زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
من تجربتي كطالب وأب ومعلم (1)
ها هو العام الدراسي 2025-2026، يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ورغم أنني وبحمد الله أديت واجبي نحو عيالي حتى أكملوا دراساتهم، كلٌّ قدر طاقته، ورغم أنني فارقت مقاعد الدراسة قبل سنوات بعيدة، إلا أنه ومنذ اليوم الأول لالتحاقي بالمدرسة، والى يومنا هذا، تنتابي مع قرب انتهاء كل عام دراسي مشاعر متضاربة: سعادة بأن المدارس ستغلق أبوابها مدة طويلة قبل بدء العام المدرسي الجديد: لا واجبات ولا عقوبات ولا استيقاظ مبكر، ولكن ومن جهة أخرى فإن نهاية ذلك العام تذكرني بالامتحانات والأرق والعرق والسهر ثم التوتر في انتظار ظهور النتائج، وبعد ترك مقاعد الدراسة، وجدت نفسي في أجواء الدراسة لأنني اخترت التدريس مهنة طوعا واختيارا وعن رغبة صادقة، ولكن وحتى وأنا مدرس كنت أترقب نهاية العام الدراسي بنفس المشاعر المتضاربة: الفرح بالإجازة الصيفية الطويلة، والتوتر لأن طلابي في السنة النهائية من المرحلة الثانوية يخوضون معارك مصيرية من يخسرها يخسر فرص الحصول على تعليم عال يؤهله للوظائف العالية، ولهذا فقد كنت خلال عملي بالتدريس من «أفضل» المراقبين في الامتحانات، لم أكن أتساهل قط مع من يمارسون الغش، ولكنني وخلال مراقبة امتحانات الشهادة الثانوية كنت أحرص على الابتسام في وجوه الطلاب خلال الدقائق الأولى والأخيرة، وبعد أن أقرأ عليهم التعليمات المتعلقة بضرورة كتابة رقم الجلوس إلخ، أحاول أن أقول كلاما عاما يخفف عن الطلاب حالة التوتر وأختمه بعبارة« بالتوفيق إن شاء الله... ولكل مجتهد نصيب»، وكنت إذا لاحظت أن أحد الطلاب يعاني من التوتر (ويا ما هناك من يبكون داخل قاعات الامتحانات، وهم أفضل حالا من مستحقي البامبرز) أقف قريبا منه وأربت على رأسه وكتفه وأقول له بعض كلمات التشجيع والطمأنة. ويبدو لي أنني كنت أفعل ذلك رأفة بنفسي أيضا لأنني كنت ومازلت أكره الامتحانات تلميذا ومدرسا وأباً. الغريب في الأمر هو أنني لم أكن خلال مرحلة طلب العلم من النوع الذي «يخاف» من الامتحانات. حتى امتحانات الرياضيات التي كنت أعرف أنني سأرسب فيها بكفاءة وعن جدارة كنت أجلس لها متماسكا، ذلك لأنني لم أكن قط أستهتر بالامتحانات، بل آخذها بجدية وأستعد لها جيدا، قبل نشر الجدول الزمني الخاص بها، وأركز على المواد الأخرى التي سأغطي بها العجز الذي ينجم عن الدرجات التي أفقدها في مادة الرياضيات.
ولكن نهاية العام كانت وحتى قبل سنوات قليلة، تعني أيضا بالنسبة إلي كأب أن عيالي سيكونون معي تحت سقف واحد كذا شهر، ويعني بالنسبة إلي كموظف ازدحاما أقل في حركة السير في الشوارع، بعد أن تختفي الحافلات المدرسية الكئيبة من الشوارع (هلا لاحظتم أن الباصات المخصصة لنقل الطلاب تكون دائما ذات ألوان تسبب الغم؟)، وتختفي أيضا السيارات الجربانة التي يتحرك بها المدرسون لأن ذلك الصنف من السيارات هو ما تسمح به رواتبهم التعبانة، ويقل عدد السيارات الفارهة التي تستفز مشاعر سيارتي اليابانية وتجعلها تحس بالدونية.
أريد لهذا المقال أن يكون توطئة لمقالات أخرى أحدث فيها الطلاب وأولياء الأمور عن أمور تتعلق بالامتحانات من واقع تجربتي كطالب ثم مدرس ثم أب، وبلا أي ادعاء للتواضع أقول إنني كأب ظللت أوُلِي أمر تعليم عيالي أهمية قصوى وأشترك معهم في وضع خطط المذاكرة في الامتحانات المصيرية، وأحدد نقاط ضعف كل واحد منهم لأقرر ما إذا كان بحاجة إلى مساعدة مني أو مساعدة خارجية، ولكن الأهم من كل ذلك أنني علمتهم عدم تهيب الامتحانات المدرسية أي «الخوف» منها: عملت اللي عليك وذاكرت قدر استطاعتك؟ ادخل قاعة الامتحانات بثبات واللي بدو يصير، يصير.
وغدا نواصل بإذن الله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك