العدد : ١٧٥٨٦ - الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٦ - الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية حرة

حسين صالح

لماذا لا نتعلم؟!

يمثل‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬الذي‭ ‬حظي‭ ‬بموافقة‭ ‬شعبية‭ ‬بلغت‭ ‬98‭.‬4‭% ‬في‭ ‬استفتاء‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتنمية‭.. ‬فقد‭ ‬أسس‭ ‬هذا‭ ‬الإجماع‭ ‬الوطني‭ ‬لانطلاق‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬ورسخ‭ ‬مبادئ‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬والمؤسسات‭.. ‬ومهد‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعددية‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير‭ ‬وتأسيس‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

ومع‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تأسيس‭ ‬الجمعيات‭ ‬السياسية‭.. ‬خصوصا‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الإسلامي‭.. ‬قيل‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬قادمة‭.. ‬ومعها‭ ‬الحرية‭ ‬والتعددية‭ ‬والوعي‭ ‬السياسي‭.. ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬للبحرين‭ ‬وللشعب‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬تجربة‭ ‬سياسية‭ ‬ناضجة‭.. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬دخول‭ ‬بعض‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭.. ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬مسار‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬ديمقراطي‭ ‬واعد‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬من‭ ‬التجاذب‭ ‬والاستقطاب‭.. ‬ما‭ ‬أدخل‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬وصراعات‭ ‬يومية‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭.. ‬وأضاع‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستثمر‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭.‬

بعض‭ ‬الصحف‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬بعد‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭.. ‬فحدث‭ ‬ولا‭ ‬حرج‭.. ‬فقد‭ ‬دخل‭ ‬بعضها‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬بطريقة‭ ‬‮«‬عبقرية‮»‬‭ ‬للغاية؛‭ ‬العنوان‭ ‬الرئيسي‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬أساس‭ ‬الاستقرار‮»‬‭.. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬بضعة‭ ‬أسطر‭ ‬تبدأ‭ ‬جرعات‭ ‬الطائفية‭ ‬بالتقطير‭ ‬البطيء‭. ‬موضوعات‭ ‬ومقالات‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬المحبة‭ ‬والتعايش‭.. ‬لكنها‭ ‬عمليا‭ ‬تؤجج‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسلوب‭ ‬ناعم‭ ‬وذكي‭.. ‬وكأن‭ ‬الكاتب‭ ‬يقول‭ ‬للقارئ‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحرض‭ ‬أنا‭ ‬فقط‭ ‬أقدم‭ ‬الفتنة‭ ‬بطريقة‭ ‬راقية‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.. ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الصحف‭ ‬سوى‭ ‬الذكرى‭.. ‬بعدما‭ ‬أغلقت‭ ‬بالشمع‭ ‬الأحمر‭.. ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يبعث‭ ‬برسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬اللعب‭ ‬بالنار‭ ‬الطائفية‭ ‬قد‭ ‬يحرق‭ ‬صاحبه‭ ‬قبل‭ ‬غيره‭.‬

أما‭ ‬الجمعيات‭ ‬الإسلامية‭ ‬السياسية‭.. ‬فكانت‭ ‬ـ‭ ‬مع‭ ‬كامل‭ ‬الاحترام‭ ‬للأسماء‭ ‬والشعارات‭ ‬ـ‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬لإدارة‭ ‬الطائفية‭ ‬الحديثة‭.. ‬شعاراتها‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭.. ‬لكن‭ ‬التطبيق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬الشد‭ ‬المذهبي‭ ‬والتحشيد‭ ‬والانقسام‭ ‬وتقسيم‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬معسكرات‭ ‬واصطفافات‭ ‬متقابلة‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬الثمن؟‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬بالطبع؛‭ ‬ذلك‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬عمله‭.. ‬ويربي‭ ‬أبناءه‭.. ‬ويعيش‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صراعات‭ ‬السياسة‭ ‬والاستقطابات‭ ‬الطائفية‭.‬

لكننا‭ ‬للأسف‭ ‬لا‭ ‬نتعلم‭ ‬من‭ ‬التجارب‭.. ‬فنقع‭ ‬في‭ ‬الأخطاء‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفكير‭ ‬أو‭ ‬مراجعة‭. ‬خضنا‭ ‬تجارب‭ ‬كثيرة‭ ‬وشاهدنا‭ ‬نتائجها‭ ‬بأعيننا‭.. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬تذكر‭.. ‬والسبب‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬دائما‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الناس‭ ‬وتوجيههم‭ ‬وفق‭ ‬مصالحه‭.. ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬كارثة‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

واليوم‭ ‬وبعد‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الضوضاء‭.. ‬اكتشف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬أجمل‭ ‬بكثير‭.. ‬فالطالب‭ ‬بات‭ ‬منشغلا‭ ‬بدراسته‭.. ‬والموظف‭ ‬بعمله‭ ‬والأسرة‭ ‬بمستقبل‭ ‬أبنائها‭ ‬والناس‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬السفر‭ ‬والتعليم‭ ‬والتنمية‭ ‬وتحسين‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭.. ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الغرق‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬الانقسام‭ ‬والكراهية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تجلب‭ ‬للمجتمع‭ ‬سوى‭ ‬التوتر‭ ‬واستنزاف‭ ‬الطاقات‭.‬

 

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا