العدد : ١٧٥٨٨ - الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٨ - الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

من تجربتي كطالب وأب ومعلم (1)

ها‭ ‬هو‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬2025‭-‬2026،‭ ‬يوشك‭ ‬أن‭ ‬يلفظ‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ورغم‭ ‬أنني‭ ‬وبحمد‭ ‬الله‭ ‬أديت‭ ‬واجبي‭ ‬نحو‭ ‬عيالي‭ ‬حتى‭ ‬أكملوا‭ ‬دراساتهم،‭ ‬كلٌّ‭ ‬قدر‭ ‬طاقته،‭ ‬ورغم‭ ‬أنني‭ ‬فارقت‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬بعيدة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ومنذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لالتحاقي‭ ‬بالمدرسة،‭ ‬والى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬تنتابي‭ ‬مع‭ ‬قرب‭ ‬انتهاء‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬دراسي‭ ‬مشاعر‭ ‬متضاربة‭: ‬سعادة‭ ‬بأن‭ ‬المدارس‭ ‬ستغلق‭ ‬أبوابها‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬العام‭ ‬المدرسي‭ ‬الجديد‭: ‬لا‭ ‬واجبات‭ ‬ولا‭ ‬عقوبات‭ ‬ولا‭ ‬استيقاظ‭ ‬مبكر،‭ ‬ولكن‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬نهاية‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬تذكرني‭ ‬بالامتحانات‭ ‬والأرق‭ ‬والعرق‭ ‬والسهر‭ ‬ثم‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬ظهور‭ ‬النتائج،‭ ‬وبعد‭ ‬ترك‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬الدراسة‭ ‬لأنني‭ ‬اخترت‭ ‬التدريس‭ ‬مهنة‭ ‬طوعا‭ ‬واختيارا‭ ‬وعن‭ ‬رغبة‭ ‬صادقة،‭ ‬ولكن‭ ‬وحتى‭ ‬وأنا‭ ‬مدرس‭ ‬كنت‭ ‬أترقب‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬بنفس‭ ‬المشاعر‭ ‬المتضاربة‭: ‬الفرح‭ ‬بالإجازة‭ ‬الصيفية‭ ‬الطويلة،‭ ‬والتوتر‭ ‬لأن‭ ‬طلابي‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬النهائية‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬يخوضون‭ ‬معارك‭ ‬مصيرية‭ ‬من‭ ‬يخسرها‭ ‬يخسر‭ ‬فرص‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬عال‭ ‬يؤهله‭ ‬للوظائف‭ ‬العالية،‭ ‬ولهذا‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬خلال‭ ‬عملي‭ ‬بالتدريس‭ ‬من‭ ‬‮«‬أفضل‮»‬‭ ‬المراقبين‭ ‬في‭ ‬الامتحانات،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أتساهل‭ ‬قط‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يمارسون‭ ‬الغش،‭ ‬ولكنني‭ ‬وخلال‭ ‬مراقبة‭ ‬امتحانات‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬كنت‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬الابتسام‭ ‬في‭ ‬وجوه‭ ‬الطلاب‭ ‬خلال‭ ‬الدقائق‭ ‬الأولى‭ ‬والأخيرة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أقرأ‭ ‬عليهم‭ ‬التعليمات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بضرورة‭ ‬كتابة‭ ‬رقم‭ ‬الجلوس‭ ‬إلخ،‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬كلاما‭ ‬عاما‭ ‬يخفف‭ ‬عن‭ ‬الطلاب‭ ‬حالة‭ ‬التوتر‭ ‬وأختمه‭ ‬بعبارة‮«‬‭ ‬بالتوفيق‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭... ‬ولكل‭ ‬مجتهد‭ ‬نصيب‮»‬،‭ ‬وكنت‭ ‬إذا‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الطلاب‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ (‬ويا‭ ‬ما‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يبكون‭ ‬داخل‭ ‬قاعات‭ ‬الامتحانات،‭ ‬وهم‭ ‬أفضل‭ ‬حالا‭ ‬من‭ ‬مستحقي‭ ‬البامبرز‭) ‬أقف‭ ‬قريبا‭ ‬منه‭ ‬وأربت‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬وكتفه‭ ‬وأقول‭ ‬له‭ ‬بعض‭ ‬كلمات‭ ‬التشجيع‭ ‬والطمأنة‭. ‬ويبدو‭ ‬لي‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬رأفة‭ ‬بنفسي‭ ‬أيضا‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬ومازلت‭ ‬أكره‭ ‬الامتحانات‭ ‬تلميذا‭ ‬ومدرسا‭ ‬وأباً‭. ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬طلب‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬يخاف‮»‬‭ ‬من‭ ‬الامتحانات‭. ‬حتى‭ ‬امتحانات‭ ‬الرياضيات‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أنني‭ ‬سأرسب‭ ‬فيها‭ ‬بكفاءة‭ ‬وعن‭ ‬جدارة‭ ‬كنت‭ ‬أجلس‭ ‬لها‭ ‬متماسكا،‭ ‬ذلك‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬قط‭ ‬أستهتر‭ ‬بالامتحانات،‭ ‬بل‭ ‬آخذها‭ ‬بجدية‭ ‬وأستعد‭ ‬لها‭ ‬جيدا،‭ ‬قبل‭ ‬نشر‭ ‬الجدول‭ ‬الزمني‭ ‬الخاص‭ ‬بها،‭ ‬وأركز‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬سأغطي‭ ‬بها‭ ‬العجز‭ ‬الذي‭ ‬ينجم‭ ‬عن‭ ‬الدرجات‭ ‬التي‭ ‬أفقدها‭ ‬في‭ ‬مادة‭ ‬الرياضيات‭.‬

ولكن‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬كانت‭ ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬تعني‭ ‬أيضا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬كأب‭ ‬أن‭ ‬عيالي‭ ‬سيكونون‭ ‬معي‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد‭ ‬كذا‭ ‬شهر،‭ ‬ويعني‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬كموظف‭ ‬ازدحاما‭ ‬أقل‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬الحافلات‭ ‬المدرسية‭ ‬الكئيبة‭ ‬من‭ ‬الشوارع‭ (‬هلا‭ ‬لاحظتم‭ ‬أن‭ ‬الباصات‭ ‬المخصصة‭ ‬لنقل‭ ‬الطلاب‭ ‬تكون‭ ‬دائما‭ ‬ذات‭ ‬ألوان‭ ‬تسبب‭ ‬الغم؟‭)‬،‭ ‬وتختفي‭ ‬أيضا‭ ‬السيارات‭ ‬الجربانة‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬بها‭ ‬المدرسون‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬رواتبهم‭ ‬التعبانة،‭ ‬ويقل‭ ‬عدد‭ ‬السيارات‭ ‬الفارهة‭ ‬التي‭ ‬تستفز‭ ‬مشاعر‭ ‬سيارتي‭ ‬اليابانية‭ ‬وتجعلها‭ ‬تحس‭ ‬بالدونية‭.‬

أريد‭ ‬لهذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬توطئة‭ ‬لمقالات‭ ‬أخرى‭ ‬أحدث‭ ‬فيها‭ ‬الطلاب‭ ‬وأولياء‭ ‬الأمور‭ ‬عن‭ ‬أمور‭ ‬تتعلق‭ ‬بالامتحانات‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬تجربتي‭ ‬كطالب‭ ‬ثم‭ ‬مدرس‭ ‬ثم‭ ‬أب،‭ ‬وبلا‭ ‬أي‭ ‬ادعاء‭ ‬للتواضع‭ ‬أقول‭ ‬إنني‭ ‬كأب‭ ‬ظللت‭ ‬أوُلِي‭ ‬أمر‭ ‬تعليم‭ ‬عيالي‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬وأشترك‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬خطط‭ ‬المذاكرة‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬المصيرية،‭ ‬وأحدد‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬لأقرر‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬مني‭ ‬أو‭ ‬مساعدة‭ ‬خارجية،‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬علمتهم‭ ‬عدم‭ ‬تهيب‭ ‬الامتحانات‭ ‬المدرسية‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الخوف‮»‬‭ ‬منها‭: ‬عملت‭ ‬اللي‭ ‬عليك‭ ‬وذاكرت‭ ‬قدر‭ ‬استطاعتك؟‭ ‬ادخل‭ ‬قاعة‭ ‬الامتحانات‭ ‬بثبات‭ ‬واللي‭ ‬بدو‭ ‬يصير،‭ ‬يصير‭.‬

وغدا‭ ‬نواصل‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا