عالم يتغير
فوزية رشيد
من الغضب الملحمي إلى الضباب الملحمي!
{ مع بدء عملية «الغضب الملحمي» التي أعلنها ترامب لبدء الحرب الجديدة على إيران، سرعان ما انتشر الضباب ليغطيّ دول الخليج العربي! التي شهدت تصعيداً غير مسبوق، من الاستهداف الإيراني من صواريخ باليستية ومن طراز كروز ومن طائرات مسيرة، توزعت بين البحرين والإمارات والكويت وقطر والسعودية وحتى الحليف العماني! وهذا الاستهداف لم يكن لبعض القواعد الأمريكية كما الادعاء الإيراني السابق! بل جاء للغرابة أغلبه استهدافاً للبنى التحتية والمطارات والمباني السكنية!
وكأنه استهداف محمل برسائل الحقد والكراهية، أكثر من كونها استهدافات عسكرية! مما يعدّ هو الهجوم الاستثنائي الأضخم في الخليج خلال يومين فقط، من بدء الحرب بين إيران وأمريكا والكيان الصهيوني! وحشر دول الخليج التي أعلنت سابقاً موقفها الحيادي في حال قيام الحرب! ولكأن إيران وبغرابة أرادت بحماقة توسيع نطاق الحرب المتبادلة بينها وبين الكيان الصهيوني وأمريكا إلى نطاق حرب إقليمية أشمل، تضطر فيها دول الخليج في النهاية إلى الدفاع العسكري والأمني عن نفسها مكرهة! وهي التي أرادت لمسار المفاوضات الأمريكية – الإيرانية أن تستمر بعقلانية دون تبعات كارثية على إيران نفسها وعلى الخليج العربي وعلى المنطقة وعلى العالم!
{ وعلى وقع صوت الانفجارات والإنذارات التي بدأت في البحرين وفي الخليج منذ اليوم الأول، طغى الضباب في سماء الخليج! ولم يكن مجرد ضباب على خلفية السحب السوداء المتراكمة من الانفجارات ودويها، وإنما هو ضباب سياسي وفكري وعسكري! والبحث عن أسباب لجوء إيران إلى استهداف دول الخليج ومطاراتها منذ الساعات الأولى وحتى كتابة هذه السطور!
ويبدو أن القادم هو استمرار للحماقة الإيرانية في استعداء دول الخليج العربي التي مدّت لها يد التفاهمات قبل بدء الحرب بشهور! ولينتقل الصراع الدائر في المنطقة إلى خلفية حرب أخرى بدأها «نتنياهو». و«هاكابي» على أنها حرب النصوص الدينية، أو كما أسماها سيناتور أمريكي أنها «حرب دينية»، لتشكيل الشرق الأوسط الجديد! وهنا يتكاثف الضباب خاصة بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني «علي خامنئي» ليضاف إلى ضبابية المشهد سواداً آخر هو نزعة الانتقام لدى «المواليين» من دول مختلفة لنظام الملالي! ولكأنه التأسيس الجديد على وقع الحرب العسكرية لحرب «عقدية» بهدف التوجيه الديني والفكري من الجانب الصهيوني أكثر من غيره، لخدمة أهداف سياسية استعمارية! استناداً إلى التحريف الديني في «الصهيونية المسيحية» وكما أشرنا إليه في مقال سابق!
{ تبدو دول الخليج العربي التي تستند رؤيتها إلى الاستقرار والتنمية وكأنها واقعة في براثن صراعات لطالما امتدّت آثارها عليها سواء بسبب توجهات الكيان الصهيوني التوسعية أو توجهات إيران التي لم تهدأ في بث الكراهية والعداء والحلم التوسعي أيضاً منذ تسلم «الملالي» رايات الثورة والسلطة عام 1979! واليوم والطرفان يتصارعان يبدو أن لحظة «الأزمة الوجودية» التي يتحدّث عنها مفكرو الكيان الصهيوني والإيراني، لتتسع رقعتها إلى لحظة تاريخية فاصلة لدول الخليج العربي والمنطقة كلها!، وحيث الحماقة الإيرانية باستهداف البنية التحتية والمطارات والأبنية السكنية في دول الخليج العربي، تجبر هذه الدول عن التخلي عن حياديتها رغم أنها تدرك جيداً، أن اتساع رقعة الحرب هو هدف «صهيوني أمريكي» منذ البداية لإعادة تشكيل خارطة دول المنطقة، ومراكز القوى فيها! وفي المنظور القريب أو البعيد لهذا الهدف في توريط دول الخليج هو الاستعداد الأمريكي القادم لمواجهة الصين!
{ إن القضاء على البنية السياسية باغتيال القيادات في إيران، وعلى البنية والمراكز العسكرية، والبنية التحتية، لتهيئة الأجواء في إيران إما لإسقاط النظام أو لتغيير في داخله بصناعة تفاهمات مع القيادات الجديدة وتشجيع الإيرانيين على تسلم زمام التغيير كما صرّح «ترامب»، قد لا يُنهي الموضوع كما يريده الرئيس الأمريكي الذي يبحث في النهاية عن انتصار سريع يعلنه للشعب الأمريكي ويزيد من رصيده في الانتخابات النصفية القادمة!
بل قد يخلق أجواء تصعيد وصولاً إلى العظم بين الطرفين «الإيراني والأمريكي» خاصة مع تدخل صيني لدعم إيران وإن بدا اليوم أنه هو في خلفية المشهد العسكري الدائر!
هكذا يزداد الضباب ويتسع سواده بما ينذر بأن ما يحدث هو أبعد بكثير من مجرد تغيير النظام في إيران واغتيال قادته! وكما يُقال بيد أي طرف أن يبدأ الحرب ولكن ليس بيده أن ينهيها كما يرغب!
وحين يسود «الضباب الملحمي» تتوارى في داخله الأجندات التكتيكية، ليحلّ محلها ما هو أكثر خطورة على المستوى الاستراتيجي والجيواسترتيجي في الخليج والمنطقة، ولتبدأ ملحمة أخرى غير متوقعة لأطراف الصراع كلها! فهل بإمكان دول الخليج العربي والمنطقة أن ترسم طريق المستقبل الخاص بها وسط كل هذا الضباب؟!
وكل هذه التجاذبات بين القوى الكبرى والنزاعات الإقليمية التي لا تريدها!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك