العدد : ١٧٥٢٦ - الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٦ - الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

سيروا على بركة الله

رغم‭ ‬إدراكي‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬قرأوا‭ ‬ما‭ ‬أكتبه‭ ‬هنا‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬علاقتي‭ ‬بالرياضة‭ ‬والرياضيات،‭ ‬مثل‭ ‬علاقة‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬بوتين‭ ‬بالرئيس‭ ‬الأوكراني‭ ‬زيلنسكي،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أتمتع‭ ‬ببجاحة‭ ‬تجعلني‭ ‬أتناول‭ ‬الشأن‭ ‬الرياضي‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والحين،‭ ‬وأوافيكم‭ ‬اليوم‭ ‬بأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بجامعة‭ ‬بتسبيرغ‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬أخضع‭ ‬أساتذة‭ ‬الطب‭ ‬فيها‭ ‬مئات‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬تتفاوت‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬55‭ ‬و85‭ ‬سنة‭ ‬لاختبارات‭ ‬عجيبة‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬فكان‭ ‬نصفهم‭ ‬يكلفون‭ ‬بالسير‭ ‬على‭ ‬أقدامهم‭ ‬يوميا‭ ‬لمدد‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬25‭ ‬و40‭ ‬دقيقة‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬أسبوعيا،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬أفراد‭ ‬النصف‭ ‬الآخر‭ ‬يقضون‭ ‬الوقت‭ ‬ممددين‭ ‬على‭ ‬الكنبات‭ ‬والأسِرّة،‭ ‬يتفرجون‭ ‬على‭ ‬المسلسلات‭ ‬التركية‭ ‬والمكسيكية‭ (‬هذه‭ ‬شطحة‭ ‬جعفرية‭).. ‬المهم‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬من‭ ‬الفئة‭ ‬الأخيرة‭ ‬هو‭ ‬الاسترخاء‭ ‬التام‭ ‬طوال‭ ‬نفس‭ ‬المدد‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬أفراد‭ ‬المجموعة‭ ‬الأولى‭ ‬يمارسون‭ ‬المشي،‭ ‬ثم،‭ ‬تم‭ ‬إخضاع‭ ‬أفراد‭ ‬المجموعتين‭ ‬لفحص‭ ‬لحجم‭ ‬الدماغ‭ ‬واتضح‭ ‬ان‭ ‬الجزء‭ ‬الذي‭ ‬يخص‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬أمخاخ‭ ‬من‭ ‬مارسوا‭ ‬المشي‭ ‬كبر‭ ‬وتمدد‭ ‬بنسبة‭ ‬2‭%‬،‭ ‬بينما‭ ‬انكمش‭ ‬ذلك‭ ‬الجزء‭ ‬في‭ ‬أمخاخ‭ ‬التنابلة‭ ‬جماعة‭ ‬المسلسلات‭ ‬التركية‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬مطلوبا‭ ‬منهم‭ ‬الاسترخاء‭ ‬التام‭.. ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬المشي‭ ‬ينعش‭ ‬الذاكرة‭ ‬بينما‭ ‬عدم‭ ‬المشي‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬انكماش‭ ‬خلايا‭ ‬المخ‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬تخزين‭ ‬المعلومات‭ (‬الذاكرة‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬عموما‭ -  ‬وعلى‭ ‬ذمة‭ ‬أولئك‭ ‬العلماء‭ - ‬تنكمش‭ ‬بنسبة‭ ‬1‭,‬4‭% ‬سنويا‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬بعد‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬والخمسين‭.‬

ورغم‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أبلغ‭ ‬الـ55‭ ‬بعد‭ ‬ولا‭ ‬أعتزم‭ ‬بلوغها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب،‭ ‬لأنني‭ ‬مرتاح‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الـ39‭ ‬الذي‭ ‬ظللت‭ ‬‮«‬رابطا‭ ‬ومرابطا‮»‬‭ ‬فيه‭ ‬منذ‭ ‬‮«‬أسابيع‮»‬‭. ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬توصل‭ ‬اليها‭ ‬العلماء‭ ‬الأمريكان‭ ‬تعني‭ ‬أنني‭ ‬فقدت‭ ‬نحو‭ ‬98‭,‬3‭% ‬من‭ ‬ذاكرتي،‭ ‬لأنني‭ ‬متأكد‭ ‬من‭ ‬انني‭ ‬لم‭ ‬أقطع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬كيلومترات‭ ‬سيرا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬طوال‭ ‬العشرين‭ ‬سنة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬اعتقد‭ ‬انني‭ ‬منذ‭ ‬ان‭ ‬أتيت‭ ‬الى‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬قبل‭ ‬30‭ ‬سنة‭ ‬مشيت‭ ‬على‭ ‬قدمي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬كيلومترات،‭ ‬والجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكيلومترات،‭ ‬قطعته‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬أبو‭ ‬ظبي،‭ ‬عندما‭ ‬نظمت‭ ‬منظمة‭ ‬الطفولة‭ ‬العالمية‭ (‬اليونسيف‭) ‬سباقا‭ ‬للجري‭ ‬في‭ ‬كورنيش‭ ‬المدينة،‭ ‬وكان‭ ‬الآلاف‭ ‬يشاركون‭ ‬فيه،‭ ‬بشراء‭ ‬فانيلة‭ (‬تي‭ ‬شيرت‭) ‬بمبلغ‭ ‬معين‭ ‬لاستخدام‭ ‬الأموال‭ ‬لإغاثة‭ ‬الطفولة‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬أماكن‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وارتديت‭ ‬التي‭ ‬شيرت‭ ‬واصطحبت‭ ‬ولدي‭ ‬غسان‭ ‬وكان‭ ‬عمره‭ ‬وقتها‭ ‬نحو‭ ‬8‭ ‬سنوات،‭ ‬وكنت‭ ‬أعتزم‭ ‬السير‭ ‬نصف‭ ‬المسافة‭ ‬بالخطوة‭ ‬المعتادة،‭ ‬كما‭ ‬الآلاف‭ ‬غيري‭ ‬ولكن‭ ‬بعض‭ ‬الشباب‭ ‬العازمين‭ ‬على‭ ‬الفوز‭ ‬بالسباق‭ ‬شقوا‭ ‬صفوفنا‭ ‬مندفعين‭ ‬الى‭ ‬الأمام‭ ‬فأفلت‭ ‬ولدي‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬وجرى‭ ‬معهم‭. ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬السباق‭ ‬نحو‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬شخص،‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬مضطرا‭ ‬للجري‭ ‬للحاق‭ ‬بولدي‭ ‬وسط‭ ‬غابة‭ ‬السيقان‭ ‬وأنا‭ ‬أصيح‭: ‬غسااااااان‭... ‬وكلما‭ ‬اقتربت‭ ‬منه‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬سرعته‭ ‬وهو‭ ‬يحسب‭ ‬انني‭ ‬‮«‬أسابقه‮»‬،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظي‭ ‬وجدت‭ ‬شخصا‭ ‬يعرفني‭ ‬‮«‬حق‭ ‬المعرفة‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أسلم‭ ‬الروح،‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬اعتقال‭ ‬غسان‭ ‬وتسليمه‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬نقطة‭ ‬معينة،‭ ‬وجلست‭ ‬على‭ ‬الرصيف،‭ ‬وقلبي‭ ‬يكاد‭ ‬يقفز‭ ‬من‭ ‬فمي‭. ‬وعدت‭ ‬بغسان‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬ولم‭ ‬أغادر‭ ‬البيت‭ ‬أسبوعا‭ ‬لأنني‭ ‬أصبت‭ ‬بالتهاب‭ ‬في‭ ‬الصدر‭ ‬والعين‭ ‬والحنجرة‭ ‬والكلى‭ ‬والكبد‭ ‬حتى‭ ‬الغدد‭ ‬الصماء‭ ‬عندي‭ ‬صارت‭ ‬‮«‬تصرخ‮»‬‭.‬

والشاهد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسمح‭ ‬بالمشي،‭ ‬وشوارع‭ ‬مدن‭ ‬الخليج‭ ‬مخططة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬يستخدمون‭ ‬السيارات‭ ‬للتنقل،‭ ‬ولا‭ ‬فسحات‭ ‬فيها‭ ‬للمشي‭ ‬الطويل،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لممارسة‭ ‬رياضة‭ ‬المشي‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مخصصة‭ ‬مثل‭ ‬الكورنيش‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬بينما‭ ‬الشوارع‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬مخططة‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬لا‭ ‬للسيارات‭ ‬ولا‭ ‬للبشر،‭ ‬ويفسر‭ ‬هذا‭ ‬لماذا‭ ‬الانسان‭ ‬العربي‭ ‬ضعيف‭ ‬الذاكرة‭ ‬وبالتالي‭ ‬لماذا‭ ‬بقي‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬42‭ ‬سنة‭ ‬وعلي‭ ‬صالح‭ ‬32‭ ‬سنة‭ ‬وظل‭ ‬السوريون‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قانون‭ ‬الطوارئ‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭ ‬ومصر‭ ‬وتونس،‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬فصار‭ ‬يمارس‭ ‬التسكع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬ولم‭ ‬تتعرض‭ ‬ذاكرته‭ ‬للانكماش‭ ‬فهب‭ ‬وثار‭ ‬فصرنا‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الثوار‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كنا‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الثيران‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا