭ ‬من‭ ‬فمه‭ ‬بمفردات‭ ‬بعضها‭ ‬عربي‭ ‬وبعضها‭ ‬غريب‭ ‬تماما‭ ‬على‭ ‬أذني،‭ ‬وانتبهت‭ ‬الى‭ ‬أنه‭ ‬ردد‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬جنجال‮»‬‭ ‬كثيرا،‭ ‬ولابد‭ ‬أنه‭ ‬استنتج‭ ‬انني‭ ‬صحفي‭ ‬جاهل‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أعقب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬وأنزلني‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسة‭ ‬وقبض‭ ‬أجرته‭ ‬وهو‭ ‬ينظر‭ ‬إلي‭ ‬بازدراء‭.‬

ودخلت‭ ‬مبنى‭ ‬المؤسسة‭ ‬ولاحظت‭ ‬أن‭ ‬عشرات‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬يتحركون‭ ‬بهمة‭ ‬ونشاط‭ ‬مسلحين‭ ‬بقصاصات‭ ‬من‭ ‬برقيات‭ ‬الوكالات‭. ‬حاولت‭ ‬‮«‬التفاهم‮»‬‭ ‬مع‭ ‬أحدهم‭ ‬وألقيت‭ ‬عليه‭ ‬التحية‭: ‬السلام‭ ‬عليكم،‭ ‬فكان‭ ‬رده‭: ‬بعدين‭ .. ‬بعدين‭.. ‬مش‭ ‬وقته‭.. ‬سرت‭ ‬الرعدة‭ ‬في‭ ‬أوصالي‭: ‬ما‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يؤجلون‭ ‬‮«‬السلام‮»‬‭ ‬لـ«بعدين‮»‬؟‭ ‬هل‭ ‬يدل‭ ‬شكلي‭ ‬على‭ ‬أنني‭ ‬إسرائيلي‭ ‬ليقول‭ ‬لي‭ ‬إن‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬مش‭ ‬وقته»؟‭ ‬دخلت‭ ‬قاعة‭ ‬ضخمة‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬الصحفيين،‭ ‬وكانوا‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ذهول‭ ‬وانشغال،‭ ‬ويتصايحون‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭: ‬ما‭ ‬هذا؟‭ ‬هل‭ ‬أنزلني‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬للمصابين‭ ‬بأمراض‭ ‬عقلية؟‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬كانت‭ ‬تجلس‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬وألقيت‭ ‬عليهم‭ ‬التحية،‭ ‬فرد‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬فقط‭ ‬بـ«أهلا‮»‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إلي‭. ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أمسك‭ ‬لساني‮»‬‭. ‬لا‭ ‬سلام‭ ‬على‭ ‬قوم‭ ‬لئام،‭ ‬وطفت‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المؤسسة‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬اللافتة‭ ‬الخاصة‭ ‬بجريدة‭ ‬إمارات‭ ‬نيوز‭ ‬التي‭ ‬سأعمل‭ ‬بها،‭ ‬وبعد‭ ‬دقائق‭ ‬وجدت‭ ‬القسم‭ ‬الخاص‭ ‬بها،‭ ‬ولكن‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬الموجودين‭ ‬فيها‭ ‬كانوا‭ ‬أيضا‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬لوثة‭ ‬عقلية‭ ‬وبائية،‭ ‬ولمحت‭ ‬لحسن‭ ‬حظي‭ ‬شخصا‭ ‬أسمر‭ ‬أدركت‭ ‬أنه‭ ‬سوداني‭ ‬وذهبت‭ ‬إليه‭ ‬وصافحته،‭ ‬وأبلغته‭ ‬بأنني‭ ‬‮«‬الزميل‭ ‬الجديد‮»‬،‭ ‬فعانقني‭ ‬وقال‭: ‬اخترت‭ ‬تاريخا‭ ‬غير‭ ‬موفق‭ ‬لبدء‭ ‬العمل‭ ‬هنا،‭ ‬ثم‭ ‬شرح‭ ‬لي‭ ‬سر‭ ‬الفيروس‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬الجنون‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭: ‬الطائرات‭ ‬العراقية‭ ‬قصفت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬مساء‭ ‬أمس،‭ ‬وتحركت‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬للطرفين‭ ‬اليوم‭. ‬والحرب‭ (‬الجنجال‭) ‬اشتعلت‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬الخميني‭ ‬وعراق‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭.‬

هل‭ ‬أقتنعتم‭ ‬الآن‭ ‬بأنني‭ ‬صحفي‭ ‬مبروك،‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬الراية‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬وبدأت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬بين‭ ‬السوفييت‭ ‬والمجاهدين،‭ ‬ووصلت‭ ‬الى‭ ‬ابوظبي‭ ‬لأعمل‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاتحاد،‭ ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬يومي‭ ‬الأول‭ ‬فيها‭ ‬حرب‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وإيران،‭ ‬ظلت‭ ‬مشتعلة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬غادرت‭ ‬أبوظبي‭ ‬بعد‭ ‬8‭ ‬سنوات،‭ ‬لم‭ ‬نواجه‭ ‬خلالها‭ ‬أي‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المانشيت،‭ ‬الطائرات‭ ‬العراقية‭ ‬تقصف‭ ‬مصافي‭ ‬عبادان‭. ‬القوت‭ ‬البرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تدمر‭ ‬كتيبة‭ ‬عراقية‭.. ‬سقوط‭ ‬خورامشهر‭.. ‬تحرير‭ ‬خورامشهر‭. ‬هلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬عراقي‭ ‬وإيراني‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬انتهت‭ ‬بالتعادل‭ ‬السلبي،‭ ‬والصحفيون‭ ‬يفبركون‭ ‬المانشيتات‭. ‬وأبليت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬بلاء‭ ‬حسنا،‭ ‬فرغم‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أسهم‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬المواد‭ ‬الخاصة‭ ‬بـ«الاتحاد‮»‬‭ ‬العربية،‭ ‬فقرر‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬منحي‭ ‬ترقية‭ ‬وتم‭ ‬تحويل‭ ‬المستندات‭ ‬اللازمة‭ ‬الى‭ ‬الشؤون‭ ‬الإدارية،‭ ‬ولكن‭ ‬ظرفا‭ ‬طارئا‭ ‬استوجب‭ ‬سفري‭ ‬الى‭ ‬مصر‭ ‬لعرض‭ ‬زوجتي‭ ‬على‭ ‬الأطباء،‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬المدير‭ ‬تأجيل‭ ‬السفر،‭ ‬فخرجت‭ ‬غاضبا‭ ‬وسافرت،‭ ‬فتم‭ ‬تجميد‭ ‬الترقية‭. ‬وبعدها‭ ‬بنحو‭ ‬شهرين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬غزت‭ ‬إسرائيل‭ ‬لبنان،‭ ‬مدمرة‭ ‬الأخضر‭ ‬والأصفر،‭ ‬واقترحت‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الصحيفة‭ ‬شن‭ ‬حملة‭ ‬عالمية‭ ‬لتجريد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وقتها‭ ‬مناحيم‭ ‬بيغن‭ ‬من‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نالها‭ ‬مناصفة‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬بسبب‭ ‬اتفاق‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬فأوكلت‭ ‬إلي‭ ‬المهمة،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬حشد‭ ‬تأييد‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬المرموقة‭ ‬والنقابات‭ ‬والروابط‭ ‬المهنية‭ ‬الأوروبية‭ ‬والعربية‭ ‬والإفريقية‭ ‬للفكرة،‭ ‬وحدثت‭ ‬ضغوط‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭ ‬لجنة‭ ‬نوبل‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالطبع‭ ‬واردا‭ ‬أن‭ ‬تسحب‭ ‬منه‭ ‬الجائزة،‭ ‬ولكن‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يخصني‭ ‬فقد‭ ‬فزت‭ ‬بجائزة،‭ ‬فقد‭ ‬تقرر‭ ‬ترقيتي‭ ‬بالقفز‭ ‬درجتين‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭. ‬هلك‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬والإيرانيين‭ ‬ثم‭ ‬اللبنانيين،‭ ‬والصحافة‭ ‬تحب‭ ‬‮«‬الجنازات‭ ‬لتشبع‭ ‬فيها‭ ‬لطما‮»‬‭ ‬وينال‭ ‬العاملون‭ ‬فيها‭ ‬الترقيات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا