عالم يتغير
فوزية رشيد
الحرب الدائرة ومعركة الوعي!
{ في الحروب والأزمات الكبرى يعدُّ الوعي الوطني هو العامل الحاسم في تماسك المجتمع، وله الأولوية الإعلامية والسيكولوجية لإدارة الأزمات الطارئة أو تداعيات الحرب كالتي تجري حاليا بين أمريكا – إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى! والوعي مؤثر في درء الإشاعات والأخبار الملفقة التي يعمل من يصنعها على نشر الفتنة وبث المخاوف وتشويه الحقائق وتضخيم بعض الوقائع لغرض في نفس يعقوب! وفي الوقت الذي يجتهد فيه حماة الوطن لصدّ الاستهدافات الإيرانية الغادرة، والتي يتساءل كثيرون عن أسباب توجيهها بهذه الكثافة على دول الخليج (أكثر من 5000 استهداف صاروخي وبالمسيرات مقابل ما يعادل 800 استهداف للكيان الصهيوني)! فإن هناك من الأصوات الغريبة وعلى المستوى العربي أيضاً، بذات النبرة النشاز على السوشيال ميديا، لتبرير نشازهم الصوتي بأن وقوفهم مع إيران هو لعدم الوقوف مع إسرائيل!
وهؤلاء لا يسألون أنفسهم: لماذا لا يدينون بوضوح الاعتداءات الغاشمة على الدول العربية في الخليج وغيرها وهي قد اتخذت موقفاً واضحاً منذ البداية بالحياد وعدم التدخل في الحرب؟!
{ هذه الحرب كشفت كثيرا من المواقف والنوايا بل والتناقضات إلى جانب ما كشفته من مشاعر الحسد الكامنة تجاه دول الخليج ونموذجها العربي الأنجح في صناعة الاستقرار والتنمية والرفاهية، إلى الحدّ الذي وصل فيه الطموح السعودي كمثال وعلى لسان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى تحويل المنطقة وليس الخليج وحده إلى «أوروبا جديدة»! أي أن الخليج كان نموذجاً للاقتداء وليس للحقد والكراهية بسبب الحسد الذي هو عامل سيكولوجي لدى المهزومين والضعفاء!
{ وإذا كان الوعي الوطني والالتفاف حول قادة دول الخليج وحماة الوطن الساهرين على أمنه أمراً شديد الأهمية، فإن الوعي العربي بقضايا الأمة واتخاذ المواقف الصحيحة لا يقل أهمية! وغيابه يجعل المعركة داخلة في ضبابية جهل الجهلاء وأصحاب الفتنة والراغبين في الفوضى، واستمرار الصراع لأنهم وجوه الارتهان للمشاريع الخارجية، وإن كانت على حساب هويتهم ومصيرهم كعرب! خاصة وإيران بعدوانها على دول الخليج العربي تبرهن أن مخزون صواريخها ومسيراتها الموجهة، لم يتم توجيهها كردّ فعل كما تقول، وإنما هي جزء من (مخزون عقدي إستراتيجي) ضدّ الخليج ودول عربية أخرى في المنطقة، ويعكس عقيدة التوسع عبر تصدير الثورة! ولذلك هي مُصابة بالحقد أيضاً على مسار الخليج التنموي والمستقر أي نقيض نموذجها الفاشل داخليا وخارجيا! ووجدت فرصة الحرب لبث حقدها هذا على دولنا الخليجية!
{ في البيان السداسي (السعودية والبحرين والكويت والإمارات وقطر والأردن) الذي صدر مساء الأربعاء 25/3/2026، أدانت هذه الدول مجدّداً اعتداءات إيران الغادرة سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها والفصائل المسلحة خاصة الفصائل التابعة لإيران بالعراق، التي خرجت منها الاستهدافات المضافة إلى استهدافات إيران في الخليج!
{ شعوبنا الخليجية التي تتمتعّ بالوعي وبالانسجام مع قياداتها، أثبتت بوعيها رسوخ اللحمة الوطنية في مرحلة خطيرة يمرّ فيها الخليج وتمرّ بها المنطقة بمحاولات تغييرات جيوإستراتيجية تستهدفها وتستهدف جغرافيتها، وهو الوعي الذي لا بدّ أن يقف على المستوى الرسمي والشعبي بعد انقشاع سحابة الحرب السوداء، أمام استخلاص الدروس الثمينة من هذه الأزمة للوصول إلى «التكامل الخليجي» والاعتماد الذاتي في الدفاع الجماعي عن نفسه وتأكيد تنويع تحالفاتها وتطوير كل أشكال صناعاتها وترسيخ أساليب التنمية فيها، بما يوفر لها الأمن الغذائي والدوائي ذاتياً بعد تطوير صناعتها العسكرية المحلية والخليجية المشتركة! ولنا وقفة أخرى مع كل ذلك، خاصة أن هذه الحرب كشفت الكثير من الدروس التي يجب الاستفادة منها على كل الأوجه والمجالات!
{ الوطن فوق كل شيء، وخليجنا الموحّد هو بؤرة النهوض في مواجهة التحديات والتهديدات الكثيرة، ولأننا نؤمن أن الوجه الآخر للمحنة هو المنحة، فإن هذه الحرب ومخاطرها كشفت بين ما كشفته كثرة النِعم التي أنعمها الله علينا دولاً وشعوباً، حتى بات خليجنا مكمن حسد الكثيرين! وفي هذه الوقفة لا بدّ أن نوجّه أعمق مشاعرنا الطيبة نحو حماة الوطن الذين يدافعون عنه بكل بسالة واقتدار، ونحو قادتنا ووزارتي الدفاع والداخلية والإعلام الأمني، لكل الجهود المبذولة لإبقاء الحياة على طبيعتها، رغم ظروف وتداعيات الحرب القائمة! وبالوعي الوطني وبالولاء والانتماء لبلدنا ولخليجنا وقبل كل ذلك بالتوكل على الله وحده، نثق بأن حكمة قياداتنا قادرة على تجاوز الأزمات مهما تدثرت بالظلام، والحافظ هو الله وحده من كل الشرور.
حفظ الله بحريننا وخليجنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك