العدد : ١٧٥٢١ - الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢١ - الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ارحمونا يا أطباء

لعلك‭ ‬مُنتّبه‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تشتهيها‭ ‬النفس‭ ‬الأمّارة‭ ‬بالزيغ‭ ‬والانحراف‭ ‬إما‭ ‬حرام‭ ‬أو‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬ذمة‭ ‬الأطباء‭ ‬–‭ ‬ضارة‭ ‬بالصحة،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الباحثين‭ ‬الطبيين‭ ‬أصيبوا‭ ‬بلوثة‭ ‬عقلية،‭ ‬فقد‭ ‬أفتوا‭ ‬أخيراً‭ ‬بأن‭ ‬الشوكولاتة‭ ‬مفيدة،‭ ‬لأن‭ ‬فيها‭ ‬عنصراً‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬الكولسترول‭ ‬الضار‭ ‬في‭ ‬الدم،‭ ‬ووجه‭ ‬الغرابة‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأطباء‭ ‬لم‭ ‬يعودونا‭ ‬على‭ ‬‮«‬الكلام‭ ‬الحلو‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬كرسوا‭ ‬معرفتهم‭ ‬بالعلوم‭ ‬الطبية‭ ‬لحرماننا‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬ما‭ ‬تشتهي‭ ‬النفس‭: ‬السكر‭ (‬بفتح‭ ‬الكاف‭ ‬المشددة‭) ‬ضار‭ ‬بالصحة،‭ ‬التبغ‭ ‬بسبب‭ ‬السرطان،‭ ‬اللحم‭ ‬بسبب‭ ‬النقرس‭ ‬أو‭ ‬داء‭ ‬الملوك،‭ ‬الملح‭ ‬يرفع‭ ‬ضغط‭ ‬الدم،‭ ‬الراحة‭ ‬تسبب‭ ‬الترهل‭ ‬والتكرش،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬فإنهم‭ ‬يحثوننا‭ ‬على‭ ‬تعاطي‭ ‬أشياء‭ ‬تعافها‭ ‬النفس‭ ‬السوية،‭ ‬فينصحونا‭ ‬مثلاً‭ ‬بالإكثار‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬الخس،‭ ‬تلك‭ ‬النبتة‭ ‬البلهاء‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬طعم‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬رائحة،‭ ‬والتي‭ ‬تنمو‭ ‬أوراقها‭ ‬وتتشكل‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬قصور‭ ‬عقلي‭ ‬وفكري،‭ ‬ويشجعوننا‭ ‬على‭ ‬أكل‭ ‬الخيار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬أفضل‭ ‬طريقة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الخيار‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬يغسل‭ ‬جيداً،‭ ‬ثم‭ ‬تزال‭ ‬قشرته‭ ‬الخضراء،‭ ‬ويغمس‭ ‬في‭ ‬الخل‭ ‬والملح‭ ‬قبل‭ ‬رميه‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬القمامة‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬عظة‭ ‬لمن‭ ‬يعتبر‭. ‬والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأطباء‭ ‬ينصحوننا‭ ‬بممارسة‭ ‬الرياضة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الفراغ،‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬كلام»؟‭ ‬الرياضة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإرهاق‭ ‬والإجهاد،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬بالتالي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مفيدة‭ ‬للإنسان‭ ‬العاقل‭ ‬البالغ‭! ‬الرياضة‭ ‬مفيدة‭ ‬فقط‭ ‬لمحترفيها‭ ‬لأنها‭ ‬تعود‭ ‬عليهم‭ ‬ببعض‭ ‬المال،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬داعياً‭ ‬لانجرار‭ ‬البعض‭ ‬وراء‭ ‬نصائح‭ ‬الأطباء‭ ‬المضللة‭ ‬ليقوموا‭ ‬بشراء‭ ‬ملابس‭ ‬رياضية‭ ‬من‭ ‬جيوبهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬ليجروا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬وكأن‭ ‬بهم‭ ‬مس‭ ‬من‭ ‬الشيطان،‭ ‬بعدين‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يستفيد‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬عمل‭ ‬إضافي‭ ‬يزيد‭ ‬به‭ ‬دخله‭ ‬المالي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إضاعته‭ ‬في‭ ‬تبديد‭ ‬طاقته‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬من‭ ‬ورائه؟‭ ‬

ما‭ ‬لهم‭ ‬الأطباء‭ ‬وما‭ ‬نأكل‭ ‬وما‭ ‬نشرب؟‭ ‬لماذا‭ ‬يمنعونني‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬اللحم‭ ‬بزعم‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬أصاب‭ ‬بالنقرس،‭ ‬هل‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬أمثالي‭ ‬أن‭ ‬يعانوا‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الإمساك‭ ‬والبواسير‭ ‬ودوالي‭ ‬الساقين؟‭ ‬لماذا‭ ‬يحرمونني‭ ‬من‭ ‬الارتقاء‭ ‬الطبقي‭ ‬ولو‭ ‬تأتي‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الإصابة‭ ‬بداء‭ ‬الطبقات‭ ‬‮«‬الراقية»؟‭ ‬والغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الأطباء‭ ‬يصفون‭ ‬لك‭ ‬الدواء‭ ‬الناجع‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬يرجعون‭ ‬في‭ ‬كلامهم‮»‬‭. ‬لعشرات‭ ‬السنين‭ ‬كان‭ ‬الأسبرين‭ ‬أداة‭ ‬الردع‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬آلام‭ ‬الرأس‭ ‬والمفاصل‭ ‬والأسنان‭ ‬والشعر‭ ‬والأظافر،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬اكتسب‭ ‬شعبية‭ ‬كاسحة‭ ‬حتى‭ ‬أحس‭ ‬الأطباء‭ ‬بالغيرة‭ ‬واتهموا‭ ‬الأسبرين‭ ‬بأنه‭ ‬يسبب‭ ‬القرحة‭ ‬والحول‭ ‬والمناخوليا،‭ ‬وشرعوا‭ ‬في‭ ‬التغزل‭ ‬بمحاسن‭ ‬الباراسيتمول،‭ ‬حتى‭ ‬انخدعت‭ ‬به‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬وأصبحت‭ ‬تتعاطاه‭ ‬كبديل‭ ‬للحلوى،‭ ‬فاشتعلت‭ ‬الغيرة‭ ‬مجددا،ً‭ ‬وزعموا‭ ‬أن‭ ‬الباراسيتمول‭ ‬مضر‭ ‬بالكبد‭ ‬والكلى‭ ‬وفتحة‭ ‬الأنف‭ ‬اليسرى،‭ ‬وكي‭ ‬لا‭ ‬تنكشف‭ ‬ألاعيبهم‭ ‬قاموا‭ ‬برد‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬الإسبرين‭ ‬وقالوا‭ ‬إنه‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الإصابة‭ ‬بالجلطة‭ ‬وأمراض‭ ‬الأوعية‭ ‬الدموية‭ (‬حجة‭ ‬العلوم‭ ‬ترامب‭ ‬أفتى‭ ‬بأن‭ ‬البنادول‭ ‬ونظيره‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اسمه‭ ‬تايلينول،‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬اجهاض‭ ‬الحوامل‭).‬

آخر‭ ‬صيحة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالطب‭ ‬البديل،‭ ‬ويعني‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه‭ ‬التداوي‭ ‬بما‭ ‬تنتجه‭ ‬الطبيعة‭ ‬وعدم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الأدوية‭ ‬الكيميائية،‭ ‬وقد‭ ‬كنت‭ ‬طوال‭ ‬عمري‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬التداوي‭ ‬بالعلف‭ ‬المسمى‭ ‬بالأعشاب‭ ‬الطبية،‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬سراً‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬كانوا‭ ‬يسمون‭ ‬ذلك‭ ‬تخلفاً‭. ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬نبات‭ ‬اسمه‭ ‬الحرجل‭ ‬يداوي‭ ‬منقوعه‭ ‬آلام‭ ‬الجهاز‭ ‬الهضمي‭ ‬وأوجاع‭ ‬العادة‭ ‬الشهرية‭ ‬عند‭ ‬النساء،‭ ‬ونستخدمه‭ ‬لتقصي‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الطفل‭ ‬مصاباً‭ ‬بالحصبة‭ ‬أم‭ ‬لا،‭. ‬فبمجرد‭ ‬تبخير‭ ‬الطفل‭ ‬بفروع‭ ‬الحرجل‭ ‬الجافة‭ ‬تطفح‭ ‬الحبيبات‭ ‬إلى‭ ‬جلده،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الإصابة‭ ‬‮«‬حصبة‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬شمال‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬اكتشف‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬للميرامية‭ ‬مفعول‭ ‬السحر،‭ ‬ولاشك‭ ‬عندي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أعداداً‭ ‬وكميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأعلاف‭ ‬والحشائش‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬تتمتع‭ ‬بخاصيات‭ ‬طبية،‭ ‬وأسأل‭ ‬الله‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬الملوخية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأعلاف‭ ‬الطبية،‭ ‬والمطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬الطب‭ ‬البدائي‭ (‬البديل‭ ‬عند‭ ‬الغرب‭ ‬الاستعماري‭) ‬حتى‭ ‬يكف‭ ‬الأطباء‭ ‬عن‭ ‬ترويعنا‭ ‬وتخويفنا‭ ‬بالدرجة‭ ‬التي‭ ‬باتوا‭ ‬فيها‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬مساوئ‭ ‬البيرغر‭ ‬متناسين‭ ‬أن‭ ‬البيرغر‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الصلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬بين‭ ‬أمتنا‭ ‬والقرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا