زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
مواهب طاردتها وطردتني
هبطت ذات عام مطار الخرطوم قادما من القاهرة، حاملا آلة العود، وفوجئت بجماعة الجوازات والجمارك يعاملونني باحترام شديد، وعكفت على عزف العود يوميا عدة ساعات طوال شهرين من دون أن أنجح في الإتيان بشيء منغوم، وبعدها بسنوات اشتريت أورغن، وعكفت على العزف عليه نحو ستة أشهر، ولم أنجح سوى في عزف جزء من «سنة حلوة يا جميل»، فهددتني أم المعارك بالخلع ما لم أتخلص من الأورغن، فما كان مني سوى الإذعان، تفاديا للهجر وهكذا تم وأد موهبتي الموسيقية. المهم: كنت أتمنى لو أستطيع العزف على آلة موسيقية أو قول وكتابة الشعر، أو إجادة الرسم والتشكيل، ويحزنني الى حد ما عجزي عن قول الشعر، لأنني منذ يفاعتي مغرم بالشعر، وقبل ان تصاب ذاكرتي بسوء الهضم والتخمة، أي عدم القدرة على التخزين، كنت سريع الحفظ للشعر، وكنت أحفظ الآلاف من أبيات الشعر للمتنبي وإيليا أبو ماضي وأبو تمام والبحتري وبدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور، بل حفظت غيبا كامل ديوان الشعر العامي (بالمصري) «يعيش أهل بلدي» للراحل أحمد فؤاد نجم، وفي مرحلة مبكرة من مسيرتي المدرسية، ضبطني مدرس اللغة العربية، وأنا أكتب بيتا من الشعر بالعامية السودانية، قال عنه إن نظيره لا ينتمي حتى إلى أسوأ ما قيل في عصر انحطاط الأدب، وضربني ضرب حمار حرون.
واليوم أدرك أنني لا أفهم كثير شيء في الفنون التشكيلية، ولكنني بالتأكيد أتذوقها وأغبط (وربما أحسد) ذوي المواهب الذين يمسكون بالقلم والريشة ويتلاعبون بهما بسهولة لتشكيل اللوحات، وبكل بجاحة ووقاحة أقول رأيي في الشخص الذي يقال إنه أشهر وأخطر رسام في القرن العشرين ألا وهو بابلو بيكاسو. في تقديري فإنه أشهر وأكبر مستهبل!! معظم لوحاته تشبه شعبان عبدالرحيم، من حيث تعدد الألوان وكثرة الهلاهيل والكشاكيش والشواكيش، ويبدو أنه كان يعاني من عقدة لأنه كان يتعمد رسم الناس كـ«مشَوّهين»، هذا عينه اليمنى تحت أنفه وذاك بفتحة أنف واحدة. وترى في لوحة ما شجرة، ولكن الكلام المكتوب حولها يقول إنها لامرأة عارية!! وأنا لست عبيطا بحيث أعجز عن التمييز بين شجرة وامرأة!! وسمعت وقرأت كثيرا كيف أن أشهر لوحاته والتي تحمل اسم «غرونيكا» تجسد بشاعة الحرب الأهلية في إسبانيا، ورأيت اللوحة عشرات المرات ووجدتها «بشعة» كعمل فني، وإذا كنت تعتقد أن ذوقي تالف، فسأزيدك من الشعر بيتا: الرسام الإيطالي الأشهر ليوناردو دافنشي بالتأكيد فنان من فصيلة نادرة، ولكن لوحته الموناليزا التي كتبت فيها مئات المؤلفات تدل على أن حسه الجمالي كان مختلا، فتلك المرأة التي رسمها كانت قطعا تعاني من ارتفاع الكوليسترول والسكري بسبب الإفراط في أكل المكرونة وهي عموما «صبة» لا أجد فيها أثرا لأنوثة تجعلها مالئة دنيا الفنون وشاغلة النقاد الفنيين، بل اعتقد أن شعبان عبدالرحيم أكثر منها وسامة (فقط لو أحسن اختيار ملابسه).
وهناك الرسم التجريدي، وكنت أحسب لحين من الدهر أنه حيلة العاجز قليل الموهبة، ولكن شغفي بالفنون عموما جعلني أتوقف عند بعض اللوحات التجريبية وأدرك أنها ليست مجرد شخابيط ولخابيط وخرابيط، بل أعمال مدروسة وفيها عمق يستوجب التأمل، ومن الفن التجريدي تعلمت تذوق الهارموني والانسجام والاتساق بين الألوان وأن وراء كل ذلك فكرة متكاملة، خذ في الاعتبار أنني أصلا ضعيف الثقافة اللونية بسبب معاناتي من نوع غريب من عمى الألوان، فلا أعرف منها يقينا سوى الأزرق ومشتقاته ثم تستعيد عيني قواها العقلية بين الحين والآخر فأرى ألوانا أخرى مميزة وإن كنت لا أعرف مسمياتها (أموت واعرف لماذا هناك لون اسمه «أوف وايت». وترجمته حرفيا تعني أنه أبيض متمرد على البياض.. طيب أين كان هذا اللون ولماذا لم يظهر فجأة هو والتركواز والفوشيه إلا في السنوات الأخيرة؟)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك