العدد : ١٧٥٢٢ - السبت ١٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٢ - السبت ١٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عندما يكون الكسل عسلا

أستهل‭ ‬مقال‭ ‬اليوم‭ ‬بالاستنكار‭ ‬للمرة‭ ‬الـ«كم‮»‬‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬وصم‭ ‬السودانيين‭ ‬بالكسل‭! ‬هناك‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬ستدخل‭ ‬الشهر‭ ‬المقبل‭ ‬عامها‭ ‬الرابع،‭ ‬فهل‭ ‬يصمد‭ ‬كسالى‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المعارك‭ ‬لـ48‭ ‬شهرا‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬‮«‬العدَّاد‭ ‬شغال»؟‭ ‬ثم‭ ‬أعرج‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬يتعلق‭ ‬بالكسل،‭ ‬أستقيه‭ ‬من‭ ‬قصاصة‭ ‬لجريدة‭ ‬مصرية،‭ ‬وفي‭ ‬أيام‭ ‬عزّ‭ ‬الصحف‭ ‬الورقية‭ ‬كنت‭ ‬أستمتع‭ ‬بقراءة‭ ‬بريد‭ ‬القراء‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬لأن‭ ‬أصحاب‭ ‬الرسائل‭ ‬يناقشون‭ ‬الصحيفة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الشؤون‭ ‬ويطرحون‭ ‬آراء‭ ‬وملاحظات‭ ‬قيمة‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬ومعظم‭ ‬المساهمين‭ ‬في‭ ‬بريد‭ ‬قراء‭ ‬الصحف‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬تخصصها،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬فإنه‭ ‬لو‭ ‬نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬عربية‭ ‬رسالة‭ ‬لأستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭ ‬عامة‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬بريد‭ ‬القراء‭ ‬فإنه‭ ‬يعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬إهانة‭ ‬بالغة‭ ‬ويصاب‭ ‬بعقدة‭ ‬نفسية‭ ‬ويتوقف‭ ‬عن‭ ‬الإرسال‭ ‬والكتابة‭.‬

الصحيفة‭ ‬التي‭ ‬أنقل‭ ‬عنها‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الأهرام‮»‬،‭ ‬وتتميز‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الصحف‭ ‬المصرية‭ ‬باحتفائها‭ ‬برسائل‭ ‬القراء،‭ ‬وكانت‭ ‬تتميز‭ ‬أيضا‭ ‬بأنها‭ ‬تنشر‭ ‬رسائل‭ ‬‮«‬المشاهير‭ ‬والكبار‮»‬‭ ‬على‭ ‬الصفحة‭ ‬نفسها‭ ‬مع‭ ‬رسائل‭ ‬‮«‬العوام‮»‬‭. ‬وأستعرض‭ ‬معكم‭ ‬اليوم‭ ‬رسالة‭ ‬توقفت‭ ‬عندها‭ ‬كثيراً‭ ‬لأنها‭ ‬ممتعة‭ ‬وطريفة،‭ ‬صاحب‭ ‬الرسالة‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬أحد‭ ‬معارفه‭ ‬كان‭ ‬موظفاً‭ ‬حكومياً،‭ ‬كرَّس‭ ‬سنوات‭ ‬خدمته‭ ‬للتهرب‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والتفنن‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الاسترخاء‭ ‬طوال‭ ‬ساعات‭ ‬العمل،‭ ‬وقد‭ ‬أثبت‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬بحيث‭ ‬إنه‭ ‬عندما‭ ‬أحيل‭ ‬إلى‭ ‬التقاعد‭ ‬بعد‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الخدمة،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬موظفاً‭ ‬صغيراً،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬عبقريته‭ ‬الفذة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الكسل‭ ‬والتهرب‭ ‬من‭ ‬الواجب،‭ ‬أكسبته‭ ‬إعجاب‭ ‬رؤسائه،‭ ‬فلم‭ ‬ينعموا‭ ‬عليه‭ ‬بترقية‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يثقلوا‭ ‬كاهله‭ ‬بأعباء‭ ‬وظيفية‭ ‬حقيقية‭. ‬والحكاية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬هنا،‭ ‬فصاحب‭ ‬الرسالة‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬وبعد‭ ‬بضع‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬تقاعد‭ ‬صاحبنا‭ ‬الكسول،‭ ‬أتاه‭ ‬ابنه،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬الرجل‭ ‬الكسول،‭ ‬أتى‭ ‬إلى‭ ‬قارئ‭ ‬الأهرام‭ (‬كاتب‭ ‬الرسالة‭) ‬ليطلب‭ ‬منه‭ ‬مساعدته‭ ‬للالتحاق‭ ‬بوظيفة‭ ‬في‭ ‬الإذاعة،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬الموسيقي؟‭ ‬ولماذا‭ ‬اخترت‭ ‬يا‭ ‬بني‭ ‬الإذاعة،‭ ‬وهذا‭ ‬البرنامج‭ ‬بالذات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭ ‬الحاد‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬أمتنا‭ ‬الباسلة؟‭ ‬إجابة‭ ‬الشاب‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬وظيفة،‭ ‬كشفت‭ ‬أنه‭ ‬ورث‭ ‬عن‭ ‬والده‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواهب‭. ‬وكما‭ ‬ذكرنا‭ ‬أعلاه‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬والده‭ ‬كسولاً‭ ‬عصاميا‭. ‬المهم،‭ ‬برر‭ ‬الشاب‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالبرنامج‭ ‬الموسيقي‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭ ‬بأن‭ ‬والده‭ ‬أبلغه‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬البرنامج‭ ‬يقدم‭ ‬فاصلا‭ ‬موسيقيا‭ ‬متواصلا‭ ‬من‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬حتى‭ ‬الثامنة‭ ‬صباحاً،‭ ‬وكل‭ ‬العمل‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬المذيع‭/ ‬المذيعة‭ ‬لينطق‭ ‬بـ«والآن‭ ‬نقدم‭ ‬لكن‭ ‬فاصلا‭ ‬موسيقياً‭ ‬يبقى‭ ‬معكم‭ ‬حتى‭ ‬الصباح‮»‬‭. ‬طيب‭ ‬يا‭ ‬ابني‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬دورك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬ستؤديه؟‭ ‬جاء‭ ‬الرد‭: ‬يا‭ ‬عمي‭ ‬أبي‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬إنني‭ ‬لو‭ ‬التحقت‭ ‬بالبرنامج‭ ‬الموسيقي،‭ ‬سأطلب‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬النوبة‭ ‬الليلية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يرغب‭ ‬فيها‭ ‬بقية‭ ‬العباد،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فما‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬الفاصل‭ ‬الموسيقي‭ ‬حتى‭ ‬أتمدد‭ ‬على‭ ‬كنبة‭ ‬مريحة‭ ‬وأشبع‭ ‬نوماً،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سأتقاضى‭ ‬راتباً‭ ‬نظير‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭!‬

ألا‭ ‬توافقونني‭ ‬الرأي‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬وأباه‭ ‬‮«‬عباقرة‮»‬‭ ‬وواقعيون‭. ‬ما‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نتفانى‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬غيرنا‭ ‬يقومون‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬أو‭ ‬أتعس‭ ‬وجه؟‭ ‬وطالما‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬–أي‭ ‬حكومة–‭ ‬تعطي‭ ‬جميع‭ ‬الموظفين‭ ‬الرواتب‭ ‬التي‭ ‬قسمها‭ ‬الله‭ ‬لهم؟‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬هل‭ ‬يتعرض‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬خلال‭ ‬العطل‭ ‬الأسبوعية‭ ‬والعامة؟‭ ‬إن‭ ‬العمل‭ ‬المقيد‭ ‬بساعات‭ ‬رسمية‭ ‬هو‭ ‬أسخف‭ ‬ما‭ ‬أنتجه‭ ‬العقل‭ ‬البشري،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنني‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬مؤيدي‭ ‬‮«‬الكتاب‭ ‬الأخضر‮»‬،‭ ‬على‭ ‬كرهي‭ ‬لمؤلفه‭ ‬معمر‭ ‬‮«‬الجزافي‮»‬،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬الفقرة‭ ‬البليغة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬شركاء‭ ‬لا‭ ‬أجراء‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬تعطيني‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬صاحب‭ ‬عمل‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬أجير‭ ‬من‭ ‬عَبَدة‭ ‬‮«‬آخر‭ ‬الشهر‮»‬‭ ‬وكشريك‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬حقي‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬كيفي‭ ‬وأن‭ ‬أتغيب‭ ‬بكيفي‭ ‬وأن‭ ‬أتقاسم‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬نتاج‭ ‬العمل‭ ‬‮«‬على‭ ‬داير‭ ‬المليم‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا