العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

مواهب طاردتها وطردتني

هبطت‭ ‬ذات‭ ‬عام‭ ‬مطار‭ ‬الخرطوم‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬القاهرة،‭ ‬حاملا‭ ‬آلة‭ ‬العود،‭ ‬وفوجئت‭ ‬بجماعة‭ ‬الجوازات‭ ‬والجمارك‭ ‬يعاملونني‭ ‬باحترام‭ ‬شديد،‭ ‬وعكفت‭ ‬على‭ ‬عزف‭ ‬العود‭ ‬يوميا‭ ‬عدة‭ ‬ساعات‭ ‬طوال‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أنجح‭ ‬في‭ ‬الإتيان‭ ‬بشيء‭ ‬منغوم،‭ ‬وبعدها‭ ‬بسنوات‭ ‬اشتريت‭ ‬أورغن،‭ ‬وعكفت‭ ‬على‭ ‬العزف‭ ‬عليه‭ ‬نحو‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬ولم‭ ‬أنجح‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬عزف‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬‮«‬سنة‭ ‬حلوة‭ ‬يا‭ ‬جميل‮»‬،‭ ‬فهددتني‭ ‬أم‭ ‬المعارك‭ ‬بالخلع‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬أتخلص‭ ‬من‭ ‬الأورغن،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬مني‭ ‬سوى‭ ‬الإذعان،‭ ‬تفاديا‭ ‬للهجر‭ ‬وهكذا‭ ‬تم‭ ‬وأد‭ ‬موهبتي‭ ‬الموسيقية‭. ‬المهم‭: ‬كنت‭ ‬أتمنى‭ ‬لو‭ ‬أستطيع‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬موسيقية‭ ‬أو‭ ‬قول‭ ‬وكتابة‭ ‬الشعر،‭ ‬أو‭ ‬إجادة‭ ‬الرسم‭ ‬والتشكيل،‭ ‬ويحزنني‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬عجزي‭ ‬عن‭ ‬قول‭ ‬الشعر،‭ ‬لأنني‭ ‬منذ‭ ‬يفاعتي‭ ‬مغرم‭ ‬بالشعر،‭ ‬وقبل‭ ‬ان‭ ‬تصاب‭ ‬ذاكرتي‭ ‬بسوء‭ ‬الهضم‭ ‬والتخمة،‭ ‬أي‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التخزين،‭ ‬كنت‭ ‬سريع‭ ‬الحفظ‭ ‬للشعر،‭ ‬وكنت‭ ‬أحفظ‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬للمتنبي‭ ‬وإيليا‭ ‬أبو‭ ‬ماضي‭ ‬وأبو‭ ‬تمام‭ ‬والبحتري‭ ‬وبدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب‭ ‬وصلاح‭ ‬عبدالصبور،‭ ‬بل‭ ‬حفظت‭ ‬غيبا‭ ‬كامل‭ ‬ديوان‭ ‬الشعر‭ ‬العامي‭ (‬بالمصري‭) ‬‮«‬يعيش‭ ‬أهل‭ ‬بلدي‮»‬‭ ‬للراحل‭ ‬أحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نجم،‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬مبكرة‭ ‬من‭ ‬مسيرتي‭ ‬المدرسية،‭ ‬ضبطني‭ ‬مدرس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬بيتا‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬بالعامية‭ ‬السودانية،‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬إن‭ ‬نظيره‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬انحطاط‭ ‬الأدب،‭ ‬وضربني‭ ‬ضرب‭ ‬حمار‭ ‬حرون‭.‬

واليوم‭ ‬أدرك‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬كثير‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية،‭ ‬ولكنني‭ ‬بالتأكيد‭ ‬أتذوقها‭ ‬وأغبط‭ (‬وربما‭ ‬أحسد‭) ‬ذوي‭ ‬المواهب‭ ‬الذين‭ ‬يمسكون‭ ‬بالقلم‭ ‬والريشة‭ ‬ويتلاعبون‭ ‬بهما‭ ‬بسهولة‭ ‬لتشكيل‭ ‬اللوحات،‭ ‬وبكل‭ ‬بجاحة‭ ‬ووقاحة‭ ‬أقول‭ ‬رأيي‭ ‬في‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يقال‭ ‬إنه‭ ‬أشهر‭ ‬وأخطر‭ ‬رسام‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬بابلو‭ ‬بيكاسو‭. ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬فإنه‭ ‬أشهر‭ ‬وأكبر‭ ‬مستهبل‭!! ‬معظم‭ ‬لوحاته‭ ‬تشبه‭ ‬شعبان‭ ‬عبدالرحيم،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تعدد‭ ‬الألوان‭ ‬وكثرة‭ ‬الهلاهيل‭ ‬والكشاكيش‭ ‬والشواكيش،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬عقدة‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يتعمد‭ ‬رسم‭ ‬الناس‭ ‬كـ«مشَوّهين‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬عينه‭ ‬اليمنى‭ ‬تحت‭ ‬أنفه‭ ‬وذاك‭ ‬بفتحة‭ ‬أنف‭ ‬واحدة‭. ‬وترى‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬ما‭ ‬شجرة،‭ ‬ولكن‭ ‬الكلام‭ ‬المكتوب‭ ‬حولها‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬لامرأة‭ ‬عارية‭!! ‬وأنا‭ ‬لست‭ ‬عبيطا‭ ‬بحيث‭ ‬أعجز‭ ‬عن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬شجرة‭ ‬وامرأة‭!! ‬وسمعت‭ ‬وقرأت‭ ‬كثيرا‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬أشهر‭ ‬لوحاته‭ ‬والتي‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬غرونيكا‮»‬‭ ‬تجسد‭ ‬بشاعة‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬ورأيت‭ ‬اللوحة‭ ‬عشرات‭ ‬المرات‭ ‬ووجدتها‭ ‬‮«‬بشعة‮»‬‭ ‬كعمل‭ ‬فني،‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬ذوقي‭ ‬تالف،‭ ‬فسأزيدك‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬بيتا‭: ‬الرسام‭ ‬الإيطالي‭ ‬الأشهر‭ ‬ليوناردو‭ ‬دافنشي‭ ‬بالتأكيد‭ ‬فنان‭ ‬من‭ ‬فصيلة‭ ‬نادرة،‭ ‬ولكن‭ ‬لوحته‭ ‬الموناليزا‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬فيها‭ ‬مئات‭ ‬المؤلفات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حسه‭ ‬الجمالي‭ ‬كان‭ ‬مختلا،‭ ‬فتلك‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬كانت‭ ‬قطعا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الكوليسترول‭ ‬والسكري‭ ‬بسبب‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬أكل‭ ‬المكرونة‭ ‬وهي‭ ‬عموما‭ ‬‮«‬صبة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬أجد‭ ‬فيها‭ ‬أثرا‭ ‬لأنوثة‭ ‬تجعلها‭ ‬مالئة‭ ‬دنيا‭ ‬الفنون‭ ‬وشاغلة‭ ‬النقاد‭ ‬الفنيين،‭ ‬بل‭ ‬اعتقد‭ ‬أن‭ ‬شعبان‭ ‬عبدالرحيم‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬وسامة‭ (‬فقط‭ ‬لو‭ ‬أحسن‭ ‬اختيار‭ ‬ملابسه‭).‬

وهناك‭ ‬الرسم‭ ‬التجريدي،‭ ‬وكنت‭ ‬أحسب‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬أنه‭ ‬حيلة‭ ‬العاجز‭ ‬قليل‭ ‬الموهبة،‭ ‬ولكن‭ ‬شغفي‭ ‬بالفنون‭ ‬عموما‭ ‬جعلني‭ ‬أتوقف‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬اللوحات‭ ‬التجريبية‭ ‬وأدرك‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شخابيط‭ ‬ولخابيط‭ ‬وخرابيط،‭ ‬بل‭ ‬أعمال‭ ‬مدروسة‭ ‬وفيها‭ ‬عمق‭ ‬يستوجب‭ ‬التأمل،‭ ‬ومن‭ ‬الفن‭ ‬التجريدي‭ ‬تعلمت‭ ‬تذوق‭ ‬الهارموني‭ ‬والانسجام‭ ‬والاتساق‭ ‬بين‭ ‬الألوان‭ ‬وأن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬فكرة‭ ‬متكاملة،‭ ‬خذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أنني‭ ‬أصلا‭ ‬ضعيف‭ ‬الثقافة‭ ‬اللونية‭ ‬بسبب‭ ‬معاناتي‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬غريب‭ ‬من‭ ‬عمى‭ ‬الألوان،‭ ‬فلا‭ ‬أعرف‭ ‬منها‭ ‬يقينا‭ ‬سوى‭ ‬الأزرق‭ ‬ومشتقاته‭ ‬ثم‭ ‬تستعيد‭ ‬عيني‭ ‬قواها‭ ‬العقلية‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬فأرى‭ ‬ألوانا‭ ‬أخرى‭ ‬مميزة‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬مسمياتها‭ (‬أموت‭ ‬واعرف‭ ‬لماذا‭ ‬هناك‭ ‬لون‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬أوف‭ ‬وايت‮»‬‭. ‬وترجمته‭ ‬حرفيا‭ ‬تعني‭ ‬أنه‭ ‬أبيض‭ ‬متمرد‭ ‬على‭ ‬البياض‭.. ‬طيب‭ ‬أين‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬فجأة‭ ‬هو‭ ‬والتركواز‭ ‬والفوشيه‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة؟‭)‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا