زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
6 سنوات وتروح انت وفلوسك
قضت محكمة أمريكية بمنح فتاة أمريكية عمرها 15 سنة، تعويضا قدره 15 مليون دولار من شركة ميتا المالكة لمنصة فيسبوك، وشركة غوغل المالكة ليوتيوب، من منطلق أنهما قادتا الفتاة الى «الإدمان»، بالجلوس معظم ساعات الليل والنهار، وهي تطالع ما يأتي في المنصتين وتتفاعل مع ما يرد فيها. وأن الشركتين تعمدان إلى استدراج القُصّر، للبقاء طويلا سابحين وسابحات في بحار فيسبوك ويوتيوب. وبما أنني فيسبوكاوي محترف، وأنشر يوميا مادة أو أكثر في صفحتي في فيسبوك، واستعضت بيوتيوب عن التلفزيون، فإنني سأحاول العثور على محام ضليع يأتيني بالملايين وعمولته 1% منها.
طالعت في أكثر من مقطع في يوتيوب، ما يفيد بأن هناك أدلة قطعية على أن نهاية الكون ستكون في أواخر عام 2032، وفوجئت بأن بعض معارفي اطلعوا على هذا الأمر، وراسلوني سائلين عمّا إذا كان ذلك صحيحا، وفي بداية الأمر كنت أرد على تلك الرسائل بصيغتين، الأولى: «من هو الذي تلقى البلاغ السماوي بحلول يوم القيامة بعد ست سنوات؟»، والثانية: أنا لم أدّع الألوهية ولا أعتزم ادعاءها!! الغريب في الأمر أن حكاية نهاية الكون في أواخر عام 2032 يؤمن بها الملايين في الدول الغربية، ونشأت هناك طوائف تدعو الناس إلى الاستعداد ليوم الحساب، والأغرب من كل ذلك أن هذا الاعتقاد ناشئ في معظمه عن تكهنات متوارثة من حضارة المايا القديمة وخطرفات المستهبل الأكبر، الصيدلاني الفرنسي نوستراديموس (1503-1566).
ولو كان في كهنة المايا خير لما اندثرت حضارتهم ولم يبق منها إلا حطام مبان وأهرامات، أما نوستراديموس فقد كان ولا يزال يتمتع بثقة الملايين في الغرب والشرق، لأنه كان دجالا ذكيا وصاغ تكهناته في قوالب تجعلها قابلة لمختلف التأويلات من شاكلة: عمرك طويل، أجلك قصير. أو «سيظهر في العام الثاني من بعد الثلاثين، من عدة سنوات تعقب الموج الهادر، شخص شاطر، وذو سيف باتر من نسل العناتر، يضع نهاية لكل ما هو عابر، إلخ»، فيتبارى «الخبراء» للتحليل والتأويل فيقول الفلكي البقدونسي إن الموج الهادر هو التسونامي، وسليل العناتر هو سي. دي. أبو الجعافر، ولكن الأب إيديوت دونكي، زعيم طائفة هبنقة يقول إن الشخص المقصود هو دونالد ترامب، وسيقود العالم إلى كارثة نووية، ووصوله إلى سدة الرئاسة في أمريكا من علامات الساعة.
ووجدت تلك الشطحات ضالتها في تكهنات علمية دقيقة صادرة عن وكالة ناسا الأمريكية لأبحاث الفضاء، بحدوث عاصفة شمسية solar flare عارمة في أواخر عام 2032، وهو أمر مألوف مع بدء كل دورة جديدة للنشاط المغناطيسي للشمس، وتندفع تلك الشواظ بسرعة 3 ملايين كيلومتر في الساعة نحو الأرض. وإذا وصلت الأرض ستقضي على الأخضر واليابس، ولكن هناك غلافا مغناطيسيا متعدد الطبقات يصد الشواظ الشمسية، وهناك شلالات غازية أخرى تحمي كوكب الأرض من مخاطر الانبعاثات المدمرة من مجموعة الأجرام السماوية.
على كل حال إذا لم يكن كلام وكالة ناسا مقنعا، وما زالت تصر على أن نهاية الكون ستكون في غضون ست سنوات، «لن نختلف»: فعليك أن تعيش الفترة المقبلة لدنياك كأنك تموت غدا، وتنازل لي عن عرض الدنيا. يعني ما قيمة ما عندك من نقود وعقارات طالما إذا كنت مقتنعا بأن كهنة المايا و«الشيخ» نوستراديموس على حق، وإن ما تقوله ناسا يؤكد – ولا ينفي– تلك التكهنات. لن تنفعك سيارات اللامبورغيني أو الفيراري أو الرولز رويس، ولا ملايينك أو ملاليمك التي في البنوك. يعني لو مدخراتك النقدية في حدود مائتي دولار أو ثلاثة ملايين دولار تصدق بها لي، لأنني سأظل أعيش لدنياي كأنني أعيش أبدا، وأعاهدك على أن أوظف تلك الأموال بمنطق العيش للآخرة وكأنني أموت غدا. بصراحة سأحتفظ لنفسي بسيارة فارهة وأخصص المال السائل لمساعدة الطلاب الفقراء بابتعاثهم إلى خارج الوطن العربي وبعيدا عن القطب الشمالي الذي سيشهد ظاهرة الشفق الشمسي في أواخر عام 2032.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك