زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
سيروا على بركة الله
رغم إدراكي أن بعض من قرأوا ما أكتبه هنا يعرفون أن علاقتي بالرياضة والرياضيات، مثل علاقة الرئيس الروسي بوتين بالرئيس الأوكراني زيلنسكي، إلا أنني أتمتع ببجاحة تجعلني أتناول الشأن الرياضي بين الحين والحين، وأوافيكم اليوم بأمر يتعلق بجامعة بتسبيرغ الأمريكية التي أخضع أساتذة الطب فيها مئات الناس الذين تتفاوت أعمارهم بين 55 و85 سنة لاختبارات عجيبة فترات زمنية محددة، فكان نصفهم يكلفون بالسير على أقدامهم يوميا لمدد تتراوح بين 25 و40 دقيقة ثلاث مرات أسبوعيا، بينما كان أفراد النصف الآخر يقضون الوقت ممددين على الكنبات والأسِرّة، يتفرجون على المسلسلات التركية والمكسيكية (هذه شطحة جعفرية).. المهم كان كل ما هو مطلوب من الفئة الأخيرة هو الاسترخاء التام طوال نفس المدد التي كان فيها أفراد المجموعة الأولى يمارسون المشي، ثم، تم إخضاع أفراد المجموعتين لفحص لحجم الدماغ واتضح ان الجزء الذي يخص الذاكرة في أمخاخ من مارسوا المشي كبر وتمدد بنسبة 2%، بينما انكمش ذلك الجزء في أمخاخ التنابلة جماعة المسلسلات التركية الذين كان مطلوبا منهم الاسترخاء التام.. بعبارة أخرى فإن المشي ينعش الذاكرة بينما عدم المشي يؤدي الى انكماش خلايا المخ التي تتولى تخزين المعلومات (الذاكرة)، وهي عموما - وعلى ذمة أولئك العلماء - تنكمش بنسبة 1,4% سنويا بوجه عام بعد سن الخامسة والخمسين.
ورغم أنني لم أبلغ الـ55 بعد ولا أعتزم بلوغها في المستقبل القريب، لأنني مرتاح جدا في سن الـ39 الذي ظللت «رابطا ومرابطا» فيه منذ «أسابيع». رغم ذلك فإن النتيجة التي توصل اليها العلماء الأمريكان تعني أنني فقدت نحو 98,3% من ذاكرتي، لأنني متأكد من انني لم أقطع أكثر من خمس كيلومترات سيرا على الأقدام طوال العشرين سنة الأخيرة، بل لا اعتقد انني منذ ان أتيت الى منطقة الخليج قبل 30 سنة مشيت على قدمي أكثر من 8 كيلومترات، والجزء الأكبر من تلك الكيلومترات، قطعته في يوم واحد، وكان ذلك في مدينة أبو ظبي، عندما نظمت منظمة الطفولة العالمية (اليونسيف) سباقا للجري في كورنيش المدينة، وكان الآلاف يشاركون فيه، بشراء فانيلة (تي شيرت) بمبلغ معين لاستخدام الأموال لإغاثة الطفولة في عدة أماكن في العالم، وارتديت التي شيرت واصطحبت ولدي غسان وكان عمره وقتها نحو 8 سنوات، وكنت أعتزم السير نصف المسافة بالخطوة المعتادة، كما الآلاف غيري ولكن بعض الشباب العازمين على الفوز بالسباق شقوا صفوفنا مندفعين الى الأمام فأفلت ولدي من يدي وجرى معهم. كان عدد المشاركين في السباق نحو عشرة آلاف شخص، ووجدت نفسي مضطرا للجري للحاق بولدي وسط غابة السيقان وأنا أصيح: غسااااااان... وكلما اقتربت منه زاد من سرعته وهو يحسب انني «أسابقه»، ولحسن حظي وجدت شخصا يعرفني «حق المعرفة»، قبل أن أسلم الروح، وطلبت منه اعتقال غسان وتسليمه لي في نقطة معينة، وجلست على الرصيف، وقلبي يكاد يقفز من فمي. وعدت بغسان الى البيت ولم أغادر البيت أسبوعا لأنني أصبت بالتهاب في الصدر والعين والحنجرة والكلى والكبد حتى الغدد الصماء عندي صارت «تصرخ».
والشاهد هو أن إيقاع الحياة لم يعد يسمح بالمشي، وشوارع مدن الخليج مخططة على أساس أن الجميع يستخدمون السيارات للتنقل، ولا فسحات فيها للمشي الطويل، وبالتالي لا مجال لممارسة رياضة المشي إلا في مناطق مخصصة مثل الكورنيش على البحر، بينما الشوارع عندنا في السودان مخططة بحيث لا تصلح لا للسيارات ولا للبشر، ويفسر هذا لماذا الانسان العربي ضعيف الذاكرة وبالتالي لماذا بقي القذافي في الحكم 42 سنة وعلي صالح 32 سنة وظل السوريون يعيشون في ظل قانون الطوارئ نصف قرن، ثم جاء في تلك البلدان ومصر وتونس، جيل جديد لم يجد فرص العمل فصار يمارس التسكع في الأسواق ولم تتعرض ذاكرته للانكماش فهب وثار فصرنا لحين من الدهر أمة من الثوار بعد أن كنا أمة من «الثيران».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك