العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٣ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

من تجربتي كطالب وأب ومعلم (2)

أعلنت‭ ‬مرارا‭ ‬أنني‭ ‬أكره‭ ‬الامتحانات‭ ‬المدرسية،‭ ‬لما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬توتر‭ ‬وقلق‭ ‬للطلاب‭ ‬والمعلمين‭ ‬وأولياء‭ ‬الأمور،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬أحسب‭ ‬أن‭ ‬عندي‭ ‬وصفة‭ ‬مضمونة‭ ‬النتائج‭ ‬للاستعداد‭ ‬للامتحانات‭ ‬والنجاح‭ ‬فيها‭: ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬الى‭ ‬الامتحانات‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عبء‭ ‬سخيف‭ ‬ينبغي‭ ‬التخلص‭ ‬منه‭ ‬بأسرع‭ ‬وأقصر‭ ‬السبل،‭ ‬هي‭ ‬فعلا‭ ‬عبء‭ ‬سخيف،‭ ‬لكنها‭ ‬ضرورية‭ ‬مثل‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬يجدها‭ ‬البعض‭ ‬سخيفة‭: ‬الأطفال‭ ‬والمراهقون‭ ‬عموما‭ ‬يعتبرون‭ ‬السلطة‭ ‬الخضراء‭ ‬‮«‬عقوبة‮»‬‭ ‬ويتفادونها‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬لهم‭ ‬وما‭ ‬يعرفونه‭ ‬عن‭ ‬فوائدها،‭ ‬حتى‭ ‬الالتزامات‭ ‬العائلية‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬سخيفة،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منها‭ ‬لأنها‭ ‬واجبة‭. ‬شخصيا‭ ‬تركبني‭ ‬العفاريت‭ ‬عندما‭ ‬أتلقى‭ ‬التعليمات‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬مكتبي‭ (‬من‭ ‬المفترية،‭ ‬ما‭ ‬غيرها‭) ‬بأن‭ ‬أحضر‭ ‬معي‭ ‬البيض‭ ‬او‭ ‬اللبن‭ ‬او‭ ‬التبن،‭ ‬ولكنني‭ ‬مدرك‭ ‬تماما‭ ‬أنني‭ ‬سأظل‭ ‬أقوم‭ ‬بمثل‭ ‬تلك‭ ‬المهام‭ ‬طالما‭ ‬انا‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الحركة‭.‬

أسخف‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬عنصر‭ ‬الزنقة،‭ ‬وكونها‭ ‬تحرمك‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭ ‬تحبها،‭ ‬ولكنها‭ ‬زنقة‭ ‬ضرورية،‭ ‬فكي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬لاحقا‭ ‬لابد‭ ‬ان‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬المدرسية‭ ‬‮«‬السخيفة‮»‬،‭ ‬وخذها‭ ‬مني‭ ‬نصيحة‭: ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬الامتحانات‭ ‬بجدية‭ ‬كي‭ ‬تحصل‭ ‬مستقبلا‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬مجدية،‭ ‬وبعد‭ ‬دخول‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬ستكتشف‭ ‬أنك‭ ‬تخوض‭ ‬يوميا‭ ‬امتحانات‭ ‬بدون‭ ‬سابق‭ ‬إنذار‭ ‬او‭ ‬جدول‭ ‬زمني‭. ‬امتحانات‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬لا‭ ‬تجدي‭ ‬معها‭ ‬المذاكرة،‭ ‬لأنها‭ ‬امتحانات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الزملاء‭ ‬أو‭ ‬المديرين‭ ‬او‭ ‬الجمهور‭ ‬او‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬مجتمعين‭. ‬المهم‭ ‬الامتحان‭ ‬هو‭ ‬الباسبورت‭ ‬الى‭ ‬الوظيفة،‭ ‬وكلما‭ ‬كانت‭ ‬نتائجك‭ ‬المدرسية‭ ‬طيبة‭ ‬كانت‭ ‬فرص‭ ‬حصولك‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬طيبة،‭ ‬طيبة‭! ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أقصر‭ ‬السبل‭ ‬لاجتياز‭ ‬الامتحانات،‭ ‬بل‭ ‬ضع‭ ‬خطة‭ ‬متوسطة‭ ‬المدى‭ ‬لخوضها‭ ‬والنجاح‭ ‬فيها‭.‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬كانت‭ ‬مسيرتي‭ ‬التعليمية‭ ‬متعثرة،‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬عابثا‭ ‬لاهيا،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬ذاك‭ ‬‮«‬كبير‮»‬‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬والمذاكرة،‭ ‬وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬المتوسطة‭ ‬تعين‭ ‬علينا‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬السكن‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬عنابر‭ ‬داخل‭ ‬سور‭ ‬المدرسة‭ ‬فوجدت‭ ‬نفسي‭ ‬بين‭ ‬نحو‭ ‬160‭ ‬طالبا‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬بيننا‭ ‬روح‭ ‬التنافس،‭ ‬فتعلمنا‭ ‬المذاكرة‭ ‬المنضبطة‭ ‬والاستعداد‭ ‬المبكر‭ ‬للامتحانات‭.. ‬وجميع‭ ‬من‭ ‬زاملوني‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الخرطوم‭ ‬كانوا‭ ‬يعرفون‭ ‬أنني‭ ‬اعتزل‭ ‬الناس‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬الامتحانات‭ ‬وأظل‭ ‬أقرأ‭ ‬وألخص‭ ‬وأحفظ،‭ ‬وهكذا‭ ‬كان‭ ‬بمقدوري‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬كل‭ ‬امتحان‭ ‬والنوم‭ ‬مبكرا‭. ‬يعني‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬الامتحانات‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬راجعت‭ ‬كل‭ ‬مادة‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬وأعددت‭ ‬ملخصات‭ ‬تسمح‭ ‬بإطلالات‭ ‬سريعة‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬تبخر‭ ‬المعلومات‭ ‬من‭ ‬رأسي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬التوتر‭ ‬خلال‭ ‬الامتحانات‭ ‬او‭ ‬قبلها‭ ‬بقليل‭: ‬عملت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بوسعي‭ ‬كي‭ ‬استعد‭ ‬لها‭ ‬والباقي‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬ولا‭ ‬يضيع‭ ‬الله‭ ‬أجر‭ ‬من‭ ‬أحسن‭ ‬وأتقن‭ ‬عمله‭. ‬والشاهد‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬المذاكرة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬والساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الامتحانات‭ ‬لا‭ ‬تجدي‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بقصد‭ ‬المراجعة‭ ‬السريعة‭ ‬لمعلومات‭ ‬قمت‭ ‬بتخزينها‭ ‬قبل‭ ‬مدة‭ ‬ليست‭ ‬بالقصيرة،‭ ‬ولو‭ ‬استعددت‭ ‬للامتحان‭ ‬مبكرا‭ ‬فإنك‭ ‬تستطيع‭ ‬ممارسة‭ ‬التسلية‭ ‬قبل‭ ‬خوضه‭ ‬وأنت‭ ‬رائق‭ ‬البال‭. ‬ولو‭ ‬عملت‭ ‬بنصيحتي‭ ‬فإنك‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تصلي‭ ‬وتدعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬لك‭ ‬النجاح‭ ‬ستكون‭ ‬متماسكا‭. ‬أقول‭ ‬هذا‭ ‬لأنني‭ ‬شاهدت‭ ‬زملاء‭ ‬يطلبون‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬النجاح‭ ‬وأيديهم‭ ‬ترتجف‭ ‬ودموعهم‭ ‬تنهمر‭ ‬لأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬واثقين‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬استعدادهم‭ ‬للامتحان‭ ‬وفات‭ ‬عليهم‭ ‬ان‭ ‬يتذكروا‭ ‬كيف‭ ‬مر‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬بأعرابي‭ ‬يجلس‭ ‬قرب‭ ‬بعير‭ ‬له‭ ‬يدعو‭ ‬له‭ ‬بالشفاء‭ ‬فقال‭ ‬له‭: ‬ألا‭ ‬جعلت‭ ‬مع‭ ‬دعائك‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬القطران‭.‬

هناك‭ ‬أناس‭ ‬ينفقون‭ ‬ما‭ ‬يأتيهم‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬أولا‭ ‬بأول‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬لن‭ ‬أحرم‭ ‬نفسي‭ ‬مما‭ ‬تشتهيه‮»‬،‭ ‬وهناك‭ ‬أناس‭ ‬أيديهم‭ ‬لا‭ ‬مغلولة‭ ‬ولا‭ ‬مبسوطة‭ ‬كل‭ ‬البسط،‭ ‬أي‭ ‬ينفقون‭ ‬نقودهم‭ ‬بتعقل‭ ‬ويحسبون‭ ‬حساب‭ ‬الغد‭. ‬والوقت‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مال‭/‬نقود‮»‬‭ ‬الطالب،‭ ‬إذا‭ ‬بعزقته‭ ‬أولا‭ ‬بأول‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬لديك‭ ‬ذخيرة‭ ‬للمستقبل،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬استثمرت‭ ‬وقتك‭ ‬بتعقل‭ ‬في‭ ‬التحصيل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬فسيكون‭ ‬لديك‭ ‬‮«‬رصيد‮»‬‭ ‬منه‭ ‬يسندك‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا