زاوية حرة
حسين صالح
لماذا لا نتعلم؟!
يمثل ميثاق العمل الوطني في مملكة البحرين، الذي حظي بموافقة شعبية بلغت 98.4% في استفتاء عام 2001، نقطة تحول مفصلية في مسيرة الإصلاح والتنمية.. فقد أسس هذا الإجماع الوطني لانطلاق المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، ورسخ مبادئ دولة القانون والمؤسسات.. ومهد لمرحلة جديدة من التعددية وحرية التعبير وتأسيس مؤسسات المجتمع المدني.
ومع فتح الباب أمام تأسيس الجمعيات السياسية.. خصوصا ذات الطابع الإسلامي.. قيل لنا إن الديمقراطية قادمة.. ومعها الحرية والتعددية والوعي السياسي.. وكانت تلك المرحلة فرصة ذهبية للبحرين وللشعب نحو ترسيخ تجربة سياسية ناضجة.. إلا أن دخول بعض رجال الدين إلى ساحة العمل السياسي.. أسهم في تحويل مسار التجربة من فضاء ديمقراطي واعد إلى ساحات من التجاذب والاستقطاب.. ما أدخل الحياة السياسية في متاهات وصراعات يومية انعكست على المشهد العام.. وأضاع على الجميع فرصة تاريخية كان يمكن أن تستثمر بشكل أفضل.
بعض الصحف التي تأسست بعد ميثاق العمل الوطني.. فحدث ولا حرج.. فقد دخل بعضها على الخط بطريقة «عبقرية» للغاية؛ العنوان الرئيسي يتحدث عن «الوحدة الوطنية أساس الاستقرار».. لكن بعد بضعة أسطر تبدأ جرعات الطائفية بالتقطير البطيء. موضوعات ومقالات تبدو في ظاهرها دعوة إلى المحبة والتعايش.. لكنها عمليا تؤجج الانقسام بين أبناء المجتمع بأسلوب ناعم وذكي.. وكأن الكاتب يقول للقارئ: «أنا لا أحرض… أنا فقط أقدم الفتنة بطريقة راقية».
ومع مرور الوقت.. لم يبق من كثير من تلك الصحف سوى الذكرى.. بعدما أغلقت بالشمع الأحمر.. وكأن الزمن أراد أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن اللعب بالنار الطائفية قد يحرق صاحبه قبل غيره.
أما الجمعيات الإسلامية السياسية.. فكانت ـ مع كامل الاحترام للأسماء والشعارات ـ أقرب إلى منصات لإدارة الطائفية الحديثة.. شعاراتها تتحدث عن الوطن.. لكن التطبيق على الأرض كان في كثير من الأحيان قائما على الشد المذهبي والتحشيد والانقسام وتقسيم المجتمع إلى معسكرات واصطفافات متقابلة.
وفي نهاية المطاف، من دفع الثمن؟ المواطن البسيط بالطبع؛ ذلك المواطن الذي لا يريد سوى أن يذهب إلى عمله.. ويربي أبناءه.. ويعيش حياة مستقرة بعيدا عن صراعات السياسة والاستقطابات الطائفية.
لكننا للأسف لا نتعلم من التجارب.. فنقع في الأخطاء نفسها من دون تفكير أو مراجعة. خضنا تجارب كثيرة وشاهدنا نتائجها بأعيننا.. ومع ذلك لا فائدة تذكر.. والسبب أن هناك من يريد دائما التحكم في عقول الناس وتوجيههم وفق مصالحه.. وفي النهاية تكون النتيجة كارثة على الجميع.
واليوم وبعد كل تلك الضوضاء.. اكتشف كثير من الناس أن الحياة الطبيعية أجمل بكثير.. فالطالب بات منشغلا بدراسته.. والموظف بعمله والأسرة بمستقبل أبنائها والناس يتحدثون عن السفر والتعليم والتنمية وتحسين مستوى المعيشة.. بدلا من الغرق في معارك الانقسام والكراهية التي لم تجلب للمجتمع سوى التوتر واستنزاف الطاقات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك