العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

من الغضب الملحمي إلى الضباب الملحمي!

{‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬الغضب‭ ‬الملحمي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬ترامب‭ ‬لبدء‭ ‬الحرب‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انتشر‭ ‬الضباب‭ ‬ليغطيّ‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭! ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تصعيداً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬من‭ ‬الاستهداف‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬صواريخ‭ ‬باليستية‭ ‬ومن‭ ‬طراز‭ ‬كروز‭ ‬ومن‭ ‬طائرات‭ ‬مسيرة،‭ ‬توزعت‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬والإمارات‭ ‬والكويت‭ ‬وقطر‭ ‬والسعودية‭ ‬وحتى‭ ‬الحليف‭ ‬العماني‭! ‬وهذا‭ ‬الاستهداف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لبعض‭ ‬القواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬كما‭ ‬الادعاء‭ ‬الإيراني‭ ‬السابق‭! ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬للغرابة‭ ‬أغلبه‭ ‬استهدافاً‭ ‬للبنى‭ ‬التحتية‭ ‬والمطارات‭ ‬والمباني‭ ‬السكنية‭!‬

وكأنه‭ ‬استهداف‭ ‬محمل‭ ‬برسائل‭ ‬الحقد‭ ‬والكراهية،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬استهدافات‭ ‬عسكرية‭! ‬مما‭ ‬يعدّ‭ ‬هو‭ ‬الهجوم‭ ‬الاستثنائي‭ ‬الأضخم‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬خلال‭ ‬يومين‭ ‬فقط،‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وأمريكا‭ ‬والكيان‭ ‬الصهيوني‭! ‬وحشر‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬سابقاً‭ ‬موقفها‭ ‬الحيادي‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬قيام‭ ‬الحرب‭! ‬ولكأن‭ ‬إيران‭ ‬وبغرابة‭ ‬أرادت‭ ‬بحماقة‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭ ‬المتبادلة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬وأمريكا‭ ‬إلى‭ ‬نطاق‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬أشمل،‭ ‬تضطر‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬الدفاع‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬مكرهة‭! ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬أرادت‭ ‬لمسار‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬بعقلانية‭ ‬دون‭ ‬تبعات‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬وعلى‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وعلى‭ ‬المنطقة‭ ‬وعلى‭ ‬العالم‭!‬

{ ‭ ‬وعلى‭ ‬وقع‭ ‬صوت‭ ‬الانفجارات‭ ‬والإنذارات‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وفي‭ ‬الخليج‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول،‭ ‬طغى‭ ‬الضباب‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬الخليج‭! ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬ضباب‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬السحب‭ ‬السوداء‭ ‬المتراكمة‭ ‬من‭ ‬الانفجارات‭ ‬ودويها،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬ضباب‭ ‬سياسي‭ ‬وفكري‭ ‬وعسكري‭! ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬لجوء‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ومطاراتها‭ ‬منذ‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬وحتى‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭!‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬القادم‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬للحماقة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬استعداء‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬مدّت‭ ‬لها‭ ‬يد‭ ‬التفاهمات‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬الحرب‭ ‬بشهور‭! ‬ولينتقل‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬خلفية‭ ‬حرب‭ ‬أخرى‭ ‬بدأها‭ ‬‮«‬نتنياهو‮»‬‭. ‬و«هاكابي‮»‬‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬أسماها‭ ‬سيناتور‭ ‬أمريكي‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬دينية‮»‬،‭ ‬لتشكيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭! ‬وهنا‭ ‬يتكاثف‭ ‬الضباب‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬اغتيال‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬الإيراني‭ ‬‮«‬علي‭ ‬خامنئي‮»‬‭ ‬ليضاف‭ ‬إلى‭ ‬ضبابية‭ ‬المشهد‭ ‬سواداً‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬نزعة‭ ‬الانتقام‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬المواليين‮»‬‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬مختلفة‭ ‬لنظام‭ ‬الملالي‭! ‬ولكأنه‭ ‬التأسيس‭ ‬الجديد‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الحرب‭ ‬العسكرية‭ ‬لحرب‭ ‬‮«‬عقدية‮»‬‭ ‬بهدف‭ ‬التوجيه‭ ‬الديني‭ ‬والفكري‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الصهيوني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره،‭ ‬لخدمة‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬استعمارية‭! ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬التحريف‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬‮«‬الصهيونية‭ ‬المسيحية‮»‬‭ ‬وكما‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭! ‬

‭ ‬تبدو‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬رؤيتها‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنمية‭ ‬وكأنها‭ ‬واقعة‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬صراعات‭ ‬لطالما‭ ‬امتدّت‭ ‬آثارها‭ ‬عليها‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬توجهات‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬التوسعية‭ ‬أو‭ ‬توجهات‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تهدأ‭ ‬في‭ ‬بث‭ ‬الكراهية‭ ‬والعداء‭ ‬والحلم‭ ‬التوسعي‭ ‬أيضاً‭ ‬منذ‭ ‬تسلم‭ ‬‮«‬الملالي‮»‬‭ ‬رايات‭ ‬الثورة‭ ‬والسلطة‭ ‬عام‭ ‬1979‭! ‬واليوم‭ ‬والطرفان‭ ‬يتصارعان‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لحظة‭ ‬‮«‬الأزمة‭ ‬الوجودية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يتحدّث‭ ‬عنها‭ ‬مفكرو‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬والإيراني،‭ ‬لتتسع‭ ‬رقعتها‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬فاصلة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والمنطقة‭ ‬كلها‭!‬،‭ ‬وحيث‭ ‬الحماقة‭ ‬الإيرانية‭ ‬باستهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمطارات‭ ‬والأبنية‭ ‬السكنية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬تجبر‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬عن‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬حياديتها‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تدرك‭ ‬جيداً،‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬هدف‭ ‬‮«‬صهيوني‭ ‬أمريكي‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬خارطة‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومراكز‭ ‬القوى‭ ‬فيها‭! ‬وفي‭ ‬المنظور‭ ‬القريب‭ ‬أو‭ ‬البعيد‭ ‬لهذا‭ ‬الهدف‭ ‬في‭ ‬توريط‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬الاستعداد‭ ‬الأمريكي‭ ‬القادم‭ ‬لمواجهة‭ ‬الصين‭!‬

{‭ ‬إن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬السياسية‭ ‬باغتيال‭ ‬القيادات‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وعلى‭ ‬البنية‭ ‬والمراكز‭ ‬العسكرية،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬لتهيئة‭ ‬الأجواء‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬إما‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬لتغيير‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬بصناعة‭ ‬تفاهمات‭ ‬مع‭ ‬القيادات‭ ‬الجديدة‭ ‬وتشجيع‭ ‬الإيرانيين‭ ‬على‭ ‬تسلم‭ ‬زمام‭ ‬التغيير‭ ‬كما‭ ‬صرّح‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يُنهي‭ ‬الموضوع‭ ‬كما‭ ‬يريده‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عن‭ ‬انتصار‭ ‬سريع‭ ‬يعلنه‭ ‬للشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬رصيده‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬القادمة‭!‬

بل‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬أجواء‭ ‬تصعيد‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬العظم‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬‮«‬الإيراني‭ ‬والأمريكي‮»‬‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تدخل‭ ‬صيني‭ ‬لدعم‭ ‬إيران‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬اليوم‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬خلفية‭ ‬المشهد‭ ‬العسكري‭ ‬الدائر‭!‬

هكذا‭ ‬يزداد‭ ‬الضباب‭ ‬ويتسع‭ ‬سواده‭ ‬بما‭ ‬ينذر‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬واغتيال‭ ‬قادته‭! ‬وكما‭ ‬يُقال‭ ‬بيد‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬الحرب‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بيده‭ ‬أن‭ ‬ينهيها‭ ‬كما‭ ‬يرغب‭!‬

وحين‭ ‬يسود‭ ‬‮«‬الضباب‭ ‬الملحمي‮»‬‭ ‬تتوارى‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬الأجندات‭ ‬التكتيكية،‭ ‬ليحلّ‭ ‬محلها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والجيواسترتيجي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والمنطقة،‭ ‬ولتبدأ‭ ‬ملحمة‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ‬لأطراف‭ ‬الصراع‭ ‬كلها‭! ‬فهل‭ ‬بإمكان‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والمنطقة‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬طريق‭ ‬المستقبل‭ ‬الخاص‭ ‬بها‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الضباب؟‭!‬

وكل‭ ‬هذه‭ ‬التجاذبات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬والنزاعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تريدها‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا