زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
تعريض البطون للغزو
كتبت من قبل عن معاناة متكررة في فترتي الطفولة والصبا، تسبب فيها والدي رحمه الله وسامحه، بدرجة ان المشروبات الغازية التي يفترض ان الصغار يعشقونها، ارتبطت في ذاكرتي بضرب عجيب من التعذيب كان والدي يمارسه بحقنا، بزعم تطهير بطوننا من الشوائب، فقد كان يرغمنا كل يوم جمعة على شرب محلول «الملح الإنجليزي»، وهو ملين ومسهل كريه الرائحة والطعم، لأنه كان يعتقد أن الإسهال يخلص المعدة من الأمراض، ومن باب تخفيف مرارة ذلك المشروب كان يخلطه لنا بالبيبسي فارتبط البيبسي في ذاكرتي بـ«الحمام» والتسيب المعوي، ولأسباب اقتصادية لم يكن شرب البيبسي غير المخلوط بالملح الإنجليزي متاحاً لنا، ومن ثم لم أكن أعرف طعم البيبسي الأصلي، وصارت لدي عقدة منه، وأصبحت من أنصار الكوكاكولا، وعلى الرغم من أن أول تجربة لي مع الكوكا لم تكن مشرفة، حيث اندفع المشروب عبر أنفي وأشعل فيه الحرائق، إلا أنني ظللت استخدم كل مدخراتي في شرب الكولا بعد انتقالي من القرية إلى الخرطوم، واكتشاف أشياء مذهلة مثل الميرندا والفانتا، (كي لا يتهمني أحد بأنني أقوم بالترويج لأي صنف من المشروبات الغازية أقول بضمير مستريح، بأنني لم أضع زجاجة أو علبة أو كوب مشروب غازي في فمي طوال أكثر من خمس وعشرين سنة، لسبب بديهي وهو أن الطب يقول إن ضررها مؤكد وان نفعها مشكوك فيه، ولا بد من احترام الأطباء رغم أنهم نكديون ويزعمون أن كل ما تشتهيه النفس الأمارة بالطيش ضار بالصحة: السكر والملح والطحين وجميع أنواع الحلوى والسهر والشطة/ الفلفل الحار ومؤخرا خرجوا علينا بتحذيرات تتعلق بشيء اسمه غلوتين يقولون انه موجود في الخبز وغيره.
وبعد هذا الفاصل الذي أردت من ورائه إعطاء الانطباع بأنني اتبع نظاما غذائيا صحيا، اعترف بأن الزمان دار دورته وأصبحت المشروبات الغازية سوائل مثيرة للفتنة المعوية، فما إن تدخل نقطة منها جوفي حتى تتحرك قوات مكافحة الشغب في معدتي، وتطلق القنابل الغازية فتتفاقم الاضطرابات التي قد لا يفلح حتى اللبن في إطفائها! ولكن أليس هذا دليلا على أن الأطباء على حق في الطعن في «ذمة» المشروبات الغازية، وعلى أنني منضبط في اتباع توجيهات الأطباء- ولو كان ذلك بعد وقوع الفأس على الراس؟ ياما حاولت إقناع عيالي بتفادي تلك المشروبات، وتناول العصير الطبيعي (على الرغم من علمي بأنه مغشوش بنسبة عالية، إلا أنه أفضل للصحة من الكولا وأخواتها)، ولكنهم لم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد، بعد أن تلبكت مصارينهم واشتعلت الحرائق في بطونهم وتعرضوا لإرهاب طبي بأنه ما لم يتوقفوا عن تناول المشروبات الغازية فإنهم سيصابون بأمراض هضمية مؤلمة.
في عددها الصادر في أواخر نوفمبر من العام المنصرم جاء في مجلة طب الأطفال (بيدياتركس) دراسة للدكتور تشارلس بولاك من جامعة أوهايو الأمريكية، تقول إن الكافيين الموجود في المشروبات الغازية هو المسؤول عن اضطرابات النوم لدى الأطفال فيجدون صعوبة في النوم ليلاً، وإذا ناموا كان نومهم متقطعاً، ثم تسقط رؤوسهم من شدة النعاس نهارا، فالطفل الذي يتناول عشرين علبة أو زجاجة كولا أسبوعياً يتناول معها نحو 800 مليغرام من الكافيين، وداهية الدواهي أن دراسة مولتها الحكومة البريطانية نشرت قبل نحو ستة أشهر، أكدت أن الألوان الصناعية في المشروبات والحلويات مسؤولة عن الاضطرابات السلوكية في 25% من الأطفال، وكما هو الحال مع السجائر فإن معدلات استهلاك المشروبات الغازية عندنا في زيادة مطردة مما يفسر حالات الاضطرابات والتشويش التي نعاني منها، حتى بتنا نعتبر هيفاء وهبي سبب كل الكوارث التي حاقت بنا، مع أنها في التحليل الأخير ضحية المناخ المشبع بالغازات الاجتماعية والكافيين الفني والكوكايين السياسي!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك