زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عندما يكون الكسل عسلا
أستهل مقال اليوم بالاستنكار للمرة الـ«كم» لا أدري وصم السودانيين بالكسل! هناك حرب في السودان ستدخل الشهر المقبل عامها الرابع، فهل يصمد كسالى على أرض المعارك لـ48 شهرا وما زال «العدَّاد شغال»؟ ثم أعرج على موضوع يتعلق بالكسل، أستقيه من قصاصة لجريدة مصرية، وفي أيام عزّ الصحف الورقية كنت أستمتع بقراءة بريد القراء في الصحف الإنكليزية، لأن أصحاب الرسائل يناقشون الصحيفة في مختلف الشؤون ويطرحون آراء وملاحظات قيمة حول هذا الشأن أو ذاك، ومعظم المساهمين في بريد قراء الصحف الأجنبية من الأسماء المعروفة في مجالات تخصصها، وبالمقابل فإنه لو نشرت صحيفة عربية رسالة لأستاذ جامعي أو شخصية عامة معروفة في بريد القراء فإنه يعتبر ذلك إهانة بالغة ويصاب بعقدة نفسية ويتوقف عن الإرسال والكتابة.
الصحيفة التي أنقل عنها هي «الأهرام»، وتتميز عن كل الصحف المصرية باحتفائها برسائل القراء، وكانت تتميز أيضا بأنها تنشر رسائل «المشاهير والكبار» على الصفحة نفسها مع رسائل «العوام». وأستعرض معكم اليوم رسالة توقفت عندها كثيراً لأنها ممتعة وطريفة، صاحب الرسالة يقول إن أحد معارفه كان موظفاً حكومياً، كرَّس سنوات خدمته للتهرب من العمل والتفنن في ممارسة الاسترخاء طوال ساعات العمل، وقد أثبت كفاءة عالية في هذا المجال بحيث إنه عندما أحيل إلى التقاعد بعد عشرات السنين من عدم الخدمة، كان لا يزال موظفاً صغيراً، ذلك لأن عبقريته الفذة في ممارسة الكسل والتهرب من الواجب، أكسبته إعجاب رؤسائه، فلم ينعموا عليه بترقية كي لا يثقلوا كاهله بأعباء وظيفية حقيقية. والحكاية لا تنتهي هنا، فصاحب الرسالة يقول إنه وبعد بضع سنين من تقاعد صاحبنا الكسول، أتاه ابنه، أي أن ابن الرجل الكسول، أتى إلى قارئ الأهرام (كاتب الرسالة) ليطلب منه مساعدته للالتحاق بوظيفة في الإذاعة، وبالتحديد في البرنامج الموسيقي؟ ولماذا اخترت يا بني الإذاعة، وهذا البرنامج بالذات في هذا المنعطف الحاد من تاريخ أمتنا الباسلة؟ إجابة الشاب الباحث عن وظيفة، كشفت أنه ورث عن والده الكثير من المواهب. وكما ذكرنا أعلاه فقد كان والده كسولاً عصاميا. المهم، برر الشاب رغبته في الالتحاق بالبرنامج الموسيقي في الإذاعة بأن والده أبلغه بأن ذلك البرنامج يقدم فاصلا موسيقيا متواصلا من الثانية عشرة من منتصف الليل، حتى الثامنة صباحاً، وكل العمل المطلوب هو أن يأتي المذيع/ المذيعة لينطق بـ«والآن نقدم لكن فاصلا موسيقياً يبقى معكم حتى الصباح». طيب يا ابني وما هو دورك في كل هذا؟ ما هو العمل الذي ستؤديه؟ جاء الرد: يا عمي أبي قال لي إنني لو التحقت بالبرنامج الموسيقي، سأطلب العمل في النوبة الليلية التي لا يرغب فيها بقية العباد، وبالتالي فما أن يبدأ الفاصل الموسيقي حتى أتمدد على كنبة مريحة وأشبع نوماً، وبالتالي سأتقاضى راتباً نظير النوم في الإذاعة!
ألا توافقونني الرأي بأن هذا الشاب وأباه «عباقرة» وواقعيون. ما الحاجة إلى أن نتفانى جميعاً في العمل طالما أن غيرنا يقومون به على أكمل أو أتعس وجه؟ وطالما أن الحكومة –أي حكومة– تعطي جميع الموظفين الرواتب التي قسمها الله لهم؟ عزيزي القارئ هل يتعرض العالم إلى الانهيار الاقتصادي خلال العطل الأسبوعية والعامة؟ إن العمل المقيد بساعات رسمية هو أسخف ما أنتجه العقل البشري، ولهذا فإنني من أقوى مؤيدي «الكتاب الأخضر»، على كرهي لمؤلفه معمر «الجزافي»، وخاصة تلك الفقرة البليغة التي تقول «شركاء لا أجراء» لأنها تعطيني الحق في أن أصبح صاحب عمل وليس مجرد أجير من عَبَدة «آخر الشهر» وكشريك في العمل يصبح من حقي أن أعمل على كيفي وأن أتغيب بكيفي وأن أتقاسم مع الآخرين نتاج العمل «على داير المليم».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك