زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
اللغة صارت كوكتيلا
كتبت كثيرا وبغضب عن بعض جماعتنا الذين يعمدون إلى تطعيم ما يخرج من أفواههم من كلام باللغة العربية، بمفردات من الفرنسية وفي غالب الأحوال الإنجليزية: هاي، باي، أوكي، أوف كورس، دادي، مامي، ثانكس، لوكيشن.
باختصار تسللت آلاف المفردات الأجنبية إلى ألسنتنا، مما يعني أن لغتنا المحكية باتت ملوثة، مما قد يؤدي إلى تسرب عديد من تلك المفردات والعبارات إلى لغتنا الفصيحة فتجعلها «فسيخة». في زمن صار فيه جيل الصغار يثق بالمصحح الإلكتروني في الكومبيوتر أو الهاتف، أكثر من ثقته بالمدرس والكتاب المدرسي. وعلى صلة بالموضوع أحكي لكم ما حدث في جامعة عين شمس المصرية، قبل سنوات نقلا عن جريدة الجمهورية، حيث تلقى مديرها طلبا من أحد الطلاب جاء فيه ما يلي: «إن مستقبلي الدراسي في خطر، والسبيل الوحيد أمامي لمواصلة الدراسة في الجامعة، هو أن أحصل على قرد، فالقرد وحده هو الذي سيخرجني من الأزمة المالية التي أعاني منها». واحتار مدير الجامعة في أمر هذا الطلب: هل يريد الطالب امتلاك قرد كي يعلمه بعض الحركات ويدور به في الشوارع لجمع المال من المارة؟ أم أنه يريد بيع القرد ليوفر مصاريف الدراسة؟ ولكن هل القرود سلعة غالية لدرجة أن بيع واحد منها يوفر آلاف الجنيهات المطلوبة لتغطية نفقات طالب جامعي؟ هل الطالب في كلية البيطرة، ويريد القرد ليقوم بتشريحه بعد أن تسربت إليه ورقة الامتحان وعرف أنه سيكون مطالبا بتشريح القرد وتشخيص حالته المرضية؟ ولكن الطالب لم يكن مسجلا في كلية البيطرة!! هل يريد استخدام القرد في توصيل البرشام إليه أثناء الامتحانات؟ أم أنه يريد تكليفه باختطاف أوراق أجوبة أسئلة الامتحانات من الطلاب المتفوقين وتوصيلها إليه كي ينقل عنها بالمسطرة؟
أسئلة كثيرة دارت في ذهن مدير الجامعة ولم يجد مناصا من استدعاء الطالب، طالب القرد، فمثل الطالب أمامه. دعونا نتخيل ما قاله المدير الوقور الذي يهمه أن يحل المشكلات التي يواجهها طلابه، واحتار في أمر توفير قرد لطالب، لأن جامعة عين شمس- وهي جامعة ذات مكانة أكاديمية مرموقة- في القاهرة، والقاهرة ليست بها غابات استوائية تعيش فيها القرود ليتسنى تكليف احد عمال الجامعة باصطياد واحد منها لحل مشكلة الطالب المالية: «يا ابني أجيب لك قرد منين؟ وبعدين ازاي القرد هيحِل مشاكلك المادية ويضمن مستقبلك الدراسي؟».. هنا لا بد أن الطالب حاول أن يقول كلاما من قبيل: في الحقيقة يا دكتور أنا طالب... فيقاطعه المدير: «ما أنا عارف إنك طالب، وكمان طالب قرد!! مش الورقة دي مكتوبة بخط إيدك؟».. طبعا الطالب قال: آآ.. أنا اللي كتبتها بس.....!!! بس إيه يا ابني؟ لا بد أيضا أنه دار بذهن المدير أن الطالب «شامم أو شارب حاجة»، يعني في حالة غير طبيعية!! هنا صاح الطالب المسكين: «يا أستاذ أنا مش عايز قرد ولا زرافة،.. أنا عايز...» وصاح المدير بدوره: «انت حتجنني؟ مش دي ورقتك؟ مش ده خطك؟ مش بتقول إن السبيل الوحيد أمامك لمواصلة دراستك هو أن تحصل على قرد؟» فاض الكيل بالطالب: «أنا مش عايز قرد ولا زفت! أنا عايز قرض... فلوس... سلفة»!
لا بد أن مدير الجامعة تساءل في نفسه: ده دخل الجامعة ازاي؟ معقول حد بيتكلم لغة الضاد يخلي القرض قرد؟ لو عرفت بحال بقية الجامعات من حولك في عالمنا العربي يا سيادة المدير، لمنحت صاحبنا ذاك قرضا وفوقه قردا!
كان زميلنا في سنتنا الأولى في جامعة الخرطوم من أعداء الاستعمار، ومن ثم استنكر أن تكون اللغة الإنجليزية إجبارية لجميع طلاب كلية الآداب، ومن ثم ذهب إلى بروفسر ماكميلان رئيس شعبة اللغة الإنجليزية وقال له:
Sir, I want to insult you
فسقط فك ماكميلان من الدهشة، لأن صاحبنا قال إنه يريد توجيه إساءة إليه، وبعد أخذ ورد طويل انفجر الرجل ضاحكا وقال:
You want to consult me أي تريد مني استشارة فاختلطت عليك كلمة إنسالت التي تعني «يسيء»، مع كلمة كونسالت التي تعني «يستشير».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك